السيرة النبوية
cover-176

السيرة النبوية

رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الطائف إلى مكة

ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الطائف، وهو مهموم ومحزون، فلم يستفق صلى الله عليه وآله وسلم إلا وهو بقرن الثعالب. فعن عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين"، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا". وقد استجاب الله تعالى دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هؤلاء الكفار، فأخرج من صلب أبي طالب، علي بن أبي طالب عليه السلام، وجعفر بن أبي طالب عليه السلام، وأخرج من صلب أبي جهل، عكرمة بن أبي جهل، وأخرج من صلب الوليد بن المغيرة، خالد بن الوليد، وأخرج من صلب العاص بن وائل، عمرو بن العاص، وأخرج من صلب المطعم بن عدي، جبير بن مطعم، وغيرهم كثير الذين خرجوا من أصلاب هؤلاء الكفار.
cover-175

السيرة النبوية

وفود الجن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم

وخلال إقامته صلى الله عليه وآله وسلم في الطائف بعث الله إليه نفرًا من الجن ذكرهم الله في موضعين من القرآن‏:‏ في سورة الأحقاف‏:‏ ‏{‏وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ الله ِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏. وفي سورة الجن‏:‏ ‏{‏قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا‏}‏ إلـى تمـام الآيــة الخامـسة عشـر. ومن سياق هذه الآيات وكذا من سياق الروايات التي وردت في تفسير هذا الحادث، يتبين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلم حضور ذلك النفر من الجن حين حضروا وسمعوا، وإنما علم بعد ذلك حين أطلعه الله عليه بهذه الآيات، وأن حضورهم هذا كان لأول مرة، ويقتضي سياق الروايات أنهم وفدوا بعد ذلك مرارًا‏.‏
cover-174

السيرة النبوية

قصة عداس مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم

فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة، وكانا في الحائط، ورأيا ما لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سفهاء أهل الطائف، تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانياً، يقال له: عداس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم قال له: كل، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه يده قال: "بسم الله" ثم أكل، فنظر عداس في وجهه مستغربا، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أهل أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ ". قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ " فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي". فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبل رأسه، ويديه، وقدميه، وأسلم فقال ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عداس، قالا له: ويلك يا عداس! مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي! ما في الأرض خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي، قالا له: ويحك يا عداس! لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه.
cover-173

السيرة النبوية

خروج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف

في شوال سنة عشر من النبوة ‏[‏في أواخر مايو أو أوائل يونيو سنة 619 م‏]‏ خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف، وهي تبعد عن مكة نحو ستين ميلًا، سارها ماشيًا على قدميه ذهاباً واياباً، ومعه مولاه زيد بن حارثة، وكان كلما مر على قبيلة في الطريق دعاهم إلى الإسلام، فلم تجب إليه واحدة منها‏.‏ فلما انتهى إلى الطائف عمد إلى ثلاثة إخوة من رؤساء ثقيف، وهم عبد ياليل ومسعود وحبيب أبناء عمرو بن عمير الثقفي، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله، وإلى نصرة الإسلام، فقال أحدهم‏:‏ هو يَمْرُط ثياب الكعبة ‏[‏أي يمزقها‏]‏ إن كان الله أرسلك‏،‏ وقال الآخر‏:‏ أما وَجَدَ الله أحدًا غيرك، وقال الثالث‏:‏ والله لا أكلمك أبدًا، إن كنت رسولًا لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك‏،‏ فقام عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال لهم‏:‏ ‏[‏إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني‏]‏‏.‏ وأقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أهل الطائف عشرة أيام، لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا‏:‏ اخرج من بلادنا‏، وأغروا به سفهاءهم، فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، فوقفوا له سِمَاطَيْن ‏[‏أي صفين‏]‏ وجعلوا يرمونه بالحجارة، وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه، حتى اختضب نعلاه بالدماء‏.‏ وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شِجَاج في رأسه، ولم يزل به السفهاء كذلك حتى ألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة على ثلاثة أميال من الطائف، فلما التجأ إليه رجعوا عنه، وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حُبْلَة من عنب فجلس تحت ظلها إلى جدار‏.‏ فلما جلس إليه واطمأن، دعا بالدعاء المشهور الذي يدل على امتلاء قلبه كآبة وحزنًا مما لقي من الشدة، وأسفًا على أنه لم يؤمن به أحد، قال‏:‏ ‏(‏اللهم إليك أشكو ضَعْف قُوَّتِي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تَكِلُني‏،‏ إلى بعيد يَتَجَهَّمُنِي‏،‏ أم إلى عدو ملكته أمري‏،‏ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سَخَطُك، لك العُتْبَى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك‏)‏‏.‏
cover-172

السيرة النبوية

زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسودة بنت زمعة

ثم عقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على سودة بنت زمعة رضي الله عنها بعد عائشة. وهي أول من دخل بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد خديجة، وانفردت به نحوا من ثلاث سنين أو أكثر، حتى دخل على عائشة، وكانت سيدة جليلة نبيلة ضخمة. وكانت سودة عند ابن عمها السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو، وكان السكران أسلم معها قديماً، وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، ثم رجع بها إلى مكة، فمات بها قبل الهجرة، وقيل إنه مات بالحبشة.
cover-171

