السيرة النبوية
cover-145

السيرة النبوية

الهجرة الثانية إلى الحبشة

واستعد المسلمون للهجرة مرة أخرى، وعلى نطاق أوسع، ولكن كانت هذه الهجرة الثانية أشق من سابقتها، فقد تيقظت لها قريش وقررت إحباطها، بيد أن المسلمين كانوا أسرع، ويسر الله لهم السفر، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن يدركوا‏.‏ وفي هذه المرة هاجر من الرجال ثلاثة وثمانون رجلًا إن كان فيهم عمار، فإنه يشك فيه، وثماني عشرة أو تسع عشرة امرأة‏.‏
cover-144

السيرة النبوية

سجود المشركين مع المسلمين وعودة المهاجرين

وفي رمضان من نفس السنة خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحرم، وفيه جمع كبير من قريش، فيهم ساداتهم وكبراؤهم، فقام فيهم، وفاجأهم بتلاوة سورة النجم، ولم يكن أولئك الكفار سمعوا كلام الله من قبل، لأنهم كانوا مستمرين على ما تواصى به بعضهم بعضًا، من قولهم‏:‏ ‏{‏لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ‏}‏، فلما باغتهم بتلاوة هذه السورة، وقرع آذانهم كلام إلهي خلاب، وكان أروع كلام سمعوه قط، أخذ مشاعرهم، ونسوا ما كانوا فيه فما من أحد إلا وهو مصغ إليه، لا يخطر بباله شيء سواه، حتى إذا تلا في خواتيم هذه السورة قوارع تطير لها القلوب، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا‏}‏، ثم سجد، لم يتمالك أحد نفسه حتى خر ساجدًا‏.‏ وفي الحقيقة كانت روعة الحق قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين، فما تمالكوا أن يخروا لله ساجدين‏.‏ وسَقَطَ في أيديهم لما أحسوا أن جلال كلام الله لَوَّى زمامهم، فارتكبوا عين ما كانوا يبذلون قصارى جهدهم في محوه وإفنائه، وقد توالى عليهم اللوم والعتاب من كل جانب، ممن لم يحضر هذا المشهد من المشركين، وعند ذلك كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافتروا عليه أنه عطف على أصنامهم بكلمة تقدير، وأنه قال عنها ما كانوا يرددونه هم دائما من قولهم‏:‏ ‏(‏تلك الغرانيـق العلى، وإن شفاعتهم لترتجى‏)‏، جاءوا بهذا الإفك المبـين ليعـتذروا عـن سجودهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وليس يستغـــرب هـذا مـن قـوم كانوا يألفون الكذب، ويطيلون الدس والافتراء‏.‏ وبلغ هذا الخبر إلى مهاجري الحبشة، ولكن في صورة تختلف تمامًا عن صورته الحقيقية، بلغهم أن قريشًا أسلمت، فرجعوا إلى مكة في شوال من نفس السنة، فلما كانوا دون مكة ساعة من نهار وعرفوا جلية الأمر رجع منهم من رجع إلى الحبشة، ولم يدخل في مكة من سائرهم أحد إلا مستخفيًا، أو في جوار رجل من قريش‏.‏ ثم اشتد عليهم وعلى المسلمين البلاء والعذاب من قريش، وسطت بهم عشائرهم، فقد كان صعب على قريش ما بلغها عن النجاشي من حسن الجوار، ولم ير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدا من أن يشير على أصحابه بالهجرة إلى الحبشة مرة أخرى‏.‏
cover-143

السيرة النبوية

الكبر والحسد منعا أبا جهل من الإسلام

عن المغيرة بن شعبة قال: إن أول يوم عرفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أني كنت أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض طرق مكة، إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي جهل: "يا أبا الحكم! هلم إلى الله عز وجل، وإلى رسوله أدعوك إلى الله". فقال أبو جهل: يا محمد هل أنت منته عن سب آلهتنا، هل تريد إلا أن نشهد أن قد بلغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغت، فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حقا ما اتبعتك فانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأقبل علي أبو جهل، فقال: فوالله إني لأعلم أن ما يقول حق، ولكن بني قصي قالوا: فينا الحجابة، فقلنا نعم، فقالوا فينا الندوة، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا اللواء، فقلنا: نعم، قالوا: فينا السقاية، فقلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكت الركب، قالوا: منا نبي، والله لا أفعل.
cover-142

السيرة النبوية

زعماء قريش يستمعون القرآن سراً

وكان أشراف قريش يستشعرون حلاوة القرآن في قلوبهم، ولكنهم يكابرون. ذكر أصحاب السير أن ثلاثة من زعماء قريش، هم: أبو سفيان بن حرب، وأبو جهل بن هشام، والأخنس بن شريق، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً، ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال له: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد، فقال: يا أبا ثعلبة: والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به كذلك، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال له: يا أبا الحكم: ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال أبو جهل: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه، فقام عنه الأخنس وتركه.
cover-141

السيرة النبوية

الهجرة الأولى إلى الحبشة

كانت بداية الاعتداءات في أواسط أو أواخر السنة الرابعة من النبوة، بدأت ضعيفة، ثم لم تزل تشتد يومًا فيومًا وشهرًا فشهرا، حتى تفاقمت في أواسط السنة الخامسة، ونبا بهم المقام في مكة، وأخذوا يفكرون في حيلة تنجيهم من هذا العذاب الأليم، وفي هذه الظروف نزلت سورة الزمر تشير إلى اتخاذ سبيل الهجرة، وتعلن بأن أرض الله ليست بضيقة ‏{‏لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ الله ِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ‏}‏.‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد علم أن أصْحَمَة النجاشي ملك الحبشة ملك عادل، لا يظلم عنده أحد، فأمر المسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة فرارًا بدينهم من المشركين، وأقام المسلمون في الحبشة في أحسن جوار‏.‏ عدد المهاجرين إلى الحبشة: أول من خرج إلى الحبشة هو عثمان بن عفان، ومعه زوجته رقية بنت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أما الباقون من الرجال، وهم العشرة، لأن عثمان الحادي عشر: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وأبو سبرة بن أبي رهم، وسهيل بن بيضاء، وأبو حاطب بن عمرو. وأما النسوة الثلاث ورابعتهن رقية بنت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسهلة بنت سهيل بن عمرو زوجة أبي حذيفة بن عتبة، وولدت بالحبشة ابنها محمد بن أبي حذيفة، وأم سلمة بنت أبي أمية زوجة أبي سلمة بن عبد الأسد، وولدت بالحبشة ابنتها زينب بنت أبي سلمة، وليلى بنت أبي حثمة زوجة عامر بن ربيعة، فهؤلاء أول من خرج من المسلمين إلى الحبشة، وكان أميراً عليهم عثمان بن مظعون.
cover-140

