السيرة النبوية
cover-112

السيرة النبوية

رسول الله يخاف من نسيان القرآن

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخاف من نسيان الوحي، فقد جاء عن ابن عباس عليه السلام، في قوله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعالج من التنزيل شدةً، وكان يحرك شفتيه، فأنزل الله قوله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه} قال: جمعه في صدرك وأن تقرأه، {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} قال: فاستمع له وأنصت، {ثم إن علينا بيانه}، ثم إن علينا أن تقرأه، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل عليه السلام استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما أقرأه.
cover-110

السيرة النبوية

أقسام الوحي

إحداها‏:‏ الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه صلى الله عليه وآله وسلم‏.‏ الثانية‏:‏ ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ (‏إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته‏)‏‏.‏ الثالثة‏:‏ إنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يتمثل له الملك رجلًا فيخاطبه حتى يَعِيَ عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا‏.‏ الرابعة‏:‏ أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه، فيلتبس به الملك، حتى أن جبينه ليتَفَصَّد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى أن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها، ولقد جاء الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضها‏.‏ الخامسة‏: أنه كان يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحى إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله تعالى ذلك في سورة النجم‏.‏ السادسة‏:‏ ما أوحاه الله إليه، وهو فوق السماوات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها‏.‏ السابعة‏:‏ كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك كما كلم الله موسى بن عمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعًا بنص القرآن‏،‏ وثبوتها لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم هو في حديث الإسراء‏.‏
cover-109

السيرة النبوية

رسول الله يكرم بالرسالة ويكلف تكليفاً ثقيلاً

اشتملت سورة المدثر على نوعين من أنواع التكليف: النوع الأول‏:‏ تكليفه صلى الله عليه وآله وسلم بالبلاغ والتحذير، وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُمْ فَأَنذِرْ‏}‏ فإن معناه‏:‏ حذر الناس من عذاب الله إن لم يرجعوا عما هم فيه من الغي والضلال وعبادة غير الله تعالى، والإشراك به في الذات والصفات والحقوق والأفعال‏.‏ النوع الثاني‏:‏ تكليفه صلى الله عليه وآله وسلم بتطبيق أوامر الله سبحانه وتعالى على ذاته، والالتزام بها في نفسه؛ ليحرز بذلك مرضاة الله ، ويصير أسوة حسنة لمن آمن بالله وذلك في بقية الآيات‏،‏ فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ‏}‏ معناه‏:‏ خصه بالتعظيم، ولا تشرك به في ذلك أحدًا‏،‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ‏}‏ المقصود الظاهر منه‏:‏ تطهير الثياب والجسد، إذ ليس لمن يكبر الله ويقف بين يديه أن يكون نجسًا مستقذرًا‏،‏ وإذا كان هذا التطهر مطلوبًا فإن التطهر من أدران الشرك وأرجاس الأعمال والأخـلاق أولـى بالطـلب، وقولــه‏:‏ ‏{‏وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ‏}‏ معناه‏:‏ ابتعد عن أسباب سخط الله وعذابه، وذلك بالتزام طاعته وترك معصيته، الى غير ذلك من الفضائل والأعمال التي أمره الله تعالى أن يتحلى بها في هذه السورة. أما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ‏}‏، ففيه الحث على الصبر مما سيلحقه من أذى قومه حين يفارقهم في الدين ويقوم بدعوتهم إلى الله وحده وبتحذيرهم من عذابه وبطشه، وانتزاعه من النوم والتدثر والدفء إلى الجهاد والكفاح والمشقة.
cover-108

السيرة النبوية

جبريل ينزل بالوحي مرة ثانية

قال أهل العلم: والحكمة من فتور الوحي، ليذهب ما كان صلى الله عليه وآله وسلم قد وجده من الروع، وليحصل له التشوف إلى العود، فلما حصل له ذلك وأخذ يرتقب مجيء الوحي أكرمه الله بالوحي مرة ثانية،‏ قال‏:‏ صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جواري هبطت، ‏فلما استبطنت الوادي‏ فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، ‏‏فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فَجُئِثْتُ منه رعبًا حتى هويت إلى الأرض‏، فأتيت خديجة فقلت‏:‏ ‏[‏زملوني، زملوني‏]‏، دثروني، وصبوا على ماء باردًا‏)‏، قال‏:‏ (‏فدثروني وصبوا على ماء باردًا، فنزلت‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ‏}‏ وذلك قبل أن تفرض الصلاة، ثم حمى الوحي بعد وتتابع‏.‏
cover-107