السيرة النبوية

عوامل الصبر والثبات

وهنا يقف الحليم حيران، ويتساءل عقلاء الرجال فيما بينهم‏:‏ ما هي الأسباب والعوامل التي بلغت بالمسلمين إلى هذه الغاية القصوى، والحد المعجز من الثبات‏؟‏ كيف صبروا على هذه الاضطهادات التي تقشعر لسماعها الجلود، وترجف لها الأفئدة‏؟‏ ونظرًا إلى هذا الذي يتخالج القلوب نرى أن نشير إلى بعض هذه العوامل والأسباب إشارة عابرة بسيطة‏:‏ 1 ـ الإيمــان بالله‏:‏ إن السبب الرئيسي في ذلك أولًا وبالذات هو الإيمان بالله وحده ومعرفته حق المعرفة، فالإيمان الجازم إذا خالطت بشاشته القلوب يزن الجبال ولا يطيش، وإن صاحب هذا الإيمان المحكم وهذا اليقين الجازم لا يرى متاعب الدنيا مهما كثرت وكبرت وتفاقمت واشتدت شيئا في جنب ما يبذله في ذات الله تعالى ودين الله تعالى. 2 ـ قيادة تهوى إليها الأفئدة‏:‏ فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو القائد الأعلى للأمة الإسلامية، بل وللبشرية جمعاء ـ يتمتع من جمال الخلق، وكمال النفس، ومكارم الأخلاق، والشيم النبيلة، والشمائل الكريمة، بما تتجاذب إليه القلوب وتتفانى دونه النفوس، فكان أصحابه لا تصدر منه كلمة إلا ويستيقنون صدقها‏ ويعملون جاهدين بها. ‏3 ـ الشعور بالمسئولية‏:‏ فكان الصحابة يشعرون شعورًا تامًا ما على كواهل البشر من المسئولية الفخمة الضخمة، وأن هذه المسئولية لا يمكن عنها الحياد والانحراف بحال، فالعواقب التي تترتب على الفرار عن تحملها أشد وخامة وأكبر ضررًا عما هم فيه من الاضطهاد، وأن الخسارة التي تلحقهم ـ وتلحق البشرية جمعاء ـ بعد هذا الفرار لا يقاس بحال على المتاعب التي كانوا يواجهونها نتيجة هذا التحمل‏.‏ 4 ـ الإيمـان بالآخـرة‏:‏ وهو مما كان يقوى هذا الشعور ـ الشعور بالمسئولية ـ فقد كانوا على يقين جازم بأنهم يقومون لرب العالمين، ويحاسبون على أعمالهم دقها وجلها، صغيرها وكبيرها، فإما إلى النعيم المقيم، وإما إلى عذاب خالد في سواء الجحيم، فكانوا يقضون حياتهم بين الخوف والرجاء، يرجون رحمة ربهم ويخافون عذابه، وكانوا ‏{‏يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ‏}‏، وكانوا يعرفون أن الدنيا بعذابها ونعيمها لا تساوى جناح بعوضة في جنب الآخرة، وكانت هذه المعرفة القوية تهون لهم متاعب الدنيا ومشاقها ومرارتها، حتى لم يكونوا يكترثون لها ويلقون إليها بالًا‏.‏ 5 ـ القـــرآن‏:‏ وفي هذه الفترات العصيبة الرهيبة الحالكة كانت تنزل السور والآيات تقيم الحجج والبراهين على صدق مبادئ الإسلام ـ التي كانت الدعوة تدور حولها ـ بأساليب منيعة خلابة، وترشد المسلمين إلى أسس قدر الله أن يتكون عليها أعظم وأروع مجتمع بشرى في العالم ـ وهو المجتمع الإسلامي ـ وتثير مشاعر المسلمين ونوازعهم على الصبر والتجلد، تضرب لذلك الأمثال، وتبين لهم ما فيه من الحكم ‏{‏أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله ِ أَلا إِنَّ نَصْرَ الله ِ قَرِيبٌ‏}‏، وقال تعالى: ‏{‏الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله ُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ‏}‏. 6 ـ البشارات بالنجاح‏:‏ ومع هذا كله كان المسلمون يعرفون منذ أول يوم لاقوا فيه الشدة والاضطهاد ـ بل ومن قبله ـ أن الدخول في الإسلام ليس معناه جر المصائب والحتوف، بل إن الدعوة الإسلامية تهدف ـ منذ أول يومها ـ إلى القضاء على الجاهلية الجهلاء ونظامها الغاشم، وأن من نتائجها في الدنيا بسط النفوذ على الأرض، والسيطرة على الموقف السياسي في العالم لتقود الأمة الإنسانية والجمعية البشرية إلى مرضاة الله، وتخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله‏.‏ وكان القرآن ينزل بهذه البشارات ـ مرة بالصراحة وأخرى بالكناية ـ ففي تلك الفترات القاصمة التي ضيقت الأرض على المسلمين، وكادت تخنقهم وتقضى على حياتهم كانت تنزل الآيات بما جرى بين الأنبياء السابقين وبين أقوامهم الذين قاموا بتكذيبهم والكفر بهم، وكانت تشتمل هذه الآيات على ذكر الأحوال التي تطابق تمامًا أحوال مسلمي مكة وكفارها، ثم تذكر هذه الآيات بما تمخضت عنه تلك الأحوال من إهلاك الكفرة والظالمين، وإيراث عباد الله الصالحين الأرض والديار‏.‏ فكانت في هذه القصص إشارات واضحة إلى فشل أهل مكة في المستقبل، ونجاح المسلمين مع نجاح الدعوة الإسلامية‏.‏ وفي هذه الفترات نزلت آيات تصرح ببشارة غلبة المؤمنين، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ‏}، وغيرها من الآيات التي كانت تثبت الصحابة وتبين لهم أن العاقبة للمتقين.‏
cover-170

السيرة النبوية

وتراكمت الأحزان على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

ثم لم تزل تتوالى عليه المصائب من قومه‏،‏ فإنهم تجرؤوا عليه وكاشفوه بالنكال والأذى بعد موت أبي طالب، فازداد غمًا على غم، حتى يئس منهم، وخرج إلى الطائف رجـاء أن يستجيبوا لدعوتـه، أو يؤووه وينصـروه على قومــه، فلم يـر مـن يؤوي ولم يـر ناصرًا، بل آذوه أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله قومـه‏.‏ وكما اشتدت وطأة أهل مكة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشتدت على أصحابه حتى التجأ رفيقه أبو بكر الصديق إلى الهجرة عن مكة، فخرج حتى بلغ بَرْك الغِمَاد، يريد الحبشة، فأرجعه ابن الدُّغُنَّة في جواره‏.‏ ولما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابًا، ودخل بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لها‏:‏ ‏(‏لا تبكي يا بنية، فإن الله مانع أباك‏)،‏ قال‏:‏ ويقول بين ذلك‏:‏ ‏(‏ما نالت منى قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب‏)‏‏.‏ ولأجل توالي مثل هذه الآلام في هذا العام سمي بعام الحزن، وعرف به في السيرة والتاريخ‏.‏
cover-169

