المواد
cover-256

السيرة النبوية

تعبئة الجيش الإسلامي وقضاء الليل في الصلاة والدعاء

ثم عبأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جيشه‏،‏ ومشى في موضع المعركة، وجعل يشير بيده‏:‏ ‏‏(‏هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله‏)‏‏.‏ ثم بات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي إلى جذع شجرة هنالك، وبات المسلمون ليلهم هادئ الأنفاس منيري الآفاق، غمرت الثقة قلوبهم، وأخذوا من الراحة قسطهم؛ يأملون أن يروا بشائر ربهم بعيونهم صباحًا‏:‏ ‏{‏إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ‏}. كانت هذه الليلة ليلة الجمعة، السابعة عشرة من رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وكان خروجه صلى الله عليه وآله وسلم في 8 أو12 من نفس الشهر‏.‏
cover-255

السيرة النبوية

المسلمون يتخذون مقراً لقيادة وتيسير المعركة

وبعد أن تم نزول المسلمين على الماء اقترح سعد بن معاذ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبني المسلمون مقرًا لقيادته، استعدادًا للطوارئ، وتقديرًا للهزيمة قبل النصر، حيث قال‏:‏ يا نبي الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بِمَنْ وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك‏.‏ فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيرًا ودعا له بخير، وبني المسلمون عَرِيشًا على تل مرتفع يقع في الشمال الشرقي لميدان القتال، ويشرف على ساحة المعركة‏.‏ كما تم اختيار فرقة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حول مقر قيادته‏.‏
cover-254

السيرة النبوية

الجيش الإسلامي يسبق إلى أهم المراكز العسكرية

وتحرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر، ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه، فنزل عشاء أدنى ماء من مياه بدر، وهنا قام الحُبَاب بن المنذر كخبير عسكري وقال‏:‏ يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه‏؟‏ أم هو الرأي والحرب والمكيدة‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(‏بل هو الرأي والحرب والمكيدة‏)‏‏.‏ قال‏:‏ يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم ـ قريش ـ فننزله ونغوّر ـ أي نُخَرِّب ـ ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا، فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏لقد أشرت بالرأي‏)‏‏.‏ فنهض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجيش حتى أتى أقرب ماء من العدو، فنزل عليه شطر الليل، ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من القلب‏.‏
cover-253

السيرة النبوية

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يحصل على معلومات مهمة عن جيش المشركين

وفي مساء ذلك اليوم بعث صلى الله عليه وآله وسلم استخباراته من جديد ليبحث عن أخبار العدو، وقام لهذه العملية ثلاثة من قادة المهاجرين، علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد ابن أبي وقاص في نفر من أصحابه، ذهبوا إلى ماء بدر فوجدوا غلامين يستقيان لجيش مكة، فألقوا عليهما القبض، وجاءوا بهما إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الصلاة، فاستخبرهما القوم، فقالا‏:‏ نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان ـ لاتزال في نفوسهم بقايا أمل في الاستيلاء على القافلة ـ فضربوهما ضربًا موجعًا حتى اضطر الغلامان أن يقولا‏:‏ نحن لأبي سفيان فتركوهما‏.‏ ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مـن الصلاة قال لهم كالعاتب‏:‏ ‏‏(‏إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله، إنهما لقريش‏)‏‏.‏ ثم خاطب الغلامين قائلًا‏:‏ ‏‏(‏أخبراني عن قريش‏)‏، قالا‏:‏ هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما‏:‏ ‏‏(‏كم القوم‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ كثير‏.‏ قال‏:‏ ‏‏(‏ما عدتهم‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ لا ندرى، قال‏:‏ ‏‏(‏كم ينحرون كل يوم‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏القوم فيما بين التسعمائة إلى الألف‏)‏، ثم قال لهما‏:‏ ‏‏(‏فمن فيهم من أشراف قريش‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو البَخْتَري بن هشام، وحكيم بن حِـزام، ونَوْفَل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطُعَيْمَة بن عدى، والنضر بن الحارث، وَزمْعَة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأميــة بن خلف في رجال سمياهم‏.‏ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الناس فقال‏:‏ ‏‏(‏هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها‏)‏‏.‏
cover-252

السيرة النبوية

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يشرف بنفسه على استكشاف الأمور