السيرة النبوية

في دار الأرقم ابن أبي الأرقم

كانت هذه الدار في أصل الصفا، بعيدة عن أعين طغاة قريش ومجالسهم، فاختارها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليجتمع فيها بالمسلمين سرًا، فيتلو عليهم آيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وليؤدي المسلمون عبادتهم وأعمالهم، ويتلقوا ما أنزل الله على رسوله وهم في أمن وسلام، وليدخل من يدخل في الإسلام ولا يعلم به طغاة قريش.‏ ومما لم يكن يشك فيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو اجتمع بالمسلمين علنا لحاول المشركون بكل ما عندهم من القسوة والغلظة أن يحولوا بينه وبين ما يريد من تزكية نفوسهم ومن تعليمهم الكتاب والحكمة، وربما أفضى ذلك إلى مصادمة الفريقين. ومعلوم أن المصادمة لو تعددت وطالت لأفضت إلى تدمير المسلمين وإبادتهم، فكان من الحكمة السريةُ والاختفاء، فكان عامة الصحابة يُخْفُون إسلامهم وعبادتهم واجتماعهم، أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان يجهر بالدعوة والعبادة بين ظهراني المشركين، لا يصرفه عن ذلك شيء، ولكن كان يجتمع مع المسلمين سرًا، نظرًا لمصلحتهم ومصلحة الإسلام‏.‏
cover-139

السيرة النبوية

أشد الناس أذية وعداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

كان النفر الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته: أبا لهب، والحكم بن أبي العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدى بن حمراء الثقفي، وابن الأصداء الهذلي ـ وكانوا جيرانه ـ لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص، فكان أحدهم يطرح عليه صلى الله عليه وآله وسلم رحم الشاة وهو يصلى، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجرًا ليستتر به منهم إذا صلى فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا طرحوا عليه ذلك الأذى يخرج به على العود، فيقف به على بابه، ثم يقول‏:‏ ‏(‏يا بني عبد مناف، أي جوار هذا‏؟‏‏)‏ ثم يلقيه في الطريق‏.‏ وازداد عقبة بن أبي مُعَيْط في شقاوته وخبثه، عن عبد الله بن مسعود‏:‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض‏:‏ أيكم يجيء بسَلاَ جَزُور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم ‏[‏وهو عقبة بن أبي معيط‏]‏ فجاء به فنظر، حتى إذا سجد النبي وضع على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر، لا أغني شيئًا، لو كانت لي منعة، قال‏:‏ فجعلوا يضحكون، ويحيل بعضهم على بعضهم ‏[‏أي يتمايل بعضهم على بعض مرحًا وبطرًا‏]‏ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساجد، لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمة عليها السلام، فطرحته عن ظهره، فرفع رأسه صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الطيبين، ثم قال‏:‏ ‏[‏الله م عليك بقريش‏]‏ ثلاث مرات. وكان أمية بن خلف إذا رأي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم همزه ولمزه‏.‏ وفيه نزل قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ‏}‏. أما أخوه أبي بن خلف فكان هو وعقبة بن أبي معيط متصافيين‏،‏ وجلس عقبة مرة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسمع منه، فلما بلغ ذلك أبيًا أنبه وعاتبه، وطلب منه أن يتفل في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ففعل، وأبي بن خلف نفسه فت عظمًا رميمًا ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏، وقال: يا محمد! أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرم، ثم فته بيده، ثم نفخه نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نعم أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعدما تكونان هكذا، ثم يدخلك النار. فأنزل الله تعالى فيه: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}.‏ وكان الأخنس بن شَرِيق الثقفي ممن ينال من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد وصفه القرآن بتسع صفات تدل على ما كان عليه، وهي في قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ‏}‏. وكان أبو جهل يجيء أحيانًا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسمع منه القرآن، ثم يذهب عنه فلا يؤمن ولا يطيع، ولا يتأدب ولا يخشى، ويؤذى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقول، ويصد عن سبيل الله ، ثم يذهب مختالًا بما فعل، فخورًا بما ارتكب من الشر، كأن ما فعل شيئًا يذكر، وفيه نزل‏:‏ ‏{‏فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى‏}‏، وكان يمنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة منذ أول يوم رآه يصلى في الحرم، ومرة مر به وهو يصلى عند المقام فقال‏:‏ يا محمد، ألم أنهك عن هذا، وتوعده، فأغلظ لــه رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانتـهره، فقال‏:‏ يا محمد، بأي شيء تهددني‏؟‏ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديًا،‏ فأنزل الله ‏{‏فَلْيَدْعُ نَادِيَه سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ‏}‏، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بخناقه وهزه، وهو يقول له‏:‏‏{‏أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى‏}‏، فقال عدو الله ‏:‏ أتوعدني يا محمد‏؟‏ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئًا، وإني لأعز من مشى بين جبليها‏.‏ وازداد أو جهل شقاوة فيما بعد،‏ فعن أبي هريرة قال‏:‏ قال أبو جهل‏:‏ يعفر محمد وجهه بين أظهركم‏؟‏ فقيل‏:‏ نعم، فقال‏:‏ واللات والعزى، لئن رأيته لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى، زعم ليطأ رقبته، فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقى بيديه، فقالوا‏:‏ ما لك يا أبا الحكم‏؟‏ قال‏:‏ إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحةً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏(‏لو دنا منى لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا‏)‏‏.‏
cover-138