السيرة النبوية

هديه صلى الله عليه وآله وسلم عند المصيبة

كان من هديه صلى الله عليه وآله وسلم عند المصيبة السكون، والرضا بقضاء الله، والحمد لله، والاسترجاع، ويبرأ ممن خرق لأجل المصيبة ثيابه، أو رفع صوته بالندب والنياحة، أو حلق لها شعره، وكان يقول عند نزول المصاب: إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي الله تعالى.
cover-168

السيرة النبوية

وفاة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد

وبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين أو بثلاثة أيام ـ على اختلاف القولين ـ توفيت أم المؤمنين خديجة الكبرى وكانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشرة من النبوة، ولها خمس وستون سنة على أشهر الأقوال، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ ذاك في الخمسين من عمره‏.‏ إن خديجة كانت من نعم الله الجليلة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بقيت معه ربع قرن تحن عليه ساعة قلقه، وتؤازره في أحرج أوقاته، وتعينه على إبلاغ رسالته، وتشاركه في مغارم الجهاد المر، وتواسيه بنفسها ومالها، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏(‏آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها وحرم ولد غيرها‏)‏. وصح في سنته أن جبريل جاء الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال‏:‏ يا رسول الله، هـذه خديجة قـد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقـرأ عليها السلام من ربها، وبشرها ببيت في الجنة من قَصَبٍ لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ‏.‏
cover-166

السيرة النبوية

عام الحزن ووفاة أبي طالب

ولا زال المرض بأبي طالب، حتى وافته المنية في رجب سنة عشر من النبوة، بعد الخروج من الشعب بستة أشهر‏.‏ وقيل‏:‏ توفي في رمضان قبل وفاة خديجة بثلاثة أيام‏.‏ وعن المسيب‏ أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنده أبو جهل، فقال‏:‏ ‏(‏أي عم، قل‏:‏ لا إله إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله ‏)‏ فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية‏:‏ يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب‏؟‏ فلم يزالا يكلماه حتى قال آخر شيء كلمهم به‏:‏ على ملة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لأستغفرن لك ما لم أنه عنـه‏)‏، فـنزلت‏:‏‏{‏ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ‏}‏ ونزلت‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ‏}‏. ولا حاجة إلى بيان ما كان عليه أبو طالب من الحياطة والمنعة، فقد كان الحصن الذي احتمت به الدعوة الإسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء من مشركي قريش، ولكنه بقي على ملة الأشياخ من أجداده، فمات على ملة عبد المطلب.
cover-165

السيرة النبوية

آخر مفاوضات قريش مع أبي طالب

خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الشعب يدعو إلى الله تعالى، وعادت قريش لشر ما كانت عليه من الكفر، والصد عن سبيل الله تعالى، والشدة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وظل أبو طالب يحوط ابن أخيه، ويمنعه إلى أن لاحقه المرض واشتد به، وحينئذ حاول المشركون مرة أخرى أن يفاوضوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين يدي أبي طالب، لخوفهم أن تعيرهم العرب إن أتوا بعد وفاته بمنكر على ابن أخيه، فيقولون: تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه. فلما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله -مرضه-، قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب، فليأخذ لنا على ابن أخيه، وليعطه منا، والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا. فمشى إليه أشرافهم، وكانوا خمسة وعشرون رجلا، منهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث، فقدموا رجلا منهم، فاستأذن لهم على أبي طالب، فأذن لهم، فلما دخلوا عليه، قالوا: يا أبا طالب! إنك كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه -وفي لفظ: قالوا يا أبا طالب! إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى، وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه، فخذ له منا، وخذ لنا منه، ليكف عنه، ونكف عنه، وليدعنا وديننا، وندعه ودينه. فبعث إليه أبو طالب، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدخل البيت، وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد النبي -صلى الله عليه وسلم- مجلسا قرب عمه فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: يا ابن أخي! هؤلاء أشراف قومك، قد اجتمعوا لك، ليعطوك وليأخذوا منك، وفي لفظ: هؤلاء مشيخة قومك، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم، ويدعوك وإلهك، فاقبل منهم فقد أنصفوك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أرأيتم إن أعطيتكم هذه، هل أنتم معطي كلمة إن أنتم تكلمتم بها ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم؟ ". وفي رواية: فقال أبو طالب: يا ابن أخي! ما تريد من قومك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية"، قال أبو طالب: كلمة واحدة؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "كلمة واحدة"، فقال أبو جهل لعنه الله: نعم وأبيك، وعشر كلمات. وفي رواية: قال أبو جهل من بين القوم: إن هذه لكلمة مربحة، لنعطينكها وعشرا معها فما هي؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه". فقال أبو طالب: والله يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شططا!! أما زعماء المشركين فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؟ إن أمرك لعجب، ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم قاموا من عنده وهم يقولون: والله لنشتمنك، وإلهك الذي يأمرك بهذا. ثم قال بعضهم لبعض‏:‏ إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئًا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا‏.‏ وفي هؤلاء نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ‏}‏.
cover-164