وهناك قام صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه على عملية الاستكشاف مع رفيقه في الغار أبي بكر وبينما هما يتجولان حول معسكر مكة إذا هما بشيخ من العرب، فسأله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قريش وعن محمد وأصحابه ـ سأل عن الجيشين زيادة في التكتم ـ ولكن الشيخ قال‏:‏ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما‏؟‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏إذا أخبرتنا أخبرناك‏)‏، قال‏:‏ أو ذاك بذاك‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(‏نعم‏)‏‏.‏ قال الشيخ‏:‏ فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا ـ للمكان الذي به جيش المدينة،‏ وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا ـ للمكان الذي به جيش مكة‏.‏ ولما فرغ من خبره قال‏:‏ ممن أنتما‏؟‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏نحن من ماء‏)‏، ثم انصرف عنه، وبقى الشيخ يتفوه‏:‏ ما من ماء‏؟‏ أمن ماء العراق‏؟‏
cover-251

السيرة النبوية

إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بمصارع المشركين

ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبرهم بمصارع القوم، فعن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس، يقول: "هذا مصرع فلان غدا، إن شاء الله، هذا مصرع فلان غدا، إن شاء الله"، فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا الحدود التي حدها لهلاكهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
cover-250

السيرة النبوية

الرسول يعقد مجلساً عسكرياً استشارياً

ونظرًا إلى هذا التطور الخطير المفاجئ عقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلسًا عسكريًا استشاريًا أعلى، أشار فيه إلى الوضع الراهن، وتبادل فيه الرأي مع عامة جيشه وقادته‏، وحينئذ تزعزع قلوب فريق من الناس، وخافوا اللقاء الدامي، وهم الذين قال الله فيهم‏:‏ ‏{‏كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ‏}‏، وأمــا قادة الجيش فقـام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال‏:‏ يا رسول الله، امض لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى‏:‏ ‏{‏فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏24]‏، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْك الغِمَاد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيرًا ودعا له به‏.‏ وهؤلاء القادة الثلاثة كانوا من المهاجرين، وهم أقلية في الجيش، فأحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعرف رأي قادة الأنصار، لأنهم كانوا يمثلون أغلبية الجيش، ولأن ثقل المعركة سيدور على كواهلهم، مع أن نصوص العقبة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج ديارهم، فقال بعد سماع كلام هؤلاء القادة الثلاثة‏:‏ ‏‏(‏أشيروا علىّ أيها الناس‏)‏ وإنما يريد الأنصار، وفطن إلى ذلك قائد الأنصار وحامل لوائهم سعد بن معاذ‏.‏ فقال‏:‏ والله، ولكأنك تريدنا يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(‏أجل‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فقد آمنا بك، فصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُر في الحرب، صُدَّق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تَقَرَّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة الله‏.‏ وفي رواية أن سعد بن معاذ قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًا عليها ألا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم‏:‏ فاظعن حيث شئت، وصِلْ حَبْل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فهو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غِمْدان لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك‏.‏ فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال‏:‏ ‏ ‏(‏سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين -يعني القافلة أو جيش قريش-، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم‏)‏‏.‏
cover-249

السيرة النبوية

موقف الجيش الإسلامي بعد إفلات القافلة

أما استخبارات جيش المدينة فقد نقلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا يزال في الطريق بوادي ذَفِرَان خبر العير والنفير، وتأكد لديه بعد التدبر في تلك الأخبار أنه لم يبق مجال لاجتناب اللقاء الدامي، وأنه لا بد من إقدام يبنى على الشجاعة والبسالة، والجراءة والجسارة، فمما لا شك فيه أنه لو ترك جيش مكة يجوس خلال تلك المنطقة يكون ذلك تدعيمًا لمكانة قريش العسكرية، وامتدادًا لسلطانها السياسي، وإضعافًا لكلمة المسلمين وتوهينًا لها، بل ربما تبقى الحركة الإسلامية بعد ذلك جسدًا لا روح فيه، ويجرؤ على الشر كل من فيه حقد أو غيظ على الإسلام في هذه المنطقة‏.‏ ثم هل هناك ضمان للمسلمين بامتناع جيش مكة عن مواصلة سيره نحو المدينة، حتى ينقل المعركة إلى أسوارها، ويغزو المسلمين في عقر دارهم‏؟‏ كلا‏!‏ فلو حدث من جيش المدينة نكول ما، لكان له أسوأ الأثر على هيبة المسلمين وسمعتهم‏.‏
cover-248

