السيرة النبوية
cover-206

السيرة النبوية

إذ هما في الغار

ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر‏:‏ والله لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقبًا فشق إزاره وسدها به، وبقي منها اثنان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ادخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووضع رأسه في حجره ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال‏:‏ ‏[‏ما لك يا أبا بكر‏؟‏‏]‏ قال‏:‏ لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذهب ما يجده‏.‏ وكَمُنَا في الغار ثلاث ليال، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد‏.‏ وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما‏.‏ قالت عائشة‏:‏ وهو غلام شاب ثَقِف لَقِن، فيُدْلِج من عندهما بسَحَرٍ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، و ‏‏كان‏‏ يرعى عليهما عامر بن فُهَيْرَة مولى أبي بكر مِنْحَة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رِسْل ـ وهو لبن مِنْحَتِهما ورَضيفِهما ـ حتى يَنْعِق بها عامر بن فُهَيْرَة بغَلَس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، وكان عامر بن فهيرة يتبع بغنمه أثر عبد الله بن أبي بكر بعد ذهابه إلى مكة ليُعَفي عليه‏.‏
cover-205

السيرة النبوية

من الدار إلى الغار

غادر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيته في ليلة 27 من شهر صفر سنة 14 من النبوة، الموافق 12/13 سبتمبر سنة 622م‏،‏ وأتى إلى دار رفيقه أبي بكر، ثم غادر منزل الأخير من باب خلفي، ليخرجا من مكة على عجل وقبل أن يطلع الفجر‏.‏ ولما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أن قريشًا سَتَجِدُّ في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالًا، فسلك الطريق الذي يضاده تمامًا، وهو الطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمن، سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثَوْر وهو جبل شامخ، وَعِر الطريق، صعب المرتقى، ذو أحجار كثيرة، فحفيت قدما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل‏:‏ بل كان يمشى في الطريق على أطراف قدميه كي يخفي أثره فحفيت قدماه، وأيا ما كان فقد حمله أبو بكر حين بلغ إلى الجبل، وطفق يشتد به حتى انتهي به إلى غار في قمة الجبل عرف في التاريخ بغار ثور‏.‏
cover-204

السيرة النبوية

وخرج رسول صلى الله عليه وآله وسلم مهاجراً الى المدينة

وقد فشلت قريش في خطتهم فشلًا ذريعًا مع غاية التيقظ والتنبه، إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من البيت، واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ‏}‏،‏ فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ومضى إلى بيت أبي بكر، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلًا حتى لحقا بغار ثَوْر في اتجاه اليمن‏.‏ وبقي المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر، وقبيل حلولها تجلت لهم الخيبة والفشل، فقد جاءهم رجل ممن لم يكن معهم، ورآهم ببابه فقال‏:‏ ما تنتظرون‏؟‏ قالوا‏:‏ محمدًا‏.‏ قال‏:‏ خبتم وخسرتم، والله قد مر بكم، وذر على رؤوسكم التراب، وانطلق لحاجته، قالوا‏:‏ والله ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم‏.‏ ولكنهم تطلعوا من صير الباب فرأوا عليًا عليه السلام، فقالوا‏:‏ والله إن هذا لمحمد نائمًا، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا،‏ وقام عليٌ عليه السلام عن الفراش، فسقط في أيديهم، وسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال‏:‏ لا علم لي به‏.‏
cover-203

السيرة النبوية

تطويق منزل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

قضى أكابر مجرمي قريش نهارهم في الإعداد سراً لتنفيذ الخطة المرسومة التي أبرمها برلمان مكة ‏[‏دار الندوة‏]‏ صباحًا، واختير لذلك أحد عشر رئيسًا من هؤلاء الأكابر، وهم‏:‏ 1ـ أبو جهل بن هشام‏.‏ 2ـ الحَكَم بن أبي العاص‏.‏ 3ـ عُقْبَة بن أبي مُعَيْط‏.‏ 4ـ النَّضْر بن الحارث‏.‏ 5ـ أُمية بن خَلَف‏.‏ 6ـ زَمْعَة بن الأسود‏.‏ 7ـ طُعَيْمة بن عَدِىّ‏.‏ 8 ـ أبو لهب‏.‏ 9ـ أبي بن خلف‏.‏ 10ـ نُبَيْه بن الحجاج‏.‏ 11ـ أخوه مُنَبِّه بن الحجاج‏.‏ وكان من عادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينام في أوائل الليل بعد صلاة العشاء، ويخرج بعد نصف الليل إلى المسجد الحرام، يصلي فيه قيام الليل، فأمر عليًا عليه السلام تلك الليلة أن يضطجع على فراشه، ويتغطى ببرده الحضرمي الأخضر، وأخبره أنه لا يصيبه مكروه‏.‏ فلما كانت عتمة من الليل وساد الهدوء، ونام عامة الناس جاء المذكورون إلى بيته صلى الله عليه وسلم سرًا، واجتمعوا على بابه يرصدونه، وهم يظنونه نائمًا حتى إذا قام وخرج وثبوا عليه، ونفذوا ما قرروا فيه‏.‏ وكانوا على ثقة ويقين جازم من نجاح هذه المؤامرة الدنية، حتى وقف أبو جهل وقفة الزهو والخيلاء، وقال مخاطبًا لأصحابه المطوقين في سخرية واستهزاء‏:‏ إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها‏.‏ وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل في وقت خروجه صلى الله عليه وآله وسلم من البيت، فباتوا متيقظين ينتظرون ساعة الصفر، ولكن الله غالب على أمره، بيده ملكوت السماوات والأرض، يفعل ما يشاء، وهو يجير ولا يجـار عليه، فقـد فعـل مـا خاطب به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما بعد‏:‏ ‏{‏وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله ُ وَالله ُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏}‏.‏
cover-202