السيرة النبوية

نقض الصحيفة وإنهاء المقاطعة

انقضت ثلاثة أعوام والأمر على ذلك، وفي محرم سنة عشر من النبوة نقضت الصحيفة وفك الحصار، وذلك أن قريشًا كانوا بين راض بهذا الميثاق وكاره له، فسعى في نقض الصحيفة من كان كارهًا لها‏.‏ وكان القائم بذلك هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي ـ وكان يصل بني هاشم في الشعب مستخفيًا بالليل بالطعام ـ فإنه ذهب إلى زهير بن أبي أمية المخزومي ـ وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب ـ وقال‏:‏ يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام، وتشرب الشراب، وأخوالك بحيث تعلم‏؟‏ فقال‏:‏ ويحك، فما أصنع وأنا رجل واحد‏؟‏ أما والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها، قال‏:‏ قد وجدت رجلًا‏.‏ قال‏:‏ فمن هو‏؟‏ قال‏:‏ أنا‏.‏ قال له زهير‏:‏ ابغنا رجلًا ثالثًا‏.‏ فذهب إلى المطعم بن عدى، فذكره أرحام بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف، ولامه على موافقته لقريش على هذا الظلم، فقال المطعم‏:‏ ويحك، ماذا أصنع‏؟‏ إنما أنا رجل واحد، قال‏:‏ قد وجدت ثانيًا، قال‏:‏ من هو‏؟‏ قال‏:‏ أنا‏.‏ قال‏:‏ ابغنا ثالثًا‏.‏ قال‏:‏ قد فعلت‏.‏ قال‏:‏ من هو‏؟‏ قال‏:‏ زهير بن أبي أمية، قال‏:‏ ابغنا رابعًا‏.‏ فذهب إلى أبي البختري بن هشام، فقال له نحوًا مما قال للمطعم، فقال‏:‏ وهل من أحد يعين على هذا‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ من هو‏؟‏ قال زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدى، وأنا معك، قال‏:‏ ابغنا خامسًا‏.‏ فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له‏:‏ وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد‏؟‏ قال‏:‏ نعم، ثم سمى له القوم، فاجتمعوا عند الحَجُون، وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة، وقال زهير‏:‏ أنا أبدأكم فأكون أول من يتكلم‏.‏ فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير عليه حلة، فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس، فقال‏:‏ يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى، لا يباع ولا يبتاع منهم‏؟‏ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة‏.‏ قال أبو جهل: ـ وكان في ناحية المسجد‏:‏ كذبت، والله لا تشق‏.‏ فقال زمعة بن الأسود‏:‏ أنت والله أكذب، مارضينا كتابتها حيث كتبت‏.‏ قال أبو البختري‏:‏ صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها، ولا نقر به‏.‏ قال المطعم بن عدى‏:‏ صدقتما، وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها‏.‏ وقال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك‏.‏ فقال أبو جهل‏:‏ هذا أمر قضى بليل، وتُشُووِر فيه بغير هذا المكان‏.‏ وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، إنما جاءهم لأن الله كان قد أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على أمر الصحيفة، وأنه أرسل عليها الأرضة، فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم إلا ذكر الله عز وجل، فأخبر بذلك عمه، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن ابن أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبًا خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا، قالوا‏:‏ قد أنصفت‏.‏ وبعد أن دار الكلام بين القوم وبين أبي جهل، قام المطعم إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ‏(‏باسمك اللهم‏)‏، وما كان فيها من اسم الله فإنها لم تأكله‏.‏
cover-163

السيرة النبوية

ولادة حبر الأمة وترجمان القرآن

وفي فترة المقاطعة في الشعب ولد حبر الأمة، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس عليهما السلام. قال أهل العلم: هو حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، أبو العباس، عبد الله ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، مولده بشعب بني هاشم قبل الهجرة بثلاث سنين. صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوا من ثلاثين شهراً، وحدث عنه بجملة صالحة. وكان عليه السلام وسيماً، جميلاً، مديد القامة، مهيباً، كامل العقل، ذكي النفس، من رجال الكمال. توفي عليه السلام بالطائف سنة ثمان وستين للهجرة.
cover-162

السيرة النبوية

ثلاثة أعوام في شعب أبي طالب

واشتد الحصار، فلم يكن المشركون يتركون طعامًا يدخل مكة ولا بيعًا إلا بادروه فاشتروه، حتى بلغهم الجهد، والتجؤوا إلى أكل الأوراق والجلود، وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون ويبكون من الجوع، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرًا، وكانوا لا يخرجون من الشعب لاشتراء الحوائج إلا في الأشهر الحرم، وكانوا يشترون من العير التي ترد مكة من خارجها، ولكن أهل مكة كانوا يزيدون عليهم في السلعة قيمتها حتى لا يستطيعون شراءها‏.‏ وكان حكيم بن حزام ربما يحمل قمحًا إلى عمته خديجة، وقـد تعـرض لـه مرة أبو جهل فتعلق به ليمنعه، فتدخل بينهما أبو البختري، ومكنه من حمل القمح إلى عمته‏.‏ وكان أبو طالب يخاف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان إذا أخذ الناس مضاجعهم يأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يضطجع على فراشه، حتى يرى ذلك من أراد اغتياله، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوانه أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمره أن يأتي بعض فرشهم‏.‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون يخرجون في أيام الموسم، فيلقون الناس، ويدعونهم إلى الإسلام‏.‏
cover-161

السيرة النبوية

قريش تعقد ميثاق ظلم وعدوان على بني هاشم

زادت حيرة المشركين إذ نفدت بهم الحيل، ووجدوا بني هاشم وبني المطلب مصممين على حفظ نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم والقيام دونه، كائنًا ما كان، فاجتمعوا في خيف بني كنانة من وادى المُحَصَّبِ فتحالفوا على بني هاشم وبني المطلب ألا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للقـتل، وكتـبوا بذلك صحيـفـة فيها عهود ومواثيق ‏(‏ألا يقبلوا من بني هاشم صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل‏)‏‏.‏ قال أهل العلم:‏ يقال‏:‏ كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم، ويقال‏:‏ نضر بن الحارث، والصحيح أنه بَغِيض بن عامر بن هاشم، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فَشُلَّتْ يده‏.‏ تم هذا الميثاق وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب، مؤمنهم وكافرهم ـ إلا أبا لهب ـ وحبسوا في شعب أبي طالب، وذلك فيما يقال‏:‏ ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة‏،‏ وقد قيل غير ذلك‏.‏
cover-160