السيرة النبوية

ارجع، فلن أستعين بمشركٍ

وفي الطريق وعند حرة الوبرة، أدرك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رجل مشركٌ يطلب اتباعه ويرجو شيئاً من المغنم، فعن عائشة قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: جئت لأتبعك وأصيب معك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تؤمن بالله ورسوله؟ ". قال: لا. قال: "فارجع، فلن أستعين بمشرك". قالت: ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما قال أول مرة، قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك". قالت: ثم رجع، فأدركه بالبيداء، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم كما قال أول مرة: "تؤمن بالله ورسوله؟ ". قال: نعم. فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "فانطلق".
cover-247

السيرة النبوية

هَمُّ جيش قريشٍ بالرجوع، ووقوع الانشقاق فيه

ولما تلقى هذه الرسالة جيش مكة هم بالرجوع، ولكن قام طاغية قريش أبو جهل في كبرياء وغطرسة قائلًا‏:‏ والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم بها ثلاثًا، فننحر الجَزُور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف لنا القِيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يـزالون يهابوننا أبدًا‏.‏ ولكن على رغم أبي جهل ـ أشار الأخْنَس بن شَرِيق بالرجوع فعصوه، فرجع هو وبنو زُهْرَة ـ وكان حليفًا لهم، ورئيسًا عليهم في هذا النفير ـ فلم يشهد بدرًا زهري واحد، وكانوا حوالي ثلاثمائة رجل، واغتبطت بنو زهرة بَعْدُ برأي الأخنس بن شريق، فلم يزل فيهم مطاعًا معظمًا‏.‏ وأرادت بنو هاشم الرجوع فاشتد عليهم أبو جهل، وقال‏:‏ لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع‏.‏ فسار جيش مكة وقوامه ألف مقاتل بعد رجوع بني زهرة ـ وهو يقصد بدرًا ـ فواصل سيره حتى نزل قريبًا من بدر، وراء كثيب يقع بالعدوة القصوى على حدود وادي بدر‏.‏
cover-246

السيرة النبوية

العير تفلت من الوقوع في قبضة المسلمين

وكان من قصة أبي سفيان أنه كان يسير على الطريق الرئيسي، ولكنه لم يزل حذرًا متيقظًا، وضاعف حركاته الاستكشافية، ولما اقترب من بدر تقدم عيره حتى لقي مَجْدِيّ بن عمرو، وسأله عن جيش المدينة، فقال‏:‏ ما رأيت أحدًا أنكره إلا إني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا، فبادر أبو سفيان إلى مناخهما، فأخذ من أبعار بعيرهما، ففته فإذا فيه النوى، فقال‏:‏ هذه والله علائف يثرب، فرجع إلى عيره سريعًا، وضرب وجهها محولًا اتجاهها نحو الساحل غربًا، تاركًا الطريق الرئيسي الذي يمر ببدر على اليسار، وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة، وأرسل رسالته إلى جيش مكة التي تلقاها في الجحفة‏.‏
cover-245

السيرة النبوية

عاتكة عمة رسول الله ترى رؤيا عجيبة

وقبل أن يقدم ضمضم إلى مكة بثلاث ليال رأت عاتكة بنت عبد المطلب عمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا أخافتها وأفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب عليه السلام فقالت له: يا أخي! والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عني ما أحدثك به، فقال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له، حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منه فلقة. فقال العباس: والله إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها، ولا تذكريها لأحد. ولم تمضي إلا أيامٌ قليلة، حتى سمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره، وقد جدع أنف بعيره، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش! اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث، وفزعت قريش أشد الفزع، وأشفقوا من قبل رؤيا عاتكة. وعاتكة هي بنت عبد المطلب، عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشقيقة أبي طالب، وعبد الله والد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أسلمت وهاجرت.
cover-244

السيرة النبوية

خوف قريش من قبائل بني بكر أن تغدر بهم

ولما أجمع جيش المشركين على المسير ذكرت قريش ما كان بينها وبين بني بكر من العداوة والحرب، فخافوا أن تضربهم هذه القبائل من الخلف، فيكونوا بين نارين، فكاد ذلك يثنيهم، ولكن حينئذ تبدى لهم إبليس في صورة سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي ـ سيد بني كنانة ـ فقال لهم‏:‏ أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فشجعهم عدو الله على المضي الى بدر لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فتحركوا بسرعة فائقة نحو الشمال في اتجاه بدر، وسلكوا في طريقهم وادي عُسْفَان، ثم قُدَيْدًا، ثم الجُحْفَة.‏
cover-243