السيرة النبوية

بين تدبير قريش وتدبير الله سبحانه وتعالى لنبيه الأكرم

كان من طبيعة هذا الاجتماع السرية للغاية، وألا يبدو على السطح الظاهر أي حركة تخالف اليوميات، وتغاير العادات المستمرة، حتى لا يشم أحد رائحة التآمر والخطر، ولا يدور في خلد أحد أن هناك غموضًا ينبئ عن الشر، وكان هذا مكرًا من قريش، ولكنهم ماكروا بذلك الله سبحانه وتعالى، فخيبهم من حيث لا يشعرون،‏ فقد نزل جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوحى من ربه تبارك وتعالى فأخبره بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له في الخروج، وحدد له وقت الهجرة، وبين له خطة الرد على قريش فقال‏:‏ لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه‏.‏ وذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الهاجرة ـ حين يستريح الناس في بيوتهم ـ إلى أبي بكر رضي الله عنه ليبرم معه مراحل الهجرة، قالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر‏:‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعًا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر‏:‏ فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر‏.‏ قالت‏:‏ فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏‏، فاستأذن، فأذن له فدخل، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر‏:‏ ‏[‏أخرج مَنْ عندك‏]‏‏.‏ فقال أبو بكر‏:‏ إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله‏،‏ قال‏:‏ ‏[‏فأني قد أذن لي في الخروج‏]‏، فقال أبو بكر‏:‏ الصحبة بأبي أنت يا رسول الله‏؟‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏[‏نعم‏]‏‏.‏ ثم أبرم معه خطة الهجرة، ورجع إلى بيته ينتظر مجيء الليل،‏ وقد استمر في أعماله اليومية حسب المعتاد حتى لم يشعر أحد بأنه يستعد للهجرة، أو لأي أمر آخر اتقاء مما قررته قريش‏.‏
cover-201

السيرة النبوية

قريش تخرج بقرار غاشم وهو قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم

وبعد أن تكامل الاجتماع بدأ عرض الاقتراحات والحلول، ودار النقاش طويلًا‏،‏ قال أبو الأسود‏:‏ نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلادنا، ولا نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، فقد أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت‏.‏ قال الشيخ النجدي (الشيطان)‏:‏ لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به‏؟‏ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب، ثم يسير بهم إليكم ـ بعد أن يتابعوه ـ حتى يطأكم بهم في بلادكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأيًا غير هذا‏.‏ قال أبو البختري‏:‏ احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به ما أصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا قبله ـ زهيرًا والنابغة ـ ومن مضى منهم، من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم‏.‏ قال الشيخ النجدي‏:‏ لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه ـ كما تقولون ـ ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلا أوشكوا أن يثبوا عليكم، فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره‏.‏ وبعد أن رفض البرلمان هذين الاقتراحين، قدم إليه اقتراح آثم وافق عليه جميع أعضائه، تقدم به كبير مجرمي مكة أبو جهل بن هشام‏،‏ قال أبو جهل‏:‏ والله إن لي فيه رأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد‏.‏ قالوا‏:‏ وما هو يا أبا الحكم‏؟‏ قال‏:‏ أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نَسِيبا وَسِيطًا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعَقْل، فعقلناه لهم‏.‏ قال الشيخ النجدي‏:‏ القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره‏.‏ ووافق برلمان مكة على هذا الاقتراح الآثم بالإجماع، ورجع النواب إلى بيوتهم وقد صمموا على تنفيذ هذا القرار فورًا‏.‏
cover-200