السيرة النبوية

جبريل ينزل بالوحي

بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتحنث ويتعبد في غار حراء إذ جاءه الملك فقال‏:‏ اقرأ‏،‏ قال‏:‏ (‏ما أنا بقارئ‏)‏، قال‏:‏ (‏فأخذني فغطني حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلني، فقال‏:‏ اقرأ، قلت‏:‏ مـا أنـا بقـارئ، قـال‏:‏ فأخذني فغطني الثانية حتى بلـغ منـى الجهد، ثم أرسلني فقال‏:‏ اقرأ، فقلت‏:‏ ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثـم أرسلـني فـقـال‏:‏ ‏{‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ‏، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال‏:‏ (‏زَمِّلُوني زملوني‏)‏، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة‏:‏ (‏ما لي‏؟‏‏)‏ فأخبرها الخبر، (‏لقد خشيت على نفسي‏)‏، فقالت خديجة‏:‏ كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة ـ وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي ـ فقالت له خديجة‏:‏ يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة‏:‏ يا ابن أخي، ماذا ترى‏؟‏ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأي، فقال له ورقة‏:‏ هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ (‏أو مخرجيّ هم‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يَنْشَبْ ورقة أن توفي. ثم فتر نزول الوحي: أما مدة فترة الوحي فقد اختلف أهل السير فيها على عدة أقوال‏،‏ والصحيح أنها كانت أيامًا، وقد رووا عن عباس عليه السلام ما يفيد ذلك‏،‏ وأما ما اشتهر من أنها دامت ثلاث سنوات أو سنتين ونصفًا فليس بصحيح‏.‏ وقد بقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أيام الفترة كئيبًا محزونًا تعتريه الحيرة والدهشة، حتى جاءه الفرج من ربه تعالى ونزل عليه جبريل بالوحي مرة أخرى.
cover-106

السيرة النبوية

العام الذي نبئ فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

ولما تكاملت له أربعون سنة، وهي رأس الكمال، وقيل‏:‏ ولها تبعث الرسل، بدأت طلائع النبوة تلوح وتلمع، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، حتى مضت على ذلك ستة أشهر ـ ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة ـ فلما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلته صلى الله عليه وآله وسلم بحراء شاء الله أن يفيض من رحمته على أهل الأرض، فأكرمه بالنبوة، وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن‏.‏ وبعد النظر والتأمل في القرائن والدلائل يمكن لنا أن نحدد ذلك اليوم بأنه كان يوم الاثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلًا، وقد وافق 10 أغسطس سنة 610 م، وكان عمره صلى الله عليه وآله وسلم إذ ذاك بالضبط أربعين سنة قمرية، وستة أشهر، و12 يومًا، وذلك نحو 39 سنة شمسية وثلاثة أشهر وعشرين يومًا‏.‏
cover-105

السيرة النبوية

في غار حراء

لما تقاربت سنه صلى الله عليه وآله وسلم الأربعين، وكانت تأملاته الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه، حبب إليه الخلاء، فكان يأخذ السَّوِيق والماء، ويذهب إلى غار حراء في جبل النور على مبعدة نحو ميلين من مكة ـ وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع من ذراع الحديد، فيقيم فيه شهر رمضان، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها من قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه‏.‏ وكان اختياره صلى الله عليه وآله وسلم لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له، وليكون انقطاعه عن شواغل الأرض وضَجَّة الحياة وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة نقطة تحول لاستعداده لما ينتظره من الأمر العظيم، فيستعد لحمل الأمانة الكبرى وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ‏.‏‏.‏‏.‏ دبر الله له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات، ينطلق في هذه العزلة شهرًا من الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله.‏
cover-104