السيرة النبوية

قوام الجيش القرشي

وكان قوام هذا الجيش نحو ألف وثلاثمائة مقاتل في بداية سيره، وكان معه مائة فرس وستمائة دِرْع، وجمال كثيرة لا يعرف عددها بالضبط، وكان قائده العام أبا جهل ابن هشام، وكان القائمون بتموينه تسعة رجال من أشراف قريش، فكانوا ينحرون يومًا تسعًا ويومًا عشرًا من الإبل‏.‏
cover-242

السيرة النبوية

قريش تتجهز للغزو وإدراك القافلة

تحفز الناس سراعًا وقالوا‏:‏ أيظن محمدٌ وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي‏؟‏ كلا والله ليعلمن غير ذلك، فكانوا بين رجلين‏:‏ إما خارج، وإما باعث مكانه رجلًا، وأوعبوا في الخروج فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، فإنه عوض عنه رجلًا كان له عليه دين، وحشدوا من حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدى فلم يخرج منهم أحد‏.‏
cover-241

السيرة النبوية

النذير في مكة

وأما خبر العير فإن أبا سفيان - وهو المسؤول عنها - كان على غاية من الحيطة والحذر، فقد كان يعلم أن طريق مكة محفوف بالمخاطر، وكان يتحسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان، ولم يلبث أن نقلت إليه استخباراته بأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد استنفر أصحابه ليوقع بالعير، وحينئذ استأجر أبو سفيان ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخاً لقريش بالنفير إلى عيرهم؛ ليمنعوه من محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وخرج ضمضم سريعاً حتى أتى مكة، فخرج ببطن الوادي واقفاً على بعيره، وقد جدع أنفه وحول رحله، وشقق قميصه، وهو يقول‏:‏ يا معشر قريش، اللطيمة، اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمدٌ وأصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث‏.‏‏.‏‏.‏ الغوث‏.‏
cover-240

السيرة النبوية

مبلغ قوة الجيش الإسلامي وتوزيع القيادات

واستعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للخروج ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ـ 313، أو 314، أو 317 رجلاً ـ 82 أو 83 أو 86 من المهاجرين و61 من الأوس و170 من الخزرج‏،‏ ولم يحتفلوا لهذا الخروج احتفالا بليغا، ولا اتخذوا أهبتهم كاملة، فلم يكن معهم إلا فرس أو فرسان‏:‏ فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرا يعتقب الرجلان والثلاثة على بعير واحد، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيراً واحد‏.‏ واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة ابن عبد المنذر، واستعمله على المدينة‏.‏ ودفع لواء القيادة العامة إلى مصعب بن عمير القرشي العبدري، وكان هذا اللواء أبيض‏.‏ وقسم جيشه إلى كتيبتين‏:‏ 1- كتيبة المهاجرين‏:‏ وأعطى رايتها علي بن أبي طالب، ويقال لها‏:‏ العقاب‏.‏ 2- وكتيبة الأنصار‏:‏ وأعطى رايتها سعد بن معاذ‏.‏ ـ وكانت الرايتان سوداوين ـ‏.‏ وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام، وعلى الميسرة المقداد بن عمرو- وكانا هما الفارسين الوحيدين في الجيش - كما سبق - وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وظلت القيادة العامة في يده صلى الله عليه وسلم كقائد أعلى للجيش‏.‏ وسار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الجيش غير المتأهب، فخرج من نقب المدينة، ومضى على الطريق الرئيسي المؤدي إلى مكة، حتى بلغ بئر الروحاء، فلما ارتحل منها ترك طريق مكة إلى اليسار، وانحرف ذات اليمين على النازية يريد بدراً فسلك في ناحية منه حتى جزع ودياً يقال له‏:‏ رحقان بين النازية وبين مضيق الصفراء، ثم مر على المضيق ثم انصب منه حتى قرب من الصفراء، ومن هنالك بعث بسبس بن عمرو الجني وعدي بن أبي الزغباء الجهني إلى بدر يتجسسان له أخبار العير‏.‏
cover-239