السيرة النبوية

حيرة قريش في مواجهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واتصالهم باليهود

أظلمت أمام المشركين السبل بعد فشلهم في هذه المفاوضات والمساومات والتنازلات، واحتاروا فيما يفعلون، حتى قام أحد شياطينهم‏:‏ النضر بن الحارث، فنصحهم قائلًا‏:‏ يا معشر قريش، والله لقد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثًا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، و جاءكم بما جاءكم به، قلتم‏:‏ ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونَفْثَهم وعَقْدَهم، وقلتم‏:‏ كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتَخَالُجَهم وسمعنا سَجَعَهُم، وقلتم‏:‏ شاعر، لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هَزَجَه ورَجَزَه، وقلتم‏:‏ مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون، فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم‏.‏ وكأنهم لما رأوا صموده صلى الله عليه وآله وسلم في وجه كل التحديات، ورفضه كل المغريات، وصلابته في كل مرحلة ـ مع ما كان يتمتع به من الصدق والعفاف ومكارم الأخلاق ـ قويت شبهتهم في كونه رسولًا حقًا، فقرروا أن يتصلوا باليهود حتى يتأكدوا من أمره صلى الله عليه وآله وسلم، فلما نصحهم النضر بن الحارث بما سبق كلفوه مع آخر أو آخرين ليذهب إلى يهود المدينة، فأتاهم فقال أحبارهم‏:‏ سلوه عن ثلاث، فإن أخبر فهو نبي مرسل، وإلا فهو متقول؛ سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان أمرهم‏؟‏ فإن لهم حديثًا عجبًا، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه‏؟‏ وسلوه عن الروح، ما هي‏؟‏ فلما قدم مكة قال‏:‏ جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، وأخبرهم بما قاله اليهود، فسألت قريش رسول صلى الله عليه وآله وسلم عن الأمور الثلاثة، فنزلت بعد أيام سورة الكهف، فيها قصة أولئك الفتية، وهم أصحاب الكهف، وقصة الرجل الطواف، وهو ذو القرنين، ونزل الجواب عن الروح في سورة الإسراء، وتبين لقريش أنه صلى الله عليه وآله وسلم على حق وصدق، ولكن أبى الظالمون إلا كفورًا‏.‏
cover-159

السيرة النبوية

عزم أبي جهل على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

قال‏ أبوجهل قبحه الله:‏ يا معشر قريش، إن محمدًا قد أبي إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وأني أعاهد الله لأجلسن له بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا‏:‏ والله لا نسلمك لشيء أبدًا، فامض لما تريد‏.‏ فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما كان يغدو، فقام يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزمًا ممتقعًا لونه، مرعوبًا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش فقالوا له‏:‏ ما لك يا أبا الحكم‏؟‏ قال‏:‏ قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فَحْلٌ من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هَامَتِه، ولا مثل قَصَرَتِه ولا أنيابه لفحل قط، فَهَمَّ بي أن يأكلني. فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ ‏(‏ذلك جبريل عليه السلام لو دنا لأخذه‏)‏.
cover-158

السيرة النبوية

أول وفد قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة

قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو بمكة، عشرون رجلاً، أو قريب من ذلك من النصارى، حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه، وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عما أرادوا، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله تعالى، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله، وآمنوا به، وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام لعنه الله في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون، لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده، حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال، ما نعلم ركباً أحمق منكم، فقالوا لهم: سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا. ويقال -والله أعلم- إن فيهم نزلت هذه الآيات: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين}.
cover-157

السيرة النبوية

فوائد من قصة الهجرة إلى الحبشة

قال أهل السير: وفي قصة الهجرة إلى الحبشة من الفقه: الخروج عن الوطن، وإن كان الوطن مكة على فضلها، إذا كان الخروج فراراً بالدين، وإن لم يكن إلى إسلام، فإن الحبشة كانوا نصارى يعبدون المسيح، ولا يقولون: هو عبد الله، وقد تبين ذلك في كلام جعفر بن أبي طالب عليه السلام مع النجاشي، وكيف نخرت بطارقته، وسموا بهذه الهجرة مهاجرين، وهم أصحاب الهجرتين الذين أثنى الله عليهم بالسبق، فقال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه}، وقد خرجوا من بيت الله الحرام إلى دار كفر، لما كان فعلهم ذلك احتياطا على دينهم، ورجاء أن يخلى بينهم وبين عبادة ربهم، يذكرونه آمنين مطمئنين، وهذا حكم مستمر متى غلب المنكر في بلد، وأوذي على الحق مؤمن، ورأى الباطل قاصرا للحق، ورجاء أن يكون في بلد آخر يخلى بينه وبين دينه، ويظهر فيه عبادة ربه، فإن الخروج على هذا الوجه حتم على المؤمن، وهذ الهجرة التي لا تنقطع إلى يوم القيامة.
cover-156

السيرة النبوية

ثبوت إسلام النجاشي

وأسلم النجاشي على يد جعفر بن أبي طالب عليه السلام، وصدق بنبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يخفي إسلامه عن قومه. قال أهل السير: النجاشي، واسمه أصحمة ملك الحبشة، معدود في الصحابة، وكان ممن حسن إسلامه، ولم يهاجر، ولا له رؤية، فهو تابعي من وجه، وصاحب من وجه، وقد توفي في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فصلي عليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالناس صلاة الغائب، ولم يثبت أنه صلى على غائب سواه، وسبب ذلك أنه مات بين قوم نصارى، ولم يكن عنده من يصلي عليه، لأن الصحابة الذين كانوا مهاجرين عنده خرجوا من عنده مهاجرين إلى المدينة عام خيبر سنة سبع من الهجرة.
cover-155

السيرة النبوية

القرآن الكريم أعظم المعجزات التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم

وليس أدل على أن القوم كانوا متعنتين وساخرين، ومعوقين لا جادين من أن عندهم القرآن، وهو آية الآيات، وبينة البينات، ومع ذلك كابرت قريش ولم تؤمن به، مع علمها أنه ليس من كلام البشر. قال أهل العلم: وأوجه إعجاز القرآن كثيرة، فمنها: 1 - حسن تأليفه والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة. 2 - ومنها صورة سياقه وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظما ونثرا حتى حارت فيه عقولهم، ولم يهتدوا إلى الإتيان بشيء مثله مع توفر دواعيهم على تحصيل ذلك، وتقريعه لهم على العجز عنه. 3 - ومنها ما اشتمل عليه من الأخبار عما مضى من أحوال الأمم السالفة والشرائع الدائرة مما كان لا يعلم منه بعضه إلا النادر من أهل الكتاب. 4 - ومنها الإخبار بما سيأتي من الكوائن التي وقع بعضها في العصر النبوي، وبعضها بعده. 5 - ومنها الروعة التي تحصل لسامعه. 6 - ومنها أن قارئه لا يمل من ترداده، وسامعه لا يمجه، ولا يزداد بكثرة التكرار إلا طراوة ولذاذة. 7 - ومنها أنه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا. 8 - ومنها جمعه لعلوم، ومعارف لا تنقضي عجائبها ولا تنتهي فوائدها. قال الله تعالى: {وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين (50) أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون}.
cover-154

السيرة النبوية

الحكمة في عدم إجابة المشركين لما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

عن ابن عباس عليه السلام قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي الجبال عنهم، فيزرعوا، فقيل له: أي النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا، بل أستأني بهم"، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة}. قال أهل العلم: والله سبحانه وتعالى لم يجبهم على ما سألوا -وهو القادر على كل شيء- لأنهم لم يسألوا مسترشدين وجادين، وإنما سألوا متعنتين ومستهزئين، وقد علم سبحانه وتعالى أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما طلبوا لما آمنوا، ولظلوا في غيهم، وضلالهم يترددون، قال تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون}. وقال سبحانه: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين}. ولهذا اقتضت الحكمة الإلهية، والرحمة الربانية، ألا يجابوا إلى ما سألوا، لأن الله تعالى علم أنهم لا يؤمنون بذلك فيعاجلهم بالعذاب.
cover-153

السيرة النبوية

رؤساء قريش يفاوضون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرةً أخرى

وكأن رجاء قريش لم ينقطع بما أجاب به النبي صلى الله عليه وآله وسلم عتبة على اقتراحاته؛ لأنه لم يكن صريحًا في الرفض أو القبول، بل تلا عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم آيات لم يفهمها عتبة، ورجع من حيث جاء، فتشاور رؤساء قريش فيما بينهم وفكروا في كل جوانب القضية، ودرسوا كل المواقف بروية وتريث، ثم اجتمعوا يومًا عند ظهر الكعبة بعد غروب الشمس، وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعونه، فجاء مسرعًا يرجو خيرًا، فلما جلس إليهم قالوا له مثل ما قال عتبة، وعرضوا عليه نفس المطالب التي عرضها عتبة‏.‏ وكأنهم ظنوا أنه لم يثق بجدية هذا العرض حين عرض عتبة وحده، فإذا عرضوا هم أجمعون يثق ويقبل، ولكن قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما بي ما تَقُولُون، ما جِئْتُكُم بما جِئْتُكُم بِه أَطْلُب أَمْوَالكُم ولا الشَّرف فيكم، ولا المُلْكَ عليكم، ولكنّ الله بَعَثَنِي إلَيْكُم رَسُولًا، وَ أَنْزَلَ علىَّ كِتابًا، وأَمَرَنِي أنْ أَكُونَ لَكُم بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُم رِسَالاتِ ربي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فإِنْ تَقْبَلُوا مِنّى ما جِئْتُكُم بِه فَهُوَ حَظُّكُم في الدُنيا والآخرة، وإنْ تَرُدُّوا علىّ أَصْبِر لأمْرِ الله ِ حتّى يَحْكُم الله ُ بَيْنِي وَ بَيْـنَكُم‏)‏‏.‏ أو كما قال‏.‏ فانتقلوا إلى نقطة أخرى، وطلبوا منه أن يسأل ربه أن يسير عنهم الجبال، ويبسط لهم البلاد، ويفجر فيها الأنهار، ويحيى لهم الموتى ـ ولا سيما قصي بن كلاب ـ فإن صدقوه يؤمنون به‏،‏ فأجاب بنفس ما سبق من الجواب‏.‏ فانتقلوا إلى نقطة ثالثة، وطلبوا منه أن يسأل ربه أن يبعث له ملكًا يصدقه، ويراجعونه فيه، وأن يجعل له جنات وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، فأجابهم بنفس الجواب‏.‏ فانتقلوا إلى نقطة رابعة، وطلبوا منه العذاب‏:‏ أن يسقط عليهم السماء كسفًا، كما يقول ويتوعد، فقال‏:‏ ‏(‏ذلك إلى الله، إن شاء فعل‏)‏‏.‏ فقالوا‏:‏ أما علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك ونطلب منك، حتى يعلمك ما تراجعنا به، وما هو صانع بنا إذا لم نقبل‏.‏ وأخيرًا لما أيسوا منه هددوه أشد التهديد، وقالوا‏: ‏أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنهم، وانصرف إلى أهله حزينًا أسفا لما فاته ما طمع من قومه‏.‏
cover-152