السيرة النبوية

مقدمات نزول الوحي (تسليم الحجر والشجر عليه)

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن". وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل، ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله. وروى أهل السير أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أراده الله تعالى بكرامته، وابتدأه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد في الفضاء، ويفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها، فلا يمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، قال: فيلتفت رسول الله حوله، وعن يمينه، وشماله، وخلفه، فلا يرى إلا الشجر والحجارة، فمكث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذلك يرى ويسمع، ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل عليه السلام بما جاءه من الوحي، وهو بحراء في شهر رمضان.
cover-103

السيرة النبوية

مقدمات نزول الوحي (حبه للخلوة)

ولما تقاربت سن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأربعين حبب الله تعالى إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده، فكان يهجر مكة كل عام ليقضي شهر رمضان في غار حراء، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية. وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتزود لخلوته لبعض ليالي الشهر، فإذا نفد ذلك الزاد رجع إلى أهله يتزود قدر ذلك، فيقيم في حراء شهراً من كل سنة، ويقضي وقته في التفكير فيما حوله من مشاهد الكون، ويتأمل في عظمة خلق الله تعالى. قالت عائشة: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم. . . ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه -أي يتعبد- الليالي ذوات العدد. وكان النبي إذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف قبل أن يدخل بيته الكعبة، فيطوف بها سبعا، أو ما شاء الله تعالى من ذلك، ثم يرجع إلى بيته. قال أهل العلم: والحكمة في تخصيصه صلى الله عليه وآله وسلم بالتخلي في غار حراء أن المقيم فيه كان يمكنه رؤية الكعبة، فيجتمع لمن يخلو فيه ثلاث عبادات: الخلوة، والتعبد، والنظر إلى البيت. وظل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك ثلاث سنوات إلى أن جاءه الوحي وهو في إحدى خلواته تلك.
cover-102

السيرة النبوية

مقدمات نزول الوحي (الرؤيا الصادقة)

أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من النبوة الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح، حتى مضت على ذلك ستة أشهر، ثم بدئ بالوحي صلى الله عليه وآله وسلم. عن عائشة أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. قال أهل العلم: بدئ بالرؤيا الصادقة ليكون تمهيدا وتوطئة لليقظة، وقالوا: المراد بفلق الصبح ضياؤه، وخص بالتشبيه لظهوره الواضح الذي لا شك فيه.
cover-101

السيرة النبوية

حجب الشياطين عن استراق السمع عند قرب مبعثه

تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحضر مبعثه، حجبت الشياطين عن السمع، وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد لاستراق السمع فيها، فرموا بالنجوم، فعرفت الجن أن ذلك لأمر حدث من أمر الله في العباد، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم حين بعثه، وهو يقص عليه خبر الجن إذ حجبوا عن السمع، فعرفوا ما عرفوا، وما أنكروا من ذلك حين رأوا ما رأوا: {قل أوحي إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا إلى قوله تعالى: {وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (9) وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا}. فلما سمعت الجن القرآن عرفت أنها إنما منعت من السمع قبل ذلك، لئلا يشكل الوحي بشيء من خبر السماء، فيلتبس على أهل الأرض ما جاءهم من الله تعالى فيه، لوقوع الحجة، وقطع الشبهة، فآمنوا وصدقوا، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، {قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم}.
cover-99

السيرة النبوية

قلق غامض وعدم ترقب لنبوة أو رسالة

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجد في نفسه قلقاً غامضاً لا يعرف مصدره ولا مصيره، وما كان يخطر بباله لحظة، ما الله مكرمه به من الوحي والرسالة، ولا يحلم بذلك في يوم من الأيام، يقول الله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}. وقال الله تعالى: {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين}. إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يستشرف للنبوة، ولا يحلم بها، وإنما كان يلهمه الله تعالى الخلوة للعبادة تطهيرا، وإعدادا روحيا لتحمل أعباء الرسالة، ولو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستشرف للنبوة لما فزع من نزول الوحي عليه، ولما نزل إلى خديجة يستفسرها عن سر تلك الظاهرة التي رآها في غار حراء، ولم يتأكد من أنه رسول إلا بعد نزول الوحي عليه مرة ثانية بعد فترة الوحي. وكان من حكمة الله تعالى وتربيته، أن نشأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فكان أبعد عن تهمة الأعداء، وظنة المفترين، وإلى ذلك أشار القرآن الكريم: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون}. وقد لقبه القرآن الكريم بالأمي فقال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل}.
cover-98