السيرة النبوية

في دار الندوة ‏[‏برلمان قريش‏]‏

ولما رأى المشركون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تجهزوا وخرجوا، وحملوا وساقوا الذراري والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج أصابتهم الكآبة والحزن، وساورهم القلق والهم بشكل لم يسبق له مثيل، فقد تجسد أمامهم خطر حقيقي عظيم، أخذ يهدد كيانهم الوثني والاقتصادي‏.‏ فقد كانوا يعلمون ما في شخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غاية قوة التأثير مع كمال القيادة والإرشاد، وما في أصحابه من العزيمة والاستقامة والفداء في سبيله، ثم ما في قبائل الأوس والخزرج من القوة والمنعة، وما في عقلاء هاتين القبيلتين من عواطف السلم والصلاح، والتداعي إلى نبذ الأحقاد، ولاسيما بعد أن ذاقوا مرارة الحروب الأهلية طيلة أعوام من الدهر‏.‏ كما كانوا يعرفون ما للمدينة من الموقع الاستراتيجي بالنسبة إلى المحجة التجارية التي تمر بساحل البحر الأحمر من اليمن إلى الشام‏.‏ وقد كان أهل مكة يتاجرون إلى الشام بقدر ربع مليون دينار ذهب سنويًا، سوى ما كان لأهل الطائف وغيرها‏.‏ ومعلوم أن مدار هذه التجارة كان على استقرار الأمن في تلك الطريق‏.‏ فلا يخفي ما كان لقريش من الخطر البالغ في تمركز الدعوة الإسلامية في يثرب، ومجابهة أهلها ضدهم‏.‏ شعر المشركون بتفاقم الخطر الذي كان يهدد كيانهم، فصاروا يبحثون عن أنجح الوسائل لدفع هذا الخطر الذي مبعثه الوحيد هو حامل لواء دعوة الإسلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم‏.‏ وفي يوم الخميس 26 من شهر صفر سنة 14 من النبوة، الموافق 12 من شهر سبتمبر سنة 622م ـ أي بعد شهرين ونصف تقريبًا من بيعة العقبة الكبرى ـ عقد برلمان مكة ‏[‏دار الندوة‏]‏ في أوائل النهار أخطر اجتماع له في تاريخه، وتوافد إلى هذا الاجتماع جميع نواب القبائل القرشية، ليتدارسوا خطة حاسمة تكفل القضاء سريعًا على حامل لواء الدعوة الإسلامية؛ وتقطع تيار نورها عن الوجود نهائيًا‏.‏ وكانت الوجوه البارزة في هذا الاجتماع الخطير من نواب قبائل قريش‏:‏ 1 ـ أبو جهل بن هشام، عن قبيلة بني مخزوم‏.‏ 2، 3، 4ـ جبير بن مُطْعِم، وطُعَيْمَة بن عدى، والحارث بن عامر، عن بني نَوْفَل بن عبد مناف‏.‏ 5، 6، 7ـ شيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب، عن بني عبد شمس بن عبد مناف‏.‏ 8 ـ النَّضْر بن الحارث، عن بني عبد الدار‏.‏ 9، 10، 11ـ أبو البَخْتَرِي بن هشام، وزَمْعَة بن الأسود، وحَكِيم بن حِزَام، عن بني أسد بن عبد العزى‏.‏ 12، 13ـ نُبَيْه ومُنَبِّه ابنا الحجاج، عن بني سهم‏.‏ 14ـ أمية بن خَلَف، عن بني جُمَح‏.‏ ولما جاءوا إلى دار الندوة حسب الميعاد، اعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، عليه بَتٌّ له، ووقف على الباب، فقالوا‏:‏ من الشيخ‏؟‏ قال‏:‏ شيخ من أهل نجد سمع بالذي تواعدتهم عليه فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأيًا ونصحًا‏.‏ قالوا‏:‏ أجل، فادخل، فدخل معهم‏.‏
cover-199