السيرة النبوية

غزوة بدر الكبرى أول معركة من معارك الإسلام الفاصلة

سبب الغزوة سبق في ذكر غزوة العشيرة أن عيراً لقريش أفلتت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذهابها من مكة إلى الشام، فلما قرب رجوعها من الشام إلى مكة بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى الشمال ليقوما باكتشاف خبرها، فوصلا إلى الحوراء ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير، فأسرعا إلى المدينة وأخبرا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخبر‏.‏ وكانت العير تحمل ثروات طائلة لكبار أهل مكة ورؤسائها‏:‏ ألف بعير موقرة بأموال لا تقل عن خمسين ألف دينار ذهبي‏،‏ ولم يكن معها من الحرس إلا نحو أربعين رجلا‏.‏ فكانت هذه فرصة ذهبية للمسلمين ليصيبوا أهل مكة بضربة اقتصادية قاصمة، تتألم لها قلوبهم على مر العصور، لذلك أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً‏:‏ ‏ ‏(‏هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها‏)‏‏.‏ ولم يعزم على أحد بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، لما أنه لم يكن يتوقع عند هذا الانتداب أنه سيصطدم بجيش مكة - بدل العير- هذا الاصطدام العنيف في بدر، ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة، وهم يحسبون أن مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الوجه لن يعدو ما ألفوه في السرايا والغزوات الماضية؛ ولذلك لم ينكر على أحد تخلفه في هذه الغزوة‏.‏
cover-238

السيرة النبوية

غزوة بدر الكبرى أول معركة من معارك الإسلام الفاصلة

كانت في نهار يوم الجمعة السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة. قال عنها أهل السير: وكان ذلك -أي وقوع غزوة بدر- يوم الجمعة، وافق السابع عشر من رمضان، من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرب محله، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ، فأعز الله رسوله، وأظهر وحيه وتنزيله، وبيض وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وأخزى الشيطان وجيله من كفرة قريش ومن كان معهم.
cover-237

السيرة النبوية

فرض صيام رمضان والمراحل التي مرت بها فرضيته

فرض صيام شهر رمضان في شعبان من السنة الثانية للهجرة بعد تحويل القبلة إلى الكعبة بشهر، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد صام تسع رمضانات بإجماع أهل العلم: وقد مر فرض صيام شهر رمضان على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: كان على التخيير بين صيامه وبين أن يطعم عن كل يوم مسكينا، وفي ذلك نزل قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين}. المرحلة الثانية: هي صيامه، لكن إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء، أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة. المرحلة الثالثة: وهي التي استقر عليها الشرع إلى يوم القيامة، فأنزل الله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون}.
cover-236

السيرة النبوية

اليهود تزداد حقداً وحسداً بعد تحويل القبلة

وبعد أن حولت القبلة من المسجد الأقصى إلى الكعبة المشرفة، امتلأت قلوب اليهود حقداً وحسداً على المسلمين، بهذا الفضل الذي أعطاه الله تعالى للمسلمين، وهو هدايتهم للكعبة المشرفة، وصدق رسول صلى الله عليه وآله وسلم لما قال: "إنهم لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين"
cover-235

السيرة النبوية

تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة بيت الله الحرام‏

وفي النصف من رجب من السنة الثانية للهجرة أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام. فعن البراء بن عازب قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهراً، ثم صرفنا نحو الكعبة. قال ابن عباس عليه السلام: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم صرفت القبلة بعد. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، ولذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم حين يصلي بمكة يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فيصيب القبلتين معا، فعن ابن عباس عليه السلام قال: كان رسول الله يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه، وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرا، ثم صرف إلى الكعبة. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يعد يمكنه ذلك، من الجمع بين الكعبة وبيت المقدس، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من الدعاء إلى الله عز وجل، فكان مما يرفع يديه، وطرفه إلى السماء سائلاً الله تعالى ذلك، فأنزل الله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام (4) وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره}، فتوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحو الكعبة.
cover-234