السيرة النبوية

وبدأت الإعتداءات على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

واخترقت قريش ما كانت تتعاظمه وتحترمه منذ ظهرت الدعوة على الساحة، فقد صعب على غطرستها وكبريائها أن تصبر طويلًا، فمدت يد الاعتداء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع ما كانت تأتيه من السخرية والاستهزاء والتشويه والتلبيس والتشويش وغير ذلك‏.‏ وكان من الطبيعي أن يكون عمه أبو لهب في مقدمتهم وعلى رأسهم، فإنه كان أحد رؤوس بني هاشم، فلم يكن يخشى ما يخشاه الآخرون، وكان عدوًا لدودًا للإسلام وأهله، وقد وقف موقف العداء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منذ اليوم الأول، واعتدى عليه قبل أن تفكر فيه قريش، وقد مضى ذكر ما فعل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في مجلس بني هاشم، وما فعل على الصفا‏.‏ وكان أبو لهب قد زوج ولديه عتبة وعتيبة ببنتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رقية وأم كلثوم قبل البعثة، فلما كانت البعثة أمرهما بتطليقهما بعنف وشدة حتى طلقاهما‏.‏ ولما مات عبد الله، الابن الثاني لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، استبشر أبو لهب وذهب إلى المشركين يبشرهم بأن محمدًا صار أبتراً‏.‏ وكانت زوجة أبي لهب، أم جميل أروى بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفيان، لا تقل عن زوجها في عداوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كانت تحمل الشوك، وتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى بابه ليلًا، وكانت امرأة سليطة اللسان تبسط فيه لسانها، وتطيل عليه الافتراء والدس، وتؤجج نار الفتنة، وتثير حربًا شعواء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك وصفها القرآن بحمالة الحطب‏.‏ ولما سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر وفي يدها فِهْرٌ ‏[‏أي بمقدار ملء الكف‏]‏ من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت‏:‏ يا أبا بكر، أين صاحبك‏؟‏ قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إني لشاعرة‏.‏ ثم قالت‏:‏ مُذَمَّما عصينا * وأمره أبينا * ودينه قَلَيْنا. ثم انصرفت، فقال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله، أما تراها رأتك‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏ما رأتني، لقد أخذ الله ببصرها عني‏)‏‏.‏
cover-137

السيرة النبوية

قريش بين يدي أبي طالب مرة أخرى

ولما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ماض في دعوته وعمله عرفت أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه مجمع لفراقهم وعداوتهم في ذلك، فذهبوا إليه بعمارة ابن الوليد بن المغيرة وقالوا له‏:‏ يا أبا طالب، إن هذا الفتى أنْهَدَ فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدًا فهو لك، وأسْلِمْ إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل، فقال‏:‏ والله لبئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذيه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه‏؟‏ هذا والله ما لا يكون أبدًا‏،‏ فقال المطعم بن عدى بن نوفل ابن عبد مناف‏:‏ والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئًا، فقال‏:‏ والله ما أنصفتموني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علىّ، فاصنع ما بدا لك‏.‏ ولما فشلت قريش في هذه المفاوضات، ولم توفق في إقناع أبي طالب بمنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكفه عن الدعوة إلى الله، قررت أن تختار سبيلا قد حاولت تجنبه والابتعاد منه مخافة مغبته وما يؤول إليه، وهو سبيل الاعتداء على ذات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم‏.‏
cover-136

السيرة النبوية

قريش تهدد أبا طالب

وجاء سادات قريش إلى أبي طالب فقالوا له‏:‏ يا أبا طالب، إن لك سنًا وشرفًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين‏.‏ عَظُم على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال له‏:‏ يا بن أخي، إن قومك قد جاءونى فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فظن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عمه خاذله، وأنه ضعُف عن نصرته، فقال‏:‏ ‏(‏يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ـ حتى يظهره الله أو أهلك فيه ـ ما تركته‏)‏، ثم استعبر وبكى، وقام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فلما أقبل قال له‏:‏ اذهب يا بن أخي، فقل ما أحببت، فو الله لا أُسْلِمُك لشيء أبدًا وأنشد‏:‏ والله لن يصلوا إليك بجَمْعـِهِم ** حتى أُوَسَّدَ في التــراب دفيــنًا. فاصدع بأمرك ما عليك غَضَاضَة ** وابْشِرْ وقَرَّ بذاك منك عيونًا.
cover-135

السيرة النبوية

اشتداد أذى قريش

واشتدت ضراوة المشركين بالمستضعفين من المؤمنين، حتى ساموهم ألوانًا من العذاب فكانوا يأخذونهم، ويلبسونهم دروعاً من حديد، ثم يصهرونهم في الشمس. عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس عليه السلام: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من العذاب ما يعذرون في ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم، ويجوعونه، ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى إن الجعل، ليمر بهم، فيقولون له: أهذا الجعل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده.
cover-134

السيرة النبوية

أول من جهر بالقرآن عند الكعبة

ومع كل هذه الابتلاءات التي تعرض لها الصحابة، إلا أن الحماس فيهم كان عظيمًا للدعوة الله عز وجل وتبليغ دينه وكلامه، لكنهم لم يكونوا يجرؤون على الجهر بالقرآن أمام قريش، وأول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن مسعود. جاء عند أصحاب السير، أنه اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فهل من رجل يسمعهموه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا، قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، قال: دعوني فإن الله عز وجل سيمنعني، قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، فقام عند المقام، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم رافعاً صوته: {الرحمن علم القرآن} قال: ثم استقبلها يقرأ فيها، قال: وتأملوه فجعلوا يقولون: ما يقول ابن أم عبد؟ قال: ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقاموا إليه، فجعلوا يضربونه في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها، قالوا: حسبك فقد أسمعتهم ما يكرهون.
cover-133