السيرة النبوية

لم يشرب رسول الله خمراً ولا قرب من فاحشة

ولم يشرب خمرًا قط صلى الله عليه وآله وسلم، ولا اقترف فاحشة أبداً، ولا انغمس فيما كان ينغمس فيه أهل الجاهلية أنذاك من اللهو، واللعب، والميسر، ومصاحبة الأشرار ومعاشرة القيان، على ما كان عليه من فتوة وشباب، وشرف ونسب، وعزة قبيلة، وكمال، وجمال، وغيرها من وسائل الإغراء. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر ذلك، وهو كبير، ويعده من نعم الله تعالى عليه، وعصمته له، فقد جاء عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "ما هممت بقبيح مما يهم به أهل الجاهلية إلا مرتين من الدهر، كلتاهما عصمني الله منهما، قلت ليلة لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في غنم لأهلنا نرعاها: أبصر لي غنمي حتى أسمر، هذه الليلة كما يسمر الفتيان، قال: نعم، فخرجت، فلما جئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء وصوت دفوف ومزامير، قلت: ما هذا؟ قالوا: فلان تزوج فلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني، فنمت، فما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، ثم فعلت ليلة أخرى مثل ذلك، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لي مثل ما قيل لي، فسمعت كما سمعت، حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا مس الشمس، ثم رجعت إلى صاحبي، فقال لي: ما فعلت؟ فقلت: ما فعلت شيئا". قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فوالله ما هممت بعدهما بسوء مما يعمله أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته".
cover-97

السيرة النبوية

بُغِّض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشعر

وكذلك بغض إليه صلى الله عليه وآله وسلم قول الشعر فلم يعرف عنه أنه قال شعراً، أو أنشأ قصيدةً، أو حاول ذلك، لأن ذلك لا يتلاءم مع مقام النبوة، ولم يكن الشعراء بذوي الأخلاق، والسيرة المرضية، فلا عجب أن نزهه الله سبحانه وتعالى عن الشعر، والرسالة تقتضي انطلاقا في الأسلوب والتعبير، والشعر تقيد والتزام، وصدق الله تعالى حيث يقول: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له}. ومع هذا فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يتذوق ما في الشعر من جمال، وحكمة، وروعة، ويستنشده أصحابه أحيانا، ولا عجب فهو القائل صلى الله عليه وآله وسلم: "إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر حكمةً". وهو القائل لحسان بن ثابت: "اهج المشركين، فإن جبريل معك".
cover-96

السيرة النبوية

بُغِّضت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأصنام والأوثان

ونشأ رسول الله سليم العقيدة، صادق الإيمان، عميق التفكر، غير خاضع لترهات الجاهلية، فما عرف عنه أنه سجد لصنم قط، أو تمسح به، أو ذهب إلى عراف أو كاهن، بل بُغِض إليه عبادة الأصنام، والتمسح بها، ذكر أصحاب السير عن عروة بن الزبير قال: حدثني جار لخديجة بنت خويلد، أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول لخديجة: "أي خديجة، والله لا أعبد اللات، والله لا أعبد العزى أبدا"، قال: فتقول خديجة: خل اللات، خل العزى. ولما لقي بحيرا الراهب، قال له بحيرا: أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه، وكان بحيرا سمع قومه يحلفون بهما، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تسألني بحق اللات والعزى شيئا، فوالله ما أبغضت شيئاً قط بغضي لهما. وجاء عند أصحاب السير أنه كان صنمان من نحاس يقال لهما: إساف، ونائلة يتمسح بهما المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وطفت معه، فلما مررت، مسحت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تمسه"، قال زيد: فطفنا، فقلت في نفسي: لأمسنه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تمسه، ألم تنه؟ ". قال زيد: فوالذي أكرمه، وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنما قط حتى أكرمه الله تعالى بالذي أكرمه، وأنزل عليه.
cover-95