السيرة النبوية

أحوال الغزوات بإيجاز‏

1-غزة الأبواء أو ودان‏:‏ في صفر سنة 2 هـ، الموافق أغسطس سنة 623م، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها بنفسه في سبعين رجلاً من المهاجرين خاصة يعترض عيراً لقريش، حتى بلغ ودان، فلم يلق كيداً، واستخلف فيها على المدينة سعد بن عبادة‏.‏ وفي هذه الغزوة عقد معاهدة حلف مع عمرو بن مخشى الضمري، وكان سيد بنى ضمرة في زمانه، وهذا نص المعاهدة‏:‏ ‏(‏هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمره، فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وإن لهم النصر على من رامهم إلا أن يحاربوا دين الله ن ما بل بحر صوفة وأن النبي إذا دعاهم لنصره أجابوه‏)‏‏.‏ وهذه أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة، وكان اللواء أبيض وحامله حمزة بن عبد المطلب‏ عليه السلام.‏ 2- غزوة بواط‏:‏ في شهر ربيع الأول سنة 2 هـ الموافق سبتمبر سنة 623م، خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مائتين من أصحابه، يعترض عيراً لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش، وألفان وخمسمئة بعير، فبلغ بواطا من ناحية رضوى ولم يلق كيدا‏.‏ واستخلف في هذه الغزوة على المدينة سعد بن معاذ، واللواء كان أبيض، وحامله سعد بن أبي وقاص‏.‏ 3-غزوة سفوان: في شهر ربيع الأول سنة 2 هـ، الموافق سبتمبر سنة 623م، أغار كرز بن جابر الفهري في قوات خفيفة من المشركين على مراعي المدينة، ونهب بعض المواشي فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سبعين رجلاً من أصحابه لمطارته، حتى بلغ وادياً يقال له‏:‏ سفوان من ناحية بدر، ولكنه لم يدرك كرزاً وأصحابه، فرجع من دون حرب، وهذه الغزوة تسمى بغزوة بدر الأولى‏.‏ واستخلف في هذه الغزوة على المدينة زيد بن حارثة، وكان اللواء أبيض، وحامله علي بن أبي طالب‏ عليه السلام.‏ 4- غزوة ذي العشيرة‏:‏ في جمادى الأولى، وجمادى الآخرة سنة 2 هـ، الموافق نوفمبر وديسمبر سنة 623هـ، خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خمسين ومائة ويقال‏:‏ في مائتين، من المهاجرين، ولم يكره أحداً على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيراً يعتقبونها، يعترضون عيراً لقريش، ذاهبة إلى الشام، وقد جاء الخبر بفصولها من مكة، فيها أموال لقريش فبلغ ذا العشيرة، فوجد العير قد فاتته بأيام، وهذه هي العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، فصارت سبباً لغزوة بدر الكبرى‏.‏ وكان خروجه صلى الله عليه وآله وسلم في أواخر جمادى الأولى، ورجوعه في أوائل جمادى الآخرة، ولعل هذه هو سبب اختلاف أهل السير في تعيين شهر هذه الغزوة‏.‏ وفي هذه الغزوة عقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معاهدة عدم اعتداء مع بني مدلج وحلفائهم من بنى ضمرة‏.‏ واستخلف على المدينة في هذه الغزوة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وكان اللواء أبيض، وحامله حمزة عليه السلام.
cover-233

السيرة النبوية

أحوال السرايا بإيجاز‏

1- سرية سيف البحر: في رمضان سنة 1 هـ، الموافق مارس سنة 623م، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذه السرية حمزة بن عبد المطلب عليه السلام، وبعثه في ثلاثين رجلاً من المهاجرين يعترضون عيراً لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص، فالتقوا واصطفوا للقتال، فمشى مجدي بن عمرو الجني ـ وكان حليفاً للفريقين جميعاً ـ بين هؤلاء وهؤلاء حتى حجز بينهم فلم يقتتلوا‏.‏ وكان لواء حمزة عليه السلام أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان أبيض، وحمله أبو مرثد كَناز بن حصين الغَنَوي‏.‏ 2-سرية رابغ‏:‏ في شوال سنة 1 من الهجرة، الموافق أبريل سنة 632م، بعث لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين رجلاً من المهاجرين، فلقى أبا سفيان - وهو في مائتين - على بطن رابغ، وقد ترامي الفريقان بالنبل، ولم يقع قتال‏.‏ وفي هذه السرية انضم رجلان من جيش مكة إلى المسلمين، وهما المقداد بن عمرو البهراني، وعتبه بن غزوان المارني، وكانا مسلمين خرجا مع الكفار ليكون ذلك وسيلة للوصول إلى المسلمين، وكان لواء عبيدة أبيض، وحامله مسطح بن أثاثة بن المطلب بن عبد مناف‏.‏ 3- سرية الخرار: في ذي العقدة سنة 1 هـ، الموافق مايو سنة 623م، بعث لها رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص في عشرين رجلا يعترضون عيراً لقريش، وعهد إليه إلا يجاوز الخرار، فخرجوا مشاة يكمنون بالنهار، ويسيرون بالليل، حتى بلغوا الخرار صبيحة خمس، فوجدوا العير قد مرت بالأمس‏.‏ كان لواء سعد أبيض، وحمله المقداد بن عمرو‏.‏ 4- سرية نخلة‏:‏ في رجب سنة 2 هـ، الموافق يناير سنة 624م، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب له كتاباً، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه‏.‏ فسار عبد الله ثم قرأ الكتاب بعد يومين، فإذا فيه‏:‏ ‏‏(‏إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكلة والطائف، فترصد بها عير قريش وتعلم لنا من أخبارهم‏)‏‏،‏ فقال‏:‏ سمعاً وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك، وأنه لا يستكرههم، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، وأما أنا فناهض، فنهضوا كلهم، غير أنه لما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا في طلبه‏.‏ وسار عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة، وفيها عمرو بن الخضرمي، وعثمان ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة، والحكم ابن كيسان مولى بني المغيرة‏.‏ فتشاور المسلمون وقالوا‏:‏ نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اجتمعوا على اللقاء، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان والحكم وأفلت نوفل، ثم قدموا بالعير والأسيرين إلى المدينة، وقد عزلوا من ذلك الخمس، وهو أو خمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام‏.‏ وأنكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما فعلوه، وقال‏:‏ ‏‏(‏ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام‏)‏ وتوقف عن التصرف في العير والأسيرين‏.‏
cover-232