السيرة النبوية

صور من التعذيب والإيذاء

لقد تفننت قريش في إذاقة كل من آمن بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ألواناً من العذاب والأذى، وذلك لإجبارهم على ترك دين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكذلك لتخويف كل من يريد أن يسلم أو يفكر في الدخول في هذا الدين العظيم. عن ابن مسعود قال: كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمنعه الله عز وجل بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم دروعاً من حديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد وافقهم، على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، وكان يخرجه سيده أمية بن خلف، إذا حميت الشمس وقت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد. وكان عم عثمان بن عفان يلفه في حصير من ورق النخيل ثم يدخنه من تحته‏.‏ ولما علمت أم مصعب بن عمير بإسلامه منعته الطعام والشراب، وأخرجته من بيته، وكان من أنعم الناس عيشًا، فتَخَشَّفَ جلده تخشف الحية‏.‏ وممن عذب كذلك من الصحابة وأوذي أذية بالغة: الزبير بن العوام كان يأخذه عمه ويلفه في حصير، ويدخن عليه بالنار، ويقول له: ارجع إلى الكفر، فيقول: لا أكفر أبدا. كان مصعب بن عمير فتى مكة شبابا وجمالا، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه مليئة كثيرة المال تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرقه، وكان أعطر أهل مكة، فكان صلى الله عليه وسلم- يذكره ويقول: "ما رأيت بمكة أحدا أحسن لمة (أي شَعراً)، ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير"، فبلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم بن أبي الأرقم، فدخل عليه فأسلم وصدق به، وخرج فكتم إسلامه خوفا من أمه وقومه، فكان يختلف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرا، فبصر به عثمان بن طلحة يصلي فأخبر أمه وقومه، فأخذوه فحبسوه فلم يزل محبوسا حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى، ثم رجع مع المسلمين حين رجعوا، فرجع متغير الحال قد حرج -يعني غلظ- فكفت أمه عنه. وكان عمر بن الخطاب قبل أن يسلم، يوثق سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ويعذبه على إسلامه. ومن الذين عذبوا امرأة يقال لها: النهدية وبنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما أبو بكر وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها، وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدا، فقال أبو بكر: حل يا أم فلان، فقالت: حل، أنت أفسدتهما فأعتقهما، قال: قد ابتعتهما، وهما حرتان. وممن عذب كذلك وأوذي كثيراً، عمار بن ياسر وأمه وأبوه، من المستضعفين الذين عذبوا بمكة ليرجعوا عن دينهم، فكانت بنو مخزوم، وعلى رأسهم أبو جهل لعنه الله يخرجون بهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء، فيعذبونهم بحرها، فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم يعذبون فقال: "صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة". فمات ياسر في العذاب، وأما سمية أم عمار فطعنها أبو جهل -قبحه الله- بحربة في قبلها فماتت، وهي أول شهيدة في الإسلام. ومن الذين عذبوا من الصحابة المستضعفين صهيب بن سنان الرومي، فقد عذب في مكة حتى كان يغمى عليه من شدة التعذيب. وكان بني عبد الدار يخرجون أبا فكيهة، نصف النهار في حر شديد، وهو مقيد بالحديد، فيبطحونه في الرمضاء، ويضعون الصخرة على ظهره حتى لا يعقل، فلم يزل كذلك حتى هاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية. وغيرهم كثير ممن عذبوا على أيدي صناديد الكفر في قريش.
cover-132

السيرة النبوية

المجاهرون بالظلم والأذى والعداوة لرسول الله وللمسلمين

وهؤلاء فيهم من هلك على الكفر وفيهم من مَنًّ الله عليه بالإسلام، فأسلم وحسن إسلامه وهم كالآتي: 1 - عمه أبو لهب، هلك بعد غزوة بدر الكبرى كافراً. 2 - ابن عمه أبو سفيان بن الحارث، أسلم قبل فتح مكة وحسن إسلامه. 3 - عتبة بن ربيعة، قتل كافرا في غزوة بدر الكبرى. 4 - شيبة بن ربيعة، قتل كافرا في غزوة بدر الكبرى. 5 - عقبة بن أبي معيط، أسر في غزوة بدر الكبرى، ثم أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقتله، فقتل كافرا. 6 - أبو سفيان بن حرب، أسلم في فتح مكة وحسن إسلامه. 7 - الحكم بن أبي العاص بن أمية، أسلم في فتح مكة وحسن إسلامه. 8 - النضر بن الحارث، أسر في غزوة بدر الكبرى، ثم أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقتله، فقتل كافرا. 9 - أبو البختري بن العاصي بن هشام، قتل في غزوة بدر الكبرى كافرا. 10 - أبو جهل بن هشام، فرعون هذه الأمة قتل في غزوة بدر الكبرى كافرا لعنه الله تعالى. 11 - الوليد بن المغيرة، مات قبل غزوة بدر الكبرى كافرا. 12 - العاص بن وائل، مات قبل غزوة بدر الكبرى كافرا. 13 - أمية بن خلف، قتل في غزوة بدر الكبرى كافرا قتله الصحابي بلال بن رباح. 14 - أبي بن خلف، قتله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة أحد كافرا، وهو الوحيد الذي قتله النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فهؤلاء كانوا أشد على المؤمنين مثابرة بالأذى، ومعهم سائر قريش، يعذبون من لا منعة له، ولا جوار من قومه، ومنهم من يؤذون.
cover-131

السيرة النبوية

أساليب شتى لمجابهة الدعوة والقضاء عليها (3)

ثالثاً: الحيلولة بين الناس وبين سماعهم القرآن، ومعارضته بأساطير الأولين‏:‏ كان المشركون بجنب إثارة هذه الشبهات يحولون بين الناس وبين سماعهم القرآن ودعوة الإسلام بكل طريق يمكن، فكانوا يطردون الناس ويثيرون الشغب والضوضاء ويتغنون ويلعبون، إذا رأوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتهيأ للدعوة، أو إذا رأوه يصلى ويتلو القرآن‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏26‏]‏ حتى إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتمكن من تلاوة القرآن عليهم في مجامعهم ونواديهم إلا في أواخر السنة الخامسة من النبوة، وذلك أيضًا عن طريق المفاجأة، دون أن يشعروا بقصده قبل بداية التلاوة‏.‏ وكان النضر بن الحارث، أحد شياطين قريش قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلسًا للتذكير بالله والتحذير من نقمته خلفه النضر ويقول‏:‏ أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار، ثم يقول‏:‏ بماذا محمد أحسن حديثًا مني‏.‏ وفي رواية عن ابن عباس عليه السلام أن النضر كان قد اشترى جارية، فكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى جاريته، فيقول‏:‏ أطعميه واسقيه وغني له، هذا خير مما يدعوك إليه محمد، وفيه نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله ِ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 6‏]‏‏.‏ ومن الأساليب التي اعتمدتها قريش كذلك، أسلوب المساومات: هي مساومات حاولوا بها أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق بأن يترك المشركون بعض ما هم عليه، ويترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض ما هو عليه، فأنزل الله تعالى: {ودوا لو تدهن، فيدهنون} يعني: ود هؤلاء المشركون يا محمد لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم، فيلينون لك في عبادتك إلهك. قال أصحاب السير: اعترض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يطوف بالكعبة، الأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل السهمي، فقالوا: يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد، كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد، كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى: {قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما أعبد (3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) لكم دينكم ولي دين}. أي: إن كنتم لا تعبدون إلا الله، إلا أن أعبد ما تعبدون، فلا حاجة لي بذلك منكم، لكم دينكم جميعا ولي دين، وحسم الله مفاوضاتهم بهذه المفاصلة الجازمة.
cover-130