السيرة النبوية

الله عز وجل يحفظ نبيه من أدران الجاهلية

ظلت حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى البعثة حياة فاضلة شريفة، لم تعرف له فيها هفوة، ولم تحص عليه فيها زلة، لقد شب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحوطه الله تعالى بعنايته، ويحفظه من أقذار الجاهلية، لما يريده له من كرامته ورسالته، حتى صار أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأكرمهم حسبًا، وأحسنهم جوارًا، وأعظمهم حِلماً، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، حتى صار يلقب "بالأمين" صلى الله عليه وآله وسلم.
cover-94

السيرة النبوية

قريش تُحَكِم الأمين في مسألة وضع الحجر الأسود

ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه، واستمر النزاع أربع ليال أو خمسًا، واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحرم، إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومي عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد فارتضوه، وشاء الله أن يكون ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رأوه هتفوا‏:‏ هذا الأمين، رضيناه، هذا محمد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب رداء فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعًا بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه، وهذا حل حصيف رضى به القوم‏.‏
cover-93

السيرة النبوية

قريش تعيد بناء الكعبة المشرفة

ولخمس وثلاثين سنة من مولده صلى الله عليه وآله وسلم قامت قريش ببناء الكعبة، وذلك لأن الكعبة كانت رَضْمًا فوق القامة (يعني أن تنضد الحجارة بعضها فوق بعض من غير ملاطٍ)، ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل عليه السلام، ولم يكن لها سقف، فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها، وكانت مع ذلك قد تعرضت ـ باعتبارها أثرًا قديما ـ للعوادي التي أدهت بنيانها، وصدعت جدرانها، وقبل بعثته صلى الله عليه وآله وسلم بخمس سنين جرف مكة سيل عرم انحدر إلى البيت الحرام، فأوشكت الكعبة منه على الانهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصًا على مكانتها، واتفقوا على ألا يدخلوا في بنائها إلا طيبًا، فلا يدخلون فيها مهر بغى ولا بيع ربًا ولا مظلمة أحد من الناس، وكانوا يهابون هدمها، فأخذ المعول وقال‏:‏ اللهم إننا لا نريد إلا الخير، ثم هدم ناحية الركنين، ولما لم يصبه شيء تبعه الناس في الهدم في اليوم الثاني، ولم يزالوا في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم، ثم أرادوا الأخذ في البناء فجزأوا الكعبة، وخصصوا لكل قبيلة جزءًا منها‏.‏ فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة، وأخذوا يبنونها، وتولى البناء بناء رومي اسمه‏:‏ باقوم.
cover-85

السيرة النبوية

كل أولاده صلى الله عليه وآله وسلم من خديجة

وكل أولاده صلى الله عليه وآله وسلم منها سوى إبراهيم، فقد ولدت له‏:‏ القاسم ـ وبه كان يكنى ـ ثم زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وعبد الله‏،‏ وكان عبد الله يلقب بالطيب والطاهر، ومات أبناؤه صلى الله عليه وآله وسلم كلهم في صغرهم، أما البنات فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن، إلا أنهن أدركتهن الوفاة في حياته صلى الله عليه وآله وسلم سوى فاطمة عليها السلام، فقد تأخرت بعده ستة أشهر ثم لحقت به‏.‏ ‏
cover-84