السيرة النبوية

الغزوات والسرايا قبل بدر الكبرى

ولتنفيذ هاتين الخطتين بدأت التحركات العسكرية فعلاً بعد نزول الإذن بالقتال وكانت أشبه بالدوريات الاستطلاعية، وكان المطلوب منها كما سبق: الاستكشاف والتعرف على الطرق المحيطة بالمدينة، والمسالك المؤدية إلى مكة‏.‏ عقد المعاهدات مع القبائل التي مساكنها على هذه الطرق‏.‏ إشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية الضاربين حولها بأن المسلمين أقوياء وأنهم تخلصوا من ضعفهم القديم‏.‏ إنذار قريش عُقبَى طيشها، حتى تفيق عن غَيها الذي لا يزال يتوغل في أعماقها، وعلها تشعر بتفاقم الخطر على اقتصادها وأسباب معايشها فتجنح إلى السلم، وتمتنع عن إرادة قتال المسلمين في عقر دارهم، وعن الصد عن سبيل الله، وعن تعذيب المستضعفين من المؤمنين في مكة، حتى يصير المسلمون أحراراً في إبلاغ رسالة الله في ربوع الجزيرة‏.‏
cover-231

السيرة النبوية

وجاء الإذن بالقتال

في هذه الظروف الخطيرة التي كانت تهدد كيان المسلمين بالمدينة، وتنبئ عن قريش أنهم لا يفيقون عن غيهم ولا يمتنعون عن تمردهم بحال، أنزل الله تعالى الإذن بالقتال للمسلمين ولم يفرضه عليهم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ‏}‏.‏ وأنزل معه آيات بين لهم فيها أن هذا الإذن إنما هو لإزاحة الباطل وإقامة شعائر الله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ‏}‏. وكان الإذن مقتصراً على قتال قريش، ثم تطور فيما بعد مع تغير الظروف حتى وصل إلى مرحلة الوجوب، وجاوز قريشاً إلى غيرهم، ولا بأس أن نذكر تلك المراحل بإيجاز قبل أن ندخل في ذكر الأحداث‏:‏ 1- اعتبار مشركي قريش محاربين؛ لأنهم بدأوا بالعدوان، فحق للمسلمين أن يقاتلوهم ويصادروا أموالهم دون غيرهم من بقية مشركي العرب‏.‏ 2- قتال كل من تعاون من مشركي العرب مع قريش واتحد معهم، وكذلك كل من تفرد بالاعتداء على المسلمين من غير قريش‏.‏ 3- قتال من خان أو تحيز للمشركين من اليهود الذين كان لهم عقد وميثاق مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونبذ ميثاقهم إليهم على سواء‏.‏ 4- قتال من بدأ بعداوة المسلمين من أهل الكتاب، كالنصارى، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون‏.‏ 5- الكف عمن دخل في الإسلام، مشركاً كان أو يهودياً أو نصرانياً أو غير ذلك، فلا يتعرض لنفسه وماله إلا بحق الإسلام، وحسابه على الله‏.‏ ولما نزل الإذن بالقتال رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبسط سيطرته على الطريق الرئيس الذي تسلكه قريش من مكة إلى الشام في تجاراتهم، واختار لذلك خطتين‏:‏ الأولى‏:‏ عقد معاهدات الحلف أو عدم الاعتداء مع القبائل التي كانت مجاورة لهذا الطريق، أو كانت تقطن ما بين هذا الطريق وما بين المدينة، وقد عقد صلى الله عليه وآله وسلم معاهدة مع جهينة قبل الأخذ في النشاط العسكري، وكانت مساكنهم على ثلاث مراحل من المدينة، كما عقد معاهدات أخرى أثناء دورياته العسكرية، وسيأتي ذكرها‏.‏ الثانية‏:‏ إرسال البعوث واحدة تلو الأخرى إلى هذا الطريق‏.‏
cover-230