السيرة النبوية

أساليب شتى لمجابهة الدعوة والقضاء عليها (2)

ثانياً: إثارة الشبهات وتكثيف الدعايات الكاذبة‏:‏ وقد أكثروا من ذلك وتفننوا فيه بحيث لا يبقى لعامة الناس مجال للتدبر في دعوته والتفكير فيها، فكانوا يقولون عن القرآن‏:‏ ‏{‏أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏5‏]‏ يراها محمد بالليل ويتلوها بالنهار، ويقولون‏:‏ ‏{‏بَلِ افْتَرَاهُ‏}‏ من عند نفسه ويقولون‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ‏}‏ وقالوا‏:‏ ‏{‏إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 4‏]‏ أي اشترك هو وزملاؤه في اختلاقه‏.‏ ‏{‏وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏5‏]‏ وأحيانا قالوا‏:‏ إن له جنًا أو شيطانًا يتنزل عليه كما ينزل الجن والشياطين على الكهان‏.‏ قال تعالى ردًا عليهم‏:‏ ‏{‏هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏221، 222‏]‏، أي إنها تنزل على الكذاب الفاجر المتلطخ بالذنوب، وما جرّبتم علىّ كذبًا، وما وجدتم في فسقًا، فكيف تجعلون القرآن من تنزيل الشيطان‏؟‏ وأحيانًا قالوا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ إنه مصاب بنوع من الجنون، فهو يتخيل المعانى، ثم يصوغها في كلمات بديعة رائعة كما يصوغ الشعراء، فهو شاعر وكلامه شعر‏.‏ قال تعالى ردًا عليهم‏:‏ ‏{‏وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏225‏:‏ 226‏]‏ فهذه ثلاث خصائص يتصف بها الشعراء ليست واحدة منها في النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالذين اتبعوه هداة مهتدون، متقون صالحون في دينهم وخلقهم وأعمالهم وتصرفاتهم، وليست عليهم مسحة من الغواية في أي شأن من شئونهم، ثم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يهيم في كل واد كما يهيم الشعراء، بل هو يدعو إلى رب واحد، ودين واحد، وصراط واحد، وهو لا يقول إلا ما يفعل، ولا يفعل إلا ما يقول، فأين هو من الشعر والشعراء‏؟‏ وأين الشعر والشعراء منه‏.‏ هكذا كان يرد عليهم بجواب مقنع حول كل شبهة كانوا يثيرونها ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن والإسلام‏.‏ ومعظم شبهتهم كانت تدور حول التوحيد، ثم رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم بعث الأموات ونشرهم وحشرهم يوم القيامة، وقد رد القرآن على كل شبهة من شبهاتهم حول التوحيد، بل زاد عليها زيادات أوضح بها هذه القضية من كل ناحية، وبين عجز آلهتهم عجزًا لا مزيد عليه، ولعل هذا كان مثار غضبهم واستنكارهم الذي أدى إلى ما أدى إليه‏.‏ أما شبهاتهم في رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنهم مع اعترافهم بصدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمانته وغاية صلاحه وتقواه، كانوا يعتقدون أن منصب النبوة والرسالة أجل وأعظم من أن يعطى لبشر، فالبشر لا يكون رسولًا، والرسول لا يكون بشرًا حسب عقيدتهم‏.‏ فلما أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نبوته، ودعا إلى الإيمان به تحيروا وقالوا‏:‏ ‏{‏مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 7‏]‏، وقالوا‏:‏ إن محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم بشر، و ‏{‏مَا أَنزَلَ الله ُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 19‏]‏، فقال تعالى ردًا عليهم‏:‏‏{‏قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ‏}‏، وكانوا يعرفون ويعترفون بأن موسى بشر‏.‏ ورد عليهم أيضًا بأن كل قوم قالوا لرسلهم إنكارًا على رسالتهم‏:‏ ‏{‏إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏10‏]‏، فـ ‏{‏قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ الله َ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 11‏]‏‏.‏ فالأنبياء والرسل لا يكونون إلا بشرًا، ولا منافاة بين البشرية والرسالة‏.‏ وحيث إنهم كانوا يعترفون بأن إبراهيم و إسماعيل وموسى ـ عليهم السلام ـ كانوا رسلًا وكانوا بشرًا، فإنهم لم يجدوا مجالًا للإصرار على شبهتهم هذه، فقالوا‏: ‏ألم يجد الله لحمل رسالته إلا هذا اليتيم المسكين، ما كـان الله ليترك كـبار أهـل مكـة والطائف ويتخذ هذا المسكين رسولًا‏{‏وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏31‏]‏، قال تعالى ردًا عليهم‏:‏‏{‏أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏32‏]‏، يعنى أن الوحى والرسالة رحمة من الله و‏{‏الله ُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏124‏]‏‏.‏ الى غير ذلك من الدعايات المغرضة والشبهات الداحضة.
cover-129