السيرة النبوية

طلائـع الهجـرة

وبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية ونجح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة ـ وهو أخطر كسب حصل عليه الإسلام منذ بداية دعوته ـ أذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين بالهجرة إلى هذا الوطن‏.‏ ولم يكن معنى الهجرة إلا إهدار المصالح، والتضحية بالأموال، والنجاة بالشخص فحسب، مع الإشعار بأنه مستباح منهوب قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وبأنه يسير نحو مستقبل مبهم، لا يدري ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان‏.‏ وبدأ المسلمون يهاجرون وهم يعرفون كل ذلك، وأخذ المشركون يحولون بينهم وبين خروجهم؛ لما كانوا يحسون به من الخطر، وهاك نماذج من ذلك‏:‏ 1 ـ كان من أول المهاجرين أبو سلمة ـ هاجر قبل العقبة الكبرى بسنة على ما قاله ابن إسحاق ـ وزوجته وابنه، فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره‏:‏ هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه‏؟‏ علام نتركك تسير بها في البلاد‏؟‏ فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم، فقالوا‏:‏ لا نترك ابننا معها إذ نزعتموها من صاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم فخلعوا يده، وذهبوا به‏.‏ وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة‏.‏ وكانت أم سلمة رضي الله عنها و بعد ذهاب زوجها وضياع ابنها تخرج كل غداة بالأبطح تبكى حتى تمسى، ومضى على ذلك نحو سنة، فرق لها أحد ذويها وقال‏:‏ ألا تخرجون هذه المسكينة‏؟‏ فرقتم بينها وبين زوجها وولدها، فقالوا لها‏:‏ الحقي بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وخرجت تريد المدينة ـ رحلة تبلغ حوالى خمسمائة كيلو متر تمر بين شواهق الجبال ومهالك الأودية ـ وليس معها أحد من خلق الله ‏.‏ حتى إذا كانت بالتَّنْعِيم لقيها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وبعد أن عرف حالها شيعها حتى أقدمها إلى المدينة، فلما نظر إلى قباء، قال‏:‏ زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله ، ثم انصرف راجعًا إلى مكة‏.‏ 2 ـ وهاجر صُهَيْب بن سِنان الرومي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما أراد الهجرة قال له كفار قريش‏:‏ أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك‏؟‏ والله لا يكون ذلك‏.‏ فقال لهم صهيب‏:‏ أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ فأني قد جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال‏:‏ ‏[‏ربح صهيب، ربح صهيب‏]‏‏.‏ 3 ـ وتواعد عمر بن الخطاب، وعَيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل موضعًا اسمه التَّنَاضُب فوق سَرِف يصبحون عنده، ثم يهاجرون إلى المدينة، فاجتمع عمر وعياش، وحبس عنهما هشام‏.‏ ولما قدما المدينة ونزلا بقباء قدم أبو جهل وأخوه الحارث إلى عياش ـ وأم الثلاثة واحدة، وهي أسماء بنت مُخَرِّبَة ـ فقالا له‏:‏ إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط، ولا تستظل بشمس حتى تراك، فَرَقَّ لها‏.‏ فقال له عمر‏:‏ يا عياش، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت، فأبي عياش إلا الخروج معهما ليبر قسم أمه، فقال له عمر‏:‏ أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها‏.‏ فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل‏:‏ يا ابن أمي، والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه‏؟‏ قال‏:‏ بلى، فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة نهارًا موثقًا، وقالا‏:‏ يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا‏.‏ هذه ثلاثة نماذج لما كان المشركون يفعلونه بمن يريد الهجرة إذا علموا ذلك‏.‏ ولكن على رغم ذلك خرج الناس أرسالًا يتبع بعضهم بعضًا‏.‏ وبعد شهرين وبضعة أيام من بيعة العقبة الكبرى لم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعلى ـ أقاما بأمره لهما ـ وإلا من احتبسه المشركون كرهًا، وقد أعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج، وأعد أبو بكر جهازه‏.‏ عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين‏:‏ ‏[‏أني أريت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابَتَيْن‏]‏ ـ وهما الحرتان ـ فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏[‏على رِسْلِك، فأني أرجو أن يؤذن لي‏]‏‏.‏ فقال له أبو بكر‏:‏ وهل ترجو ذلك بأبي أنت‏؟‏ قال‏:‏ ‏[‏نعم‏]‏، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السَّمَر ـ وهو الخَبَطُ ـ أربعة أشهر‏.‏
cover-198