السيرة النبوية

قريش تهدد المهاجرين

لم تنقطع قريشٌ عن التربص بالمسلمين ومحاولة إيقاع الشرور بهم حتى بعد هجرتهم إلى المدينة المنورة، ولم يكن هذا مجرد وهم أو خيال، فقد تأكد لدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكائد قريش وإرادتها على الشر ما كان لأجله لا يبيت إلا ساهراً، أو في حرس من الصحابة فعن عائشة قالت‏:‏ سهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال‏:‏ ‏‏(‏ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة‏)‏، قالت‏:‏ فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال‏:‏ ‏‏(‏من هذا ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏ما جاء بك‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم نام‏.‏ ولم تكن هذه الحراسة مختصة ببعض الليالي، بل كان ذلك أمراً مستمراً، فقد روي عن عائشة قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحرس ليلاً حتى نزل‏:‏ ‏{‏وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏}‏، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه من القبة، فقال‏:‏ ‏‏(‏يا أيها الناس، انصرفوا عني فقد عصمني الله عز وجل‏)‏‏.‏ ولم يكن الخطر مقتصراً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل كان يحدق بالمسلمين كافة، فقد روى أبي بن كعب، قال‏:‏ لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه‏.‏
cover-229

السيرة النبوية

استفزازات قريش واتصالهم بعبد الله بن أبي سلول

كتبت قريش إلى عبد الله بن أبي سلول- وكان إذ ذاك مشركاً - بصفته رئيس الأنصار قبل الهجرة - فمعلوم أنهم كانوا قد اتفقوا عليه، وكادوا يجعلونه ملكاً على أنفسهم لولا أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم، وآمنوا به - كتبوا إليه وإلى أصحابه المشركين، يقولون لهم في كلمات باتة‏:‏ إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم‏.‏ وبمجرد بلوغ هذا الكتاب قام عبد الله بن أبي ليمتثل أوامر إخوانه المشركين من أهل مكة - وقد كان يحقد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ لما يراه أنه استبله ملكه- يقول عبد الرحمن بن كعب‏:‏ فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقيهم، فقال‏:‏ ‏‏(‏لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر ما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقالوا أبناءكم وإخوانكم‏)‏، فلما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم تفرقوا‏.‏ امتنع عبد الله بن أبي بن سلول عن القتال إذ ذلك، لما رأي خوراً أو رشداً في أصحابه، ولكن يبدو من تصرفاته أنه كان متواطئاً مع قريش، فكان لا يجد فرصة إلا وينتهزها لإيقاع الشر بين المسلمين والمشركين، وكان يضم معه اليهود، ليعينوه على ذلك، ولكن تلك هي حكمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي كانت تطفئ نار شرهم حينا بعد حين‏.‏
cover-228

السيرة النبوية

يهود تقصد الفتنة في المدينة المنورة

قال كعب بن أسد، وابن صلوبا، وعبد الله بن صوريا، وشأس بن قيس، بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه، فإنما هو بشر، فأتوه، فقالوا له: يا محمد، إنك قد عرفت أننا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعتك يهود، ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين بعض قومنا خصومة، أفنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدقك؟ فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما (1) لقوم يوقنون}. وقال جماعة من اليهود لبعضهم البعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع، ويرجعون عن دينه، فانزل الله تعالى فيهم: {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون، وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون، ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله، أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم}.
cover-227

السيرة النبوية

مجاهرة اليهود بالعداء والبغضاء لرسول الله

لما رأى اليهود انتشار الإسلام في المدينة حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها، أظهروا الحقد والحسد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونصبوا العداوة له ولأصحابه. وانضاف إليهم رجال من الأوس والخزرج، ممن بقوا على جاهليتهم، فكانوا أهل نفاق، على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعث، إلا أن الإسلام قهرهم بظهوره، واجتماع قومهم عليه، فتظاهروا بالإسلام، واتخذوه جنة، من القتل، ونافقوا في السر، وكان هواهم مع يهود لتكذيبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجحودهم الإسلام. فمن هؤلاء اليهود الذين نصبوا العداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وكانوا أشد الناس كيدا: حيي بن أخطب وأخوه أبو ياسر، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع، وكعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وعمرو بن جحاش، ورفاعة بن يزيد بن التابوت. ومنهم كذلك ابن صلوبا الفطيوني الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا محمد! ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك لها، فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله: {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون}. ومنهم رافع بن حريملة، ووهب بن زيد.