السيرة النبوية

أساليب شتى لمجابهة الدعوة والقضاء عليها

ولما فرغت قريش من الحج فكرت في أساليب تقضي بها على هذه الدعوة في مهدها‏،‏ وتتلخص هذه الأساليب فيما يلي‏:‏ أولاً: السخرية والتحقير، والاستهزاء والتكذيب والتضحيك‏:‏ قصدوا بها تخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنوية، فرموا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتهم هازلة، وشتائم سفيهة، فكانوا ينادونه بالمجنون ‏{‏وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏6‏]‏، ويصمونه بالسحر والكذب ‏{‏وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏4]‏،وكانوا يشيعونه ويستقبلونه بنظرات ملتهمة ناقمة، وعواطف منفعلة هائجة ‏{‏وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏51]‏،وكان إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه استهزأوا بهم وقالوا‏:‏ هؤلاء جلساؤه ‏{‏مَنَّ الله ُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 53‏]‏، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ الله ُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏53]‏،وكانوا كما قص الله علينا ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 29‏:‏ 33]‏‏.‏ وقد أكثروا من السخرية والاستهزاء وزادوا من الطعن والتضحيك شيئًا فشيئًا حتى أثر ذلك في نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏97‏]‏، ثم ثبته الله وأمره بما يذهب بهذا الضيق فقال‏:‏ ‏{‏فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ‏}‏‏[‏الحجر‏:‏98، 99‏]‏، وقد أخبره من قبل أنه يكفيه هؤلاء المستهزئين حيث قال‏:‏ ‏{‏إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ الله ِ إِلـهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 95، 96‏]‏، وأخبره أن فعلهم هذا سوف ينقلب وبالًا عليهم فقال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏10‏]‏‏.‏
cover-128

السيرة النبوية

قصيدة أبي طالب الشهيرة في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

وأدى ذلك إلى أن صدرت العرب من ذلك الموسم، فانتشر ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بلاد العرب كلها، وخشي أبو طالب دهماء العرب، أن يركبوه مع قومه، فقال قصيدته المشهورة التي تودد فيها أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم أنه غير مُسَّلِمٍ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تاركه لشيء أبدا حتى يهلك دونه، فقال في مطلعها: كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نَتْرُكَ مَكَّةً ... وَنَظْعَنُ إِلَّا أمْرُكُمْ فِي بَلَابِلِ. كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نَبْزِي مُحَمَّدًا ... وَلَمَّا نُطَاعِنْ دُونَهُ ونُناضِلِ. ونُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ ... ونُذْهَلَ عَنْ أبْنَائِنَا والحَلَائِلِ. ويَنْهَضُ قَوْمٌ فِي الحَدِيدِ إلَيْكُمُ ... نُهُوضَ الرَّوَايَا تَحْتَ ذَاتِ الصَّلَاصِلِ. وحَتَّى ترى ذَا الضِّغْنَ يَرْكَبُ ردعَهُ... مِنْ الطَّعْنِ فِعْلَ الأنْكَبِ المُتَحَامِلِ. وإنَّا لَعَمْرُ اللَّهِ إِنْ جَدَّ مَا أرَى ... لَتَلْتَبِسَنَّ أسْيَافُنَا بالْأَمَاثِلِ. بِكَفَّيْ فَتًى مِثْلَ الشِّهَابِ سَمَيْدَعٍ... أخِي ثِقَةٍ حَامِي الحَقِيقَةِ بَاسِلِ. ومِنْهَا: ومَا تَرَكَ قَوْمٌ لَا أبَا لَكَ سَيِّدًا ... يَحُوطُ الذِّمَارَ غَيْرَ ذَرِبٍ مُوَاكِلِ وأبْيَضُ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ. يَلُوذُ بِهِ الهَلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... فَهُمْ عِنْدَهُ فِي رَحْمَةٍ وَفَوَاضِلِ. ومِنْهَا: وَكَانَ لَنَا حَوْضُ السِّقَايَةِ فِيهِمُ ... ونَحْنُ الكَدَى مِنْ غَالِبٍ والكَوَاهِلُ. شَبَابٌ مِنَ المُطَّيِّبِينَ وَهَاشِمٍ ... كَبِيضِ السُّيُوفِ بَيْنَ أيْدِي الصَّيَاقِلِ. ومِنْهَا أيضاً: لَعَمْرِي لَقَدْ كَلِفْتُ وجْدًا بِأَحْمَدٍ ... وإِخْوَتِهِ دَأْبَ المُحِبِّ المُوَاصِلِ. فَلَا زَالَ فِي الدُّنْيَا جَمَالًا لِأَهْلِهَا ... وزَيْنًا لِمَنْ وَاللَّهِ رَبَّ المَشَاكِلِ. فَمَنْ مِثْلُهُ فِي النَّاسِ أيُّ مُؤَمِّلٍ ... إِذَا قَاسَهُ الحُكَّامُ عِنْدَ التَّفَاضُلِ. حَلِيمٌ رَشِيدٌ عَادِلٌ غَيْرُ طَائِشٍ ... يُوَالِي إِلَاهًا لَيْسَ عَنْهُ بِغَافِلِ. فَوَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ أَجِيءَ بِسُنَّةٍ ... تَجُرُّ عَلَى أشْيَاخِنَا فِي المَحَافِلِ. لَكُنَّا اتَّبَعْنَاهُ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ ... مِنَ الدَّهْرِ جِدًّا غَيْرَ قَوْلِ التَّهَازُلِ. لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٍ ... لَدَيْنَا ولَا يَعْنِي بِقَوْلِ الأَبَاطِلِ. فَأَصْبَحَ فِينَا أَحْمَدُ فِي أَرُومَةٍ ... تَقَصَّرُ عَنْهُ سُورَةُ المُتَطَاوِلِ. حَدِبْتُ بِنَفْسِي دُونَهُ وحَمَيْتُهُ ... ودَافَعْتُ عَنْهُ بِالذُّرَا والكَلَاكِلِ. فأيَّدَهُ رَبُّ العِبَادِ بِنَصْرِهِ ... وأظْهَرَ دِينًا حَقُّهُ غَيْرُ بَاطِلِ. إلى آخر القصيدة، وهي قصيدة طويلة جداً. قال فيها أصحاب السير: هذه قصيدة عظيمة بليغة جداً، لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعاً.
cover-127