السيرة النبوية

ممثل قريش بين يدي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

أرسلت قريش عتبة بن ربيعة، وكان سيدًا في قومه، قال يومًا وهو في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في المسجد وحده‏:‏ يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا‏؟‏ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثرون ويزيدون، فقالوا‏:‏ بلى، يا أبا الوليد، قم إليه، فكلمه، فقام إليه عتبة، حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال‏:‏ يا بن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السِّطَةِ في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها‏.‏ قال‏:‏ فقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏(‏قل يا أبا الوليد أسمع‏)‏‏.‏ قال‏:‏ يا بن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه ـ أو كما قال له ـ حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستمع منه قال‏:‏ ‏(‏أقد فرغت يا أبا الوليد‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏(‏فاسمع منى‏)‏، قال‏:‏أفعل، فقال‏:‏ ‏{‏ بسم الله الرحمن الرحيم حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏1‏:‏ 5‏]‏‏.‏ ثم مضى رسول الله فيها، يقرؤها عليه‏.‏ فلما سمعها منه عتبة أنصت له، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما، يسمع منه، ثم انتهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى السجدة منها فسجد ثم قال‏:‏ ‏(‏قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك‏)‏‏.‏ فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض‏:‏ نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به‏.‏ فلما جلس إليهم قالوا‏:‏ ما وراءك يا أبا الوليد‏؟‏ قال‏:‏ ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا‏:‏ سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال‏:‏ هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم‏.‏ وفي روايات أخرى‏:‏ أن عتبة استمع حتى إذا بلغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏13‏]‏ قال‏:‏ حسبك، حسبك، ووضع يده على فم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وناشده بالرحم أن يكف، وذلك مخافة أن يقع النذير، ثم قام إلى القوم فقال ما قال‏.‏
cover-151

السيرة النبوية

إغراءات ومساومات قريش للنبي صلى الله عليه وآله وسلم

لما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ماض في دعوته، وأصحابه يزيدون ويكثرون يوماً بعد يوم، وأن كل محاولاتها في الصد عن سبيل الله، وصرف الناس عن الاستجابة لداعي الله تعالى قد فشلت، رأت أن تجرب أسلوباً جديداً آخراً، وهو أسلوب المفاوضات والإغراء، تعرض فيه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المال، أو الجاه، أو الملك والسلطان، ظنا منهم أنه ربما يغريه بريق هذه العروض وزخرفها. ولم يدر هؤلاء المشركون أن كل ما تطلع عليه الشمس لا يساوي جناح بعوضة أمام دين الله والدعوة إليه، فخابوا وخابت مساعيهم.
cover-150

السيرة النبوية

ثم أسلم عمر بن الخطاب العدوي

أسلم في ذي الحجـة سـنة سـت مـن النبـوة‏،‏ بعد ثلاثة أيام من إسلام حمزة عليه السلام، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو دائما فيقول‏:‏ ‏(‏اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك‏:‏ بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام‏)‏ فكان أحبهما إلى الله عمر العدوي. وذكر أهل السير قصة إسلامه، وذلك أنه لقي خباب، فقال له عمر: دلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم، فقال له خباب: هو في دار أرقم بن أبي الأرقم بأسفل الصفا، معه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه، فتوشحه، ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في دار الأرقم، فضرب الباب، فقام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنظر من خلل، الباب فرآه متوشحا السيف، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو فزع، فقال: يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف، ووجل القوم، فقال لهم حمزة عليه السلام: ما لكم؟ قالوا: عمر بن الخطاب، فقال: افتحوا له الباب، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ائذن له"، ففتحوا له، ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لقيه، فأخذ بمجامع ثوبه، ثم جذبه جذبة شديدة، فما تمالك عمر أن وقع على ركبتيه على الأرض، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: "ما جاء بك يا ابن الخطاب؟، فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة". فقال عمر: يا رسول الله! جئت لأؤمن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكبيرة، عرف منها أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن عمر قد أسلم، وكبر الصحابة تكبيرة سمعها أهل مكة. وكان ابن مسعود يقول‏:‏ ما كنا نقدر أن نصلى عند الكعبة حتى أسلم عمر‏، وكان يقول كذلك: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر‏.‏
cover-149

السيرة النبوية

إسلام أسد الله حمزة بن عبد المطلب

خلال هذا الجو الملبد بغيوم الظلم والعدوان ظهر برق أضاء الطريق، وهو إسلام حمزة بن عبد المطلب عليه السلام، وقد أسلم في أواخر السنة السادسة من النبوة، والأغلب أنه أسلم في شهر ذي الحجة‏.‏ وجاء في سبب إسلامه‏ أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومًا عند الصفا فآذاه ونال منه، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساكت لا يكلمه، ثم ضربه أبو جهل بحجر في رأسه فَشَجَّهُ حتى نزف منه الدم، ثم انصرف عنه إلى نادي قريش عند الكعبة، فجلس معهم، وكانت مولاة لعبد الله بن جُدْعَان في مسكن لها على الصفا ترى ذلك، وأقبل حمزة من القَنَص مُتَوَشِّحًا قوسه، فأخبرته المولاة بما رأت من أبي جهل، فغضب حمزة، وكان أعز فتى في قريش وأشده شكيمة، فخرج يسعى، لم يقف لأحد، مُعِدًا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد قام على رأسه، وقال له‏:‏ يا مُصَفِّرَ اسْتَه، تشتم ابن أخي وأنا على دينه‏؟‏ ثم ضربه بالقوس فشجه شجة منكرةً، فثار رجال من بني مخزوم ـ حي أبي جهل، وثار بنو هاشم ـ حي حمزة ـ فقال أبو جهل‏:‏ دعوا أبا عمارة، فإني سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا‏.‏ وكان إسلام حمزة أول الأمر أنفة رجل، أبي أن يهان مولاه، ثم شرح الله صدره فاستمسك بالعروة الوثقى، واعتز به المسلمون أيما اعتزاز‏.‏
cover-148