السيرة النبوية

قريش تبحث عن أخبار البيعة عند رؤساء يثرب

ولما قرع هذا الخبر آذان قريش وقعت فيهم ضجة أثارت القلاقل والأحزان، لأنهم كانوا على معرفة تامة من عواقب مثل هذه البيعة ونتائجها بالنسبة إلى أنفسهم وأموالهم، فما إن أصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعماء مكة وأكابر مجرميها إلى منازل أهل يثرب في منى، فقالوا: يا معشر الخزرج! إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم. فانبعث من هناك من مشركي الخزرج يحلفون بالله: ما كان من هذا شيء، وما علمناه، حتى إنهم -أي زعماء قريش- أتوا عبد الله بن أبي بن سلول، فجعل يقول: هذا باطل، وما كان هذا، وما كان قومي ليفتاتوا علي مثل هذا، لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني. أما المسلمون فنظر بعضهم إلى بعض، ثم لاذوا بالصمت، فلم يتحدث أحد منهم بنفي أو إثبات. وصدق زعماء قريش المشركين من يثرب، فرجعوا خائبين. تأكد الخبر لدى قريش ومطاردة المبايعين: عاد زعماء مكة وهم على شبه اليقين من كذب هذا الخبر، لكنهم لم يزالوا يبحثون فيه ويدققون النظر، حتى تأكد لديهم أن الخبر صحيح، والبيعة قد تمت فعلًا،‏ وذلك بعد ما نفر الحجيج إلى أوطانهم، فسارع فرسانهم بمطاردة اليثربيين، ولكن بعد فوات الأوان، إلا أنهم تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة والمنذر ابن عمرو فطاردوهما، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فألقوا القبض عليه، فربطوا يديه إلى عنقه بنِسْع رَحْلِه، وجعلوا يضربونه ويجرونه ويجرون شعره حتى أدخلوه مكة، فجاء المطعم بن عدى والحارث بن حرب بن أمية فخلصاه من أيديهم، إذ كان سعد يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه، فإذا هو قد طلع عليهم، فوصل القوم جميعًا إلى المدينة‏.‏
cover-197

السيرة النبوية

شيطان يكتشف معاهدة البيعة ويبلغ قريش بعد فوات الأوان

ولما تم إبرام المعاهدة، وكان القوم على وشك الانفضاض، اكتشفها أحد الشياطين، وحيث إن هذا الاكتشاف جاء في اللحظة الأخيرة، ولم يكن يمكن إبلاغ زعماء قريش هذا الخبر سرًا، ليباغتوا المجتمعين وهم في الشعب، قام ذلك الشيطان على مرتفع من الأرض، وصاح بأنفذ صوت سمع قط‏:‏ يا أهل الجَبَاجب ـ المنازل ـ هل لكم في مُذَمَّم والصباة معه‏؟‏ قد اجتمعوا على حربكم‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏[هذا أزَبُّ العقبة، أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك،‏ ثم أمرهم أن ينفضوا إلى رحالهم‏]‏‏.‏ وعند سماع صوت هذا الشيطان قال العباس بن عبادة بن نضلة‏:‏ والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏[لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم‏]‏، فرجعوا وناموا حتى أصبحوا‏.‏
cover-196

السيرة النبوية

اثنا عشر نقيبًا

وبعد أن تمت البيعة طلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يختاروا اثني عشر زعيمًا يكونون نقباء على قومهم، يكفلون المسؤولية عنهم في تنفيذ بنود هذه البيعة، فقال للقوم‏:‏ أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم‏.‏ فتم اختيارهم في الحال، وكانوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس‏، ‏وهاك أسماءهم‏:‏ نقباء الخزرج: 1ـ أسعد بن زُرَارَة بن عدس‏.‏ 2ـ سعد بن الرَّبِيع بن عمرو‏.‏ 3ـ عبد الله بن رواحة بن ثعلبة‏.‏ 4ـ رافع بن مالك بن العَجْلان‏.‏ 5ـ البراء بن مَعْرُور بن صَخْر‏.‏ 6ـ عبد الله بن عمرو بن حَرَام‏.‏ 7ـ عبادة بن الصامت بن قيس‏.‏ 8 ـ سعد بن عبادة بن دُلَيْم‏.‏ 9ـ المنذر بن عمرو بن خُنَيْس‏.‏ نقباء الأوس 1ـ أُسَيْد بن حُضَيْر بن سِمَاك‏.‏ 2ـ سعد بن خَيْثَمَة بن الحارث‏.‏ 3ـ رفاعة بن عبد المنذر بن زبير‏.‏ ولما تم اختيار هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميثاقًا آخر بصفتهم رؤساء مسئولين‏.‏ قال لهم‏:‏ ‏[أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالـة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي‏]‏ ـ يعنى المسلمين ـ قالوا‏:‏ نعم‏.‏
cover-195