السيرة النبوية

قريش تستعد لصد الحجيج عن سماع دعوة رسول الله

لم يمض على الجهر بالدعوة إلا أيام أو أشهر معدودة حتى قرب موسم الحج، وعرفت قريش أن وفود العرب ستقدم عليهم، فرأت أنه لابد من كلمة يقولونها للعرب، في شأن محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى لا يكون لدعوته أثرٌ في نفوس العرب، فاتفقوا أن يصفوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ساحرٌ، وهو رأي الوليد بن المغيرة قبحه الله. وبعد أن اتفقت قريش على هذا القرار باشروا في تنفيذه، فجلسوا بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذكروا له أمره. والذي تولى كبر ذلك هو أبو لهب، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتبع الناس إذا وافى الموسم في منازلهم، وفي عكاظ، ومجنة، وسوق ذي المجاز يقول: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، يدعوهم إلى الله تعالى، ويخبرهم أنه نبيٌ مرسلٌ، وأبو لهب خلفه يقول لهم: لا تطيعوه ولا تسمعوا منه، فإنه صابئ كذاب.
cover-126

السيرة النبوية

كبراء قريش يشتكون رسول الله إلى عمه أبي طالب

ولما طال ذلك ورأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يعتبهم ولا يبالي من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد عهد حمايته وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، وهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وأبو البختري، والأسود بن المطلب، وأبو جهل عمرو بن هشام، والوليد بن المغيرة، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والعاص بن وائل، فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه، فقال لهم أبوطالب قولا رفيقا، وردهم رداً جميلاً، فانصرفوا عنه.
cover-125

السيرة النبوية

الدعوة على جبل الصفا

بعدما تأكد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تعهد عمه أبي طالب بحمايته، أخذ صلى الله عليه وآله وسلم يفكر في وسيلة جديدة يبلغ فيها قومه رسالة ربه، فصعد ذات يوم على جبل الصفا، فعلا أعلاها حجرًا، ثم هتف‏:‏ ‏(‏يا صباحاه‏)‏. وكانت كلمة إنذار تخبر عن هجوم جيش أو وقوع أمر عظيم‏.‏ ثم جعل ينادى بطون قريش، ويدعوهم بأسماء قبائلهم‏:‏ ‏(‏يا بني فهر، يا بني عدى، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب‏)‏‏.‏ فلما سمعوا قالوا‏:‏ من هذا الذي يهتف‏؟‏ قالوا‏:‏ محمد‏،‏ فأسرع الناس إليه، حتى إن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش‏.‏ فلما اجتمعوا قال‏:‏ ‏(‏أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي بسَفْح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مُصَدِّقِي‏؟‏‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ نعم، ما جربنا عليك كذبًا، ما جربنا عليك إلا صدقًا‏.‏ قال‏:‏ ‏‏إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، إنما مثلى ومثلكم كمثل رجل رأي العَدُوّ فانطلق يحذر أهله، أي يتطلع وينظر لهم من مكان مرتفع لئلا يدهمهم العدو،‏ ‏‏خشي أن يسبقوه فجعل ينادي‏:‏ يا صباحاه‏)‏. ولما تم هذا الإنذار انفض الناس وتفرقوا، ولا يذكر عنهم أي ردة فعل، سوى أن أبا لهب واجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسوء، وقال‏:‏ تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا‏؟‏ فنزلت‏:‏ ‏{‏تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ‏}. وقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجهر بالدعوة إلى الإسلام في مجامع المشركين ونواديهم ويغشاهم في مجالسهم، يتلو عليهم كتاب الله، ويقول لهم ما قالته الرسل لأقوامها من قبل‏:‏ ‏{‏يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ الله َ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ‏}‏ وبدء يعبد الله تعالى أمام أعينهم، فكان يصلي بفناء الكعبة نهارًا جهارًا وعلى رؤوس الأشهاد‏.‏ وقد نالت دعوته مزيدًا من القبول، ودخل الناس في دين الله واحدًا بعد واحد‏،‏ وحصل بينهم وبين من لم يسلم من أهل بيتهم تباغض وتباعد وعناد واشمأزت قريش من كل ذلك، وساءهم ما كانوا يبصرون‏.‏
cover-124

السيرة النبوية

رسول الله يبدأ بالأقرب فالأقرب

ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشيرته بني هاشم بعد نزول هذه الآية، فجاءوا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا نحو خمسة وأربعين رجلًا، فلما أراد أن يتكلم صلى الله عليه وآله وسلم قاطعه عمه أبولهب فسكت ولم يتكلم في ذلك المجلس. ثم دعاهم مرة آخرى وقال‏:‏ ‏(‏الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه‏.‏ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له‏)‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدًا أو النار أبدًا‏)‏‏.‏ فقال أبو طالب‏:‏ ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقًا لحديثك‏، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به‏،‏ فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب‏.‏ فقال أبو لهب‏:‏ هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب‏:‏ والله لنمنعه ما بقينا‏.‏
cover-123

السيرة النبوية

وجاء الأمر بالجهر بالدعوة

لما تكونت جماعة من المؤمنين تقوم على الأخوة والتعاون، وتتحمل عبء تبليغ الرسالة وتمكينها من مقامها نزل الوحي يكلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجهر بالدعوة، ومجابهة الباطل بالحسنى‏.‏ ثم إن الله عز وجل أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادي الناس بأمره، وأن يدعو إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله أمره، واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين من مبعثه، ثم قال له ربه تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين}، وقال تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين}. عن عبد الله بن مسعود قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستخفياً، حتى أنزل عليه ربه: {فاصدع بما تؤمر} فخرج هو وأصحابه ليجهروا بدعوتهم.
cover-120

السيرة النبوية

أول دم أهريق في الإسلام

وبينما كان سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شعب من شعاب مكة، إذا بجماعة من المشركين يظهرون عليهم، وهم يصلون، فاستنكروا عملهم، وعابوا عليهم ما يصنعون، فلم يتركهم المشركون حتى قاتلوهم، واضطر المسلمون أن يدافعوا عن أنفسهم، فضرب سعد بن أبي وقاص أحد المشركين بعظم بعير فشجه، فكان هذا أول دم أهريق في الإسلام. حمل هذا الحادث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نصح المسلمين بالتخفي، والتزام البيوت مدة من الزمن حتى تستقر الأحوال وحتى يأذن الله بالجهر بالدعوة.
cover-119