السيرة النبوية

زواجه صلى الله عليه وآله وسلم بخديجة

ولما رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم تر قبل هذا، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأى فيه صلى الله عليه وآله وسلم من شمائل كريمة، وفكر راجح، ومنطق صادق، ونهج أمين، وجدت ضالتها المنشودة، وكان سادات قريش يحرصون على الزواج منها فتأبى عليهم ذلك، فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، وهذه ذهبت إليه صلى الله عليه وآله وسلم تفاتحه أن يتزوج خديجة، فرضي بذلك، وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجة وخطبوها إليه، وعلى إثر ذلك تم الزواج، وحضر العقد بنو هاشم ورؤساء مضر، وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين، وأصدقها عشرين بَكْرة‏.‏ وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسبًا وثروة وعقلًا، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت‏.‏
cover-83

السيرة النبوية

النبي الأكرم ومزاولة التجارة مع خديجة

انتقل صلوات الله وسلامه عليه إلى مزاولة التجارة حين شب، فقد ورد أنه كان يتجر مع السائب بن أبي السائب المخزومي فكان خير شريك له، لا يداري ولا يماري، وجاءه يوم الفتح فرحب به، وقال‏:‏ مرحبًا بأخي وشريكي‏.‏ وفي الخامسة والعشرين من سنه خرج تاجرًا إلى الشام في مال خديجة رضي الله عنها، وقد كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قومًا تجارًا، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرًا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له‏:‏ ميسرة، فقبله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام‏، ولما رجع من الشام رجع لها بخير عظيم.
cover-82

السيرة النبوية

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشهد حلف الفضول

وعلى إثر حرب الفجار وقع حلف الفضول في ذي القعدة في شهر حرام تداعت إليه قبائل من قريش‏:‏ بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جُدْعان التيمي، لسنِّه وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وشهد هذا الحلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،‏ وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة‏:‏ ‏(‏لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت‏)‏‏.‏
cover-81

السيرة النبوية

حرب الفِجَار

وفي السنة العشرين من عمره صلى الله عليه وآله وسلم وقعت في سوق عُكاظ حرب بين قريش ومعهم كنانة وبين قَيْس عَيْلان، تعرف بحرب الفِجَار وسببها:‏ أن أحد بني كنانة، واسمه البَرَّاض، اغتال ثلاثة رجال من قيس عيلان، ووصل الخبر إلى عكاظ فثار الطرفان، وكان قائد قريش وكنانة كلها حرب بن أمية؛ لمكانته فيهم سنا وشرفًا، وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة، حتى إذا كان في وسط النهار كادت الدائرة تدور على قيس‏.‏ ثم تداعى بعض قريش إلى الصلح على أن يحصوا قتلى الفريقين، فمن وجد قتلاه أكثر أخذ دية الزائد‏.‏ فاصطلحوا على ذلك، ووضعوا الحرب، وهدموا ما كان بينهم من العداوة والشر‏.‏ وسميت بحرب الفجار؛ لانتهاك حرمة الشهر الحرام فيها، وقد حضر هذه الحرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان ينبل على عمومته، أي يجهز لهم النبل للرمي في هذه المعركة‏.‏
cover-80

السيرة النبوية

سيد الأولين والآخرين يرعى الغنم على قراريط

كان أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مُقِلاً في الرِّزق، فعمل النَّبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم برعي الغنم مساعدةً له، فلقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسه الكريمة، وعن إخوانه من الأنبياء، أنَّهم رعوا الغنم، أمَّا هو فقد رعاها لأهل مكَّة وهو غلامٌ، وأخذ حقَّه عن رعيه، ففي الحديث الصَّحيح قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما بعث الله نبياً إلا رَعى الغنم» فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم! كنت أرعاها على قراريط لأهل مكَّة». وإنَّ رعي الغنم كان يتيح للنَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم التَّربية النَّفسيَّة ويعده لما يستقبل من أمر النبوة ومن الصَّبر، والحلم، والأناة، والرَّأفة، والرَّحمة.
cover-79

السيرة النبوية

يستسقى الغمام بوجهه

ذكر أصحاب السير خبراً عن جَلْهُمَة بن عُرْفُطَة قال‏:‏ قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش‏:‏ يا أبا طالب، أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهَلُمَّ فاستسق، فخرج أبو طالب ومعه غلام، كأنه شمس دُجُنَّة، تجلت عنه سحابة قَتْمَاء، حوله أُغَيْلمة، فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بأضبعه الغلام، وما في السماء قَزَعَة، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدق واغْدَوْدَق، وانفجر الوادي، وأخصب النادي والبادي، وفي ذلك أنشد أبو طالب‏:‏ وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ربيع اليتامى عصمة للأرامل يطيف به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل بميزان قسط لا يخس شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل
cover-78