السيرة النبوية

التأكيد من خطورة البيعة

وبعد أن تمت المحادثة حول شروط البيعة، وأجمعوا على الـشروع في عقدها قام رجلان من الرعيل الأول ممن أسلموا في مواسم سنتي 11 و12 من النبوة، قام أحدهما تلو الآخر، ليؤكدا للقوم خطورة المسؤولية، حتى لا يبايعوه إلا على جلية من الأمر، وليعرفا مدى استعداد القوم للتضحية، ويتأكدا من ذلك‏.‏ ولما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نَضْلَة‏:‏ هل تدورن علام تبايعون هذا الرجل‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس‏،‏ فإن كنتم ترون أنكم إذا نَهَكَتْ أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزى الدنيا والآخرة‏.‏ وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نَهْكَة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخـرة‏.‏ قالوا‏:‏ فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك‏؟‏ قال‏:‏ ‏[الجنة‏]‏‏.‏ قالوا‏:‏ ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه‏.‏ وفي رواية جابر ‏[‏قال‏]‏‏:‏ فقمنا نبايعه، فأخذ بيده أسعد بن زرارة ـ وهو أصغر السبعين ـ فقال‏:‏ رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله‏.‏
cover-194

السيرة النبوية

العباس عليه السلام يبين أهمية الحلف وخطورة المسؤولية

وبعد أن تكامل المجلس بدأت المحادثات لإبرام التحالف الديني والعسكري، وكان أول المتكلمين هو العباس بن عبد المطلب عليه السلام عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تكلم ليشرح لهم ـ بكل صراحة ـ خطورة المسؤولية التي ستلقى على كواهلهم نتيجة هذا التحالف‏،‏ قال‏:‏ يا معشر الخزرج ـ وكان العرب يسمون الأنصار خزرجـًا، خزرجـها وأوسـها كليهما ـ إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده‏.‏ وإنه قد أبي إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك‏.‏ وإن كنتم ترون أنكم مُسْلِمُوه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه‏.‏ فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده‏.‏ قال كعب‏:‏ فقلنا له‏:‏ قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت‏.‏ وهذا الجواب يدل على ما كانوا عليه من عزم صميم، وشجاعة مؤمنة، وإخلاص كامل في تحمل هذه المسئولية العظيمة، وتحمل عواقبها الخطيرة‏.‏ وألقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك بيانه، ثم تمت البيعة‏.‏ ‏
cover-193

السيرة النبوية

بنود بيعة العقبة

عن جابر قال‏:‏ قلنا‏:‏ يا رسول الله، علام نبايعك‏؟‏ قال‏:‏ ‏على السمع والطاعة في النشاط والكسل‏.‏ وعلى النفقة في العسر واليسر‏.‏ وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏.‏ وعلى أن تقوموا في الله، لا تأخذكم في الله لومة لائم‏.‏ وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة‏]‏‏.‏ وفي رواية كعب، أن البند الأخير فقط من هذه البنود، فيه‏:‏ قال كعب‏:‏ فتكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال‏:‏ ‏[أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نسائكم وأبناءكم‏]‏‏.‏ فأخذ البراء ابن مَعْرُور بيده ثم قال‏:‏ نعم، والذي بعثك بالحق نبيًا، لنمنعنك مما نمنع أُزُرَنا منه، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب وأهل الْحَلْقَة، ورثناها كابرًا عن كابر‏.‏ قال‏:‏ فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو الهيثم بن التَّيَّهَان، فقال‏:‏ يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها ـ يعنى اليهود ـ فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله إن ترجع إلى قومك وتدعنا‏؟‏ قال‏:‏ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال‏:‏ ‏[بل الدَّمُ الدَّمُ، والهَدْمُ الْهَدْمُ، أنا منكم وأنتم منى، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم‏]‏‏.‏
cover-192

السيرة النبوية

وقعة يوم بعاث

عن عائشة قالت: كان يوم بعاث يوماً قدمه الله لرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم وجرحوا، فقدمه الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم في دخولهم في الإسلام. وبعاث هو مكان، ويقال حصن، وقيل مزرعة، عند بني قريظة على ميلين من المدينة، وكانت به وقعة بين الأوس والخزرج، فقتل فيها كثير منهم، وكان رئيس الأوس فيه: حضير والد أسيد بن حضير، وكان رئيس الخزرج يومئذ: عمرو بن النعمان البياضي فقتل فيها، وكان النصر فيها أولا للخزرج، ثم ثبتهم حضير فرجعوا، وانتصرت الأوس، وجرح حضير يومئذ فمات فيها، وذلك قبل الهجرة بخمس سنين. وقد قتل فيها من أكابرهم من كان لا يؤمن، أي يتكبر ويأنف أن يدخل في الإسلام، حتى لا يكون تحت حكم غيره، وقد كان بقي منهم من هذا النحو عبد الله بن أبي بن سلول المنافق لعنه الله. وقد شاء الله سبحانه أن تكون هذه الوقعة العظيمة قبسل مقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة لتتهيأ النفوس لقبول الإسلام والإيمان بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وليظهر فضل الإسلام على الأنصار، فقد جمعهم بعد الفرقة، وغرس في قلوبهم المحبة بعد العداوة، والوئام بعد الشقاق.
cover-191