السيرة النبوية

محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم

وبعد فشل مفاوضات قريش مع أبي طالب، اشتد مكر زعمائها، وأجمعوا على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما كان مساء الليلة التي عرضوا فيها عمارة بن الوليد على أبي طالب، فقد رسول صلى الله عليه وآله وسلم، وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع أبو طالب فتيانا من بني هاشم، وبني المطلب ثم قال: ليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة، ثم ليتبعني إذا دخلت المسجد، فلينظر كل فتى منكم فليجلس إلى عظيم من عظمائهم فيهم ابن الحنظلية، يعني أبا جهل، فإنه لم يغب عن شر إن كان محمد قد قتل. فقال الفتيان: نفعل، فجاء زيد بن حارثة فوجد أبا طالب على تلك الحال، فقال: يا زيد: أحسست ابن أخي؟ قال: نعم كنت معه آنفا، فقال أبو طالب: لا أدخل بيتي أبدا حتى أراه، فخرج زيد سريعا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في دار الأرقم، ومعه أصحابه يتحدثون، فأخبره الخبر، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي أين كنت؟ أكنت في خير؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: نعم، قال: ادخل بيتك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما أصبح أبو طالب غدا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ بيده فوقف به على أندية قريش، ومعه الفتيان الهاشميون والمطلبيون، فقال: يا معشر قريش هل تدرون ما هممت به؟ قالوا: لا، فأخبرهم الخبر، وقال للفتيان: اكشفوا عما في أيديكم، فكشفوا، فإذا كل رجل منهم معه حديدة صارمة، فقال: والله لو قتلتموه ما بقيت منكم أحدا حتى نتفانى نحن وأنتم، فانكسر القوم، وكان أشدهم انكسارا أبو جهل لعنه الله تعالى. وعن ابن عباس عليه السلام قال: أن أناسا من بني مخزوم تواصوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليقتلوه، منهم: أبو جهل، والوليد بن المغيرة، ونفر من بني مخزوم، فبينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي، فلما سمعوا قراءته أرسلوا الوليد ليقتله، فانطلق حتى انتهى إلى المكان الذي كان يصلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم فأعلمهم ذلك، فأتاه أبوجهل، والوليد، ونفر منهم، فلما انتهوا إلى المكان الذي هو فيه صلى الله عليه وآله وسلم يصلي سمعوا قراءته، فيذهبون إلى الصوت فإذا الصوت من خلفهم، فينتهون إليه فيسمعون أيضا من خلفهم، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلا، فذلك قوله تعالى: {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون}.
cover-147

السيرة النبوية

اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك

ومما جاء في كتب السيرة من الأحداث، أن عتيبة بن أبي لهب أتى يومًا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال‏:‏ أنا أكفر بـ ‏{‏وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى‏}‏، وبالذي ‏{‏ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى‏}‏، ثم تسلط عليه بالأذى، وشق قميصه، وتفل في وجهه صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أن البزاق لم يقع عليه، وحينئذ دعا عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال‏:‏ ‏(‏اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك‏)‏، وقد استجيب دعاؤه صلى الله عليه وآله وسلم، فقد خرج عتيبة إثر ذلك في نفر من قريش، فلما نزلوا بالزرقاء من الشام طاف بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول‏:‏ يا ويل أخي هو والله آكلي كما دعا محمد علي، قتلني وهو بمكة، وأنا بالشام، ثم جعلوه بينهم، وناموا من حوله، ولكن جاء الأسد وتخطاهم إليه، فقضم رأسه‏، وهلك عدو الله على يد الأسد.‏
cover-146

السيرة النبوية

مكيدة قريش بمهاجري الحبشة

عز على المشركين أن يجد المهاجرون مأمناً لأنفسهم ودينهم، فاختاروا رجلين جلدين لبيبين، وهما‏:‏ عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة ـ قبل أن يسلما ـ وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته، وبعد أن ساق الرجلان تلك الهدايا إلى البطارقة، وزوداهم بالحجج التي يطرد بها أولئك المسلمون، وبعد أن اتفقت البطارقة أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم، حضرا إلى النجاشي، وقدما له الهدايا ثم كلماه فقالا له‏:‏ أيها الملك، إنه قد ضَوَى إلى بلدك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم؛ لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه‏.‏ وقالت البطارقة‏:‏ صدقا أيها الملك، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم‏.‏ ولكن رأي النجاشي أنه لا بد من تمحيص القضية، وسماع أطرافها جميعًا‏.‏ فأرسل إلى المسلمين، ودعاهم، فحضروا، وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائنًا ما كان‏،‏ فقال لهم النجاشي‏:‏ ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل‏؟‏ قال جعفر بن أبي طالب عليه السلام، وكان هو المتكلم عن المسلمين‏:‏ أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوى الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ـ فعدد عليه أمور الإسلام ـ فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله ، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك‏.‏ فقال له النجاشي‏:‏ هل معك مما جاء به عن الله من شيء‏؟‏ فقال له جعفر‏:‏ نعم‏.‏ فقال له النجاشي‏:‏ فاقرأه على، فقرأ عليه صدرًا من‏:‏ ‏{‏كهيعص‏}‏ فبكى والله النجاشي حتى بل لحيته، وبكت أساقفته حتى بلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال لهم النجاشي‏:‏ إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون ـ يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه ـ فخرجا، فلما خرجا قال عمرو بن العاص لعبد الله بن أبي ربيعة‏:‏ والله لآتينه غدًا عنهم بما أستأصل به خضراءهم‏،‏ فقال له عبد الله بن أبي ربيعة‏:‏ لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا، ولكن أصر عمرو على رأيه‏.‏ فلما كان الغد قال للنجاشي‏:‏ أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح ففزعوا، ولكن أجمعوا على الصدق، كائنًا ما كان، فلما دخلوا عليه وسألهم، قال له جعفر‏:‏ نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول‏.‏ فأخذ النجاشي عودًا من الأرض ثم قال‏:‏ والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته، فقال‏:‏ وإن نَخَرْتُم والله‏.‏ ثم قال للمسلمين‏:‏ اذهبوا فأنتم شُيُومٌ بأرضي ـ والشيوم‏:‏ الآمنون بلسان الحبشة ـ من سَبَّكم غَرِم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لي دَبْرًا من ذهب وإني آذيت رجلًا منكم ـ والدبر‏:‏ الجبل بلسان الحبشة‏.‏ ثم قال لحاشيته‏:‏ ردّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله منـي الرشـوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشـوة فيــه، وما أطاع الناس في فأطيعـهم فيه‏.‏ قالت أم سلمة التي تروى هذه القصة‏:‏ فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار‏.‏