السيرة النبوية

في حضانة جده العطوف عبد المطلب

رجع به جده عبد المطلب إلى مكة، فعطف عليه عطفاً لم يعطفه على أحد من أولاده، فكان لا يدعه لوحدته المفروضة، بل يؤثره على أولاده، ذكر أصحاب السير: أنه كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالًا له، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأتي وهو غلام حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم‏:‏ دعوا ابني هذا، فوالله إن له لشأنًا، ثم يجلس معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع‏.‏ ولما بلغ ثمان سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره صلى الله عليه وآله وسلم توفي جده عبد المطلب بمكة، ورأى قبل وفاته أن يعهد بكفالته إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه‏.‏
cover-77

السيرة النبوية

حليمة السعدية ترجع رسول الله إلى أمه الحنون خوفاً عليه

بعد حادثة شق صدره صلى الله عليه وآله وسلم، خشيت عليه حليمة السعدية أن يصيبه مكروه، فردته إلى أمه، فكان عند أمه إلى أن بلغ ست سنين‏.‏ ورأت أمه آمنة أن تزور قبر زوجها عبد الله بيثرب، فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ نحو خمسمائة كيلو متر ومعها ولدها اليتيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وخادمتها أم أيمن، وقيمها عبد المطلب، فمكثت شهرًا ثم قفلت، وبينما هي راجعة إذ لحقها المرض في أوائل الطريق، ثم اشتد حتى ماتت بالأبْوَاء بين مكة والمدينة‏.‏
cover-76

السيرة النبوية

إخوته صلى الله عليه وآله وسلم من الرضاعة

وإخوته صلى الله عليه وآله وسلم من الرضاعة‏:‏ عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة أو جذامة بنت الحارث ‏(‏وهي الشيماء، لقب غلب على اسمها‏)‏ وكانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان عمه حمزة بن عبد المطلب مسترضعًا في بني سعد بن بكر، فأرضعت أمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومًا وهو عند أمه حليمة، فكان حمزة رضيع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من جهتين، من جهة ثويبة ومن جهة السعدية‏.‏
cover-75

السيرة النبوية

أبناء عبد المطلب

وكان لعبد المطلب عشرة بنين، وهم‏:‏ الحارث، والزبير، وأبو طالب، وعبد الله، وحمزة، وأبو لهب، والغَيْدَاق، والمُقَوِّم، وضِرَار، والعباس‏.‏ وقيل‏:‏ كانوا أحد عشر، فزادوا ولدًا اسمه‏:‏ قُثَم، وقيل‏:‏ كانوا ثلاثة عشر، فزادوا‏:‏ عبد الكعبة وحَجْلًا، وقيل‏:‏ إن عبد الكعبة هو المقوم، وحجلا هو الغيداق، ولم يكن من أولاده رجل اسمه قثم، وأما البنات فست وهن‏:‏ أم الحكيم ـ وهي البيضاء ـ وبَرَّة، وعاتكة، وصفية، وأرْوَى، وأميمة‏.‏
cover-70

السيرة النبوية

بيئة الدعوة قبل البعثة المحمدية المباركة ( عقائد وعبادات )

    كانت عشيرة النبي صلى الله عليه وآله ذات مكانة عريقة متميزة في مكة، وكانوا في جاهليتهم يعبدون آلهة زعموها، وكانوا يتشفعون بالأصنام، وكانوا يقلدون معتقدات آبائهم بعصبية وجاهلية، وكانوا يتخذون لأنفسهم أصنامًا في بيوتهم يعبدونها ويتقربون بها إلى الله، ويتمسحون بها في أسفارهم، ولذلك لما دعاهم النبي صلى الله عليه وآله للتوحيد عابوه!