السيرة النبوية

بيعة العقبة الثانية

في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة ـ يونيو سنة 622م ـ حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفسًا من المسلمين من أهل يثرب، جاؤوا ضمن حجاج قومهم من المشركين، وقد تساءل هؤلاء المسلمون فيما بينهم ـ وهم لم يزالوا في يثرب أو كانوا في الطريق‏:‏ حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف‏؟‏ فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم اتصالات سرية أدت إلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة الأولى من منى، وأن يتم الاجتماع في سرية تامة في ظلام الليل‏.‏ ولنترك أحد قادة الأنصار يصف لنا هذا الاجتماع التاريخي الذي حول مجرى الأيام في صراع الوثنية والإسلام،‏ يقول كعب بن مالك الأنصاري‏:‏ خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حَرَام أبو جابر، سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا ـ وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا ـ فكلمناه وقلنا له‏:‏ يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدًا‏.‏ ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إيانا العقبة، قال‏:‏ فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبًا‏.‏ قال كعب‏:‏ فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نتسلل تسلل القَطَا، مستخفين، حتى اجتمعنا في الشِّعْب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا، وامرأتان من نسائنا؛ نُسَيْبَة بنت كعب ـ أم عُمَارة ـ من بني مازن بن النجار وأسماء بنت عمرو ـ أم منيع ـ من بني سلمة‏.‏ فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى جاءنا، ومعه عمه‏:‏ العباس بن عبد المطلب عليه السلام وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له، وكان أول متكلم‏.‏
cover-190

السيرة النبوية

سفير الإسلام في المدينة

وبعد أن تمت البيعة وانتهى الموسم بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع هؤلاء المبايعين أول سفير في يثرب، ليعلم المسلمين فيها شرائع الإسلام، ويفقههم في الدين، وليقوم بنشر الإسلام بين الذين لم يزالوا على الشرك، واختار لهذه السفارة شابًا من شباب الإسلام من السابقين الأولين، وهو مُصْعَب بن عُمَيْر العبدري. وأقام مصعب في بيت أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخَطْمَة ووائل‏، كان فيهم قيس بن الأسلت الشاعر ـ وكانوا يطيعونه ـ فوقف بهم عن الإسلام حتى كان عام الخندق سنة خمس من الهجرة‏.‏ وقبل حلول موسم الحج التالي ـ أي حج السنة الثالثة عشرة ـ عاد مصعب بن عمير إلى مكة يحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشائر الفوز، ويقص عليه خبر قبائل يثرب، وما فيها من مواهب الخير، وما لها من قوة ومنعة‏.‏
cover-189

السيرة النبوية

بيعة العقبة الأولى

قد سبق في أحداث السيرة المطهرة أن ستة نفر من أهل يثرب أسلموا في موسم الحج سنة 11 من النبوة، ووعدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإبلاغ رسالته في قومهم‏.‏ وكان من جراء ذلك أن جاء في الموسم التالي ـ موسم الحج سنة 12 من النبوة، يوليو سنة 621م ـ اثنا عشر رجلًا، فيهم خمسة من الستة الذين كانوا قد التقوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العام السابق ـ والسادس الذي لم يحضر هو جابر بن عبد الله بن رِئاب ـ وسبعة سواهم، وهم‏:‏ 1 ـ معاذ بن الحارث، ابن عفراء من بني النجار ‏[‏من الخزرج‏]‏. 2 ـ ذَكْوَان بن عبد القيس من بني زُرَيْق‏.‏ ‏[‏من الخزرج‏]‏. 3 ـ عبادة بن الصامت من بني غَنْم ‏[‏من الخزرج‏]‏. 4 ـ يزيد بن ثعلبة من حلفاء بني غنم ‏[‏من الخزرج‏]‏. 5 ـ العباس بن عُبَادة بن نَضْلَة من بني سالم ‏[‏من الخزرج‏]‏. 6 ـ أبو الهَيْثَم بن التَّيَّهَان من بني عبد الأشهل ‏[‏من الأوس‏]‏‏.‏ 7 ـ عُوَيْم بن ساعدة من بني عمرو بن عَوْف ‏[‏من الأوس‏]‏‏.‏ الأخيران من الأوس، والبقية كلهم من الخزرج‏.‏ التقى هؤلاء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند العقبة بمنى فبايعوه بيعة النساء، أي وفق بيعتهن التي نزلت بعد الحديبية‏.‏ عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ ‏[تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا، فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله، فأمـره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عـنه‏]‏‏.‏ قــال‏:‏ فبايعته ـ وفي حديث آخر‏:‏ فبايعناه ـ على ذلك‏.‏
cover-188