السيرة النبوية

أول ما نزل من العبادات

أول ما نزل من الأحكام الأمر بالصلاة، قال أهل السير كان صلى الله عليه وآله وسلم قبل الإسراء يصلي قطعًا وكذلك أصحابه، ولكن اختلف هل فرض شيء قبل الصلوات الخمس من الصلوات أم لا‏؟‏ فقيل‏:‏ إن الفرض كانت صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أول ما أوحى إليه أتاه جبريل، فعلمه الوضوء، وجاء عن ابن عباس عليه السلام قال‏:‏ وكان ذلك من أول الفريضة‏.‏ وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إذا حضرت الصلاة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، وقد رأى أبو طالب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليّا عليه السلام يصليان مرة، فكلمهما في ذلك، ولما عرف حقيقة الأمر أمرهما بالثبات، هكذا ذكره أصحاب السير.
cover-117

السيرة النبوية

أول من أسلم من الرجال والنساء

ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام، وكان رجلًا مألفًا محببًا سهلًا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعوته عثمان بن عفان الأموي، والزبير بن العوام الأسدي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص الزهريان، وطلحة بن عبيد الله التيمي‏.‏ فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس هم الرعيل الأول وطليعة الإسلام‏.‏ ثم تلا هؤلاء أبو عبيدة عامر بن الجراح من بني الحارث بن فهر، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وامرأته أم سلمة، والأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وعثمان بن مظعون الجُمَحِي وأخواه قدامة وعبد الله ، وعبيدة بن الحارث ابن المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد العدوى، وامرأته فاطمة بنت الخطاب العدوية أخت عمر بن الخطاب، وخباب بن الأرت التميمي، وجعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت عُمَيْس، وخالد بن سعيد بن العاص الأموي، وامرأته أمينة بنت خلف، ثم أخوه عمرو بن سعيد بن العاص، وحاطب بن الحارث الجمحي، وامرأته فاطمة بنت المُجَلِّل وأخوه الخطاب بن الحارث، وامرأته فُكَيْهَة بنت يسار، وأخوه معمر ابن الحارث، والمطلب بن أزهر الزهري، وامرأته رملة بنت أبي عوف، ونعيم بن عبد الله بن النحام العدوي، وهؤلاء كلهم قرشيون من بطون وأفخاذ شتى من قريش‏.‏ ومن السابقين الأولين إلى الإسلام من غير قريش‏:‏ عبد الله بن مسعود الهذلي، ومسعود بن ربيعة القاري، وعبد الله بن جحش الأسدي وأخوه أبو أحمد بن جحش، وبلال بن رباح الحبشي، صُهَيْب بن سِنان الرومي، وعمار بن ياسر العنسي، وأبوه ياسر، وأمه سمية، وعامر بن فُهيرة‏.‏ وممن سبق إلى الإسلام من النساء غير من تقدم ذكرهن‏:‏ أم أيمن بركة الحبشية، وأم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية زوج العباس بن عبد المطلب عليه السلام، وأسماء بنت أبي بكر.
cover-116

السيرة النبوية

مسارعة جميع بناته إلى الإسلام عليهن السلام

وكان ممن سارع إلى الإسلام بنات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه لا شك في تمسكهن قبل البعثة بما كان عليه أبوهن من الاستقامة، وحسن السيرة، والتنزه عما كان يفعله أهل الجاهلية من عبادة الأصنام، والوقوع في الآثام، وفي اقتدائهن بأمهن في المسارعة إلى الإيمان. قال أهل السير وأما بناته صلى الله عليه وآله وسلم فكلهن أدركن الإسلام، فأسلمن وهاجرن معه عليهن السلام.
cover-115

السيرة النبوية

أول من شرع رسول الله بدعوتهم إلى الإسلام

كان من الطبيعي أن يعرض الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الإسلام أولًا على أقرب وألصق الناس به من أهل بيته، وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام، ودعا إليه كل من توسم فيه الخير ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الحق والخير، ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح، فأجابه من هؤلاء الذين لم تدخلهم ريبة قط في عظمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وجلالة نفسه وصدق خبره، وفي مقدمتهم زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، ومولاه زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي وابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام وكان صبيًا يعيش في كفالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وصديقه المقرب أبو بكر الصديق‏،‏ أسلم هؤلاء في أول يوم الدعوة‏.‏
cover-114

السيرة النبوية

ثلاث سنوات من الدعوة السرية

قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول ما تقدم من آيات سورة المدثر، بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، حيث أن قومه كانوا جفاةً لا دين لهم إلا عبادة الأصنام والأوثان، ولا حجة لهم إلا ما وجدوا عليه آباءهم، ولا أخلاق لهم إلا الأخذ بالعزة والأنفة، ولا سبيل لهم في حل المشاكل إلا السيف وبذل الأذى لما خالفهم، وكانوا مع ذلك متصدرين للزعامة الدينية في جزيرة العرب، ومحتلين مركزها الرئيس، ضامنين حفظ كيانها، فقد كان من الحكمة تلقاء ذلك أن تكون الدعوة في بدء أمرها سرية لا علنية، لئلا يفاجئ أهل مكة بما يهيجهم‏، وتقاوم الدعوة في بداياتها أشد المقاومة، فكانت السرية هي الحل الوحيد للمرحلة تلك.
cover-113

السيرة النبوية

دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مرت بطورين

منذ أن تلقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر ربه سبحانه له وذلك في قوله تعالى: {يا أيها المدثر قم فأنذر} إلى قوله تعالى {ولربك فاصبر} قام من فوره يدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإخلاص الدين له، ويعرض عليهم الأخذ بهذا الدين الذي أرسله الله تعالى به، وقد مرت الدعوة في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ بعثته إلى وفاته بفترتين، وهما: 1 - الفترة المكية، واستمرت ثلاث عشرة سنة تقريبا. 2 - الفترة المدنية، واستمرت عشر سنوات كاملة. وتشتمل كل من الفترتين على مراحل، لكل منها خصائص تمتاز بها عن غيرها، ويظهر ذلك جلياً بعد النظر في الظروف التي مرت بها الدعوة خلال الدورين من بعثته صلى الله عليه وآله وسلم حتى وفاته.