السيرة النبوية

زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأم المؤمنين عائشة

وفي شوال من هذه السنة ـ سنة 11 من النبوة ـ تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عائشة، وهي بنت ست سنين وبنى بها بالمدينة في شوال في السنة الأولى من الهجرة وهي بنت تسع سنين‏.
cover-187

السيرة النبوية

عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة وإخباره الناس بمسراه

فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قومه أخبرهم بما أراه الله عز وجل من آياته الكبرى، فاشتد تكذيبهم له وأذاهم وإنكارهم عليه، وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس، فجلاه الله له، حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته، ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئًا، وأخبرهم عن عيرهم في مسراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها، وأخبرهم عن البعير الذي يقدمها، وكان الأمر كما قال، فلم يزدهم ذلك إلا نفورًا، وأبى الظالمون إلا كفورًا‏.‏
cover-186

السيرة النبوية

الحكمة في لقاء هؤلاء الأنبياء

وقد اختلف في الحكمة في اختصاص كل من هؤلاء الأنبياء بالسماء التي لقيهم فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقيل أمروا بملاقاته، فمنهم من أدركه في أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحق، ومنهم من فاته. وقيل: الحكمة في الاقتصار على هؤلاء الأنبياء المذكورين: للإشارة إلى ما سيقع له صلى الله عليه وآله وسلم مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم: أ - فأما آدم عليه السلام فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض بما سيقع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقة وكراهة فراق ما ألفه من الوطن، ثم كان مآل كل منهما أن يرجع إلى موطنه الذي أخرج منه. ب- وبعيسى ويحيي عليهما السلام على ما وقع له صلى الله عليه وآله وسلم من أول الهجرة من عداوة اليهود وتماديهم على البغي عليه وإرادتهم وصول السوء إليه. ج- وبيوسف عليه السلام على ما وقع له صلى الله عليه وآله وسلم من إخوته من قريش في نصبهم الحرب له وإرادتهم هلاكه، وكانت العاقبة له، وقد أشار إلى ذلك صلى الله عليه وآله وسلم بقوله لقريش يوم الفتح: "أقول كما قال يوسف: لا تثريب عليكم. . . ". د - وبإدريس عليه السلام على رفيع منزلته صلى الله عليه وآله وسلم عند الله. هـ - وبهارون عليه السلام على أن قومه صلى الله عليه وآله وسلم رجعوا إلى محبته بعد أن آذوه. و- وبموسى عليه السلام على ما وقع له من معالجة قومه، وقد أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك بقوله: "لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر". ز - وبإبراهيم عليه السلام في استناده إلى البيت المعمور بما ختم له صلى الله عليه وآله وسلم في آخر عمره من إقامة منسك الحج وتعظيم بيت الله الحرام.
cover-185

السيرة النبوية

صلاته بالأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم

ثم هبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس، والظاهر أن الأنبياء هبطوا معه تكريما له، وتعظيما عند رجوعه من الحضرة الإلهية العظيمة، كما هي عادة الوافدين لا يجتمعون بأحد قبل الذي طلبوا إليه، ولهذا كان كلما مر على واحد منهم يقول له جبريل عليه السلام عندما يتقدم ذاك للسلام عليه: هذا فلان فسلم عليه، فلو كان قد اجتمع بهم قبل صعوده لما احتاج إلى التعرف بهم مرة ثانية، ومما يدل على ذلك أنه قال: فلما حانت الصلاة أممتهم، ولم يحن وقت إذ ذاك إلا صلاة الفجر، فتقدمهم إماما بهم عن أمر جبريل عليه السلام فيما يرويه عن ربه عز وجل، فاستفاد بعضهم من هذا أن الإمام الأعظم يقدم في الإمامة على رب المنزل حيث كان بيت المقدس محلهم ودار إقامتهم.
cover-184

السيرة النبوية

ما حدث ليلة الإسراء والمعراج

لقد عرج به صلى الله عليه وآله وسلم تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبريل ففتح له، فرأى هنالك آدم أبا البشر، فسلم عليه، فرحب به ورد عليه السلام، وأقر بنبوته، وأراه الله أرواح السعداء عن يمينه، وأرواح الأشقياء عن يساره‏.‏ ثم عرج به إلى السماء الثانية، فاستفتح له، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم، فلقيهما وسلم عليهما، فردا عليه ورحبا به، وأقرّا بنبوته‏.‏ ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف، فسلم عليه فرد عليه ورحب به، وأقر بنبوته‏.‏ ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فرأى فيها إدريس، فسلم عليه، فرد عليه، ورحب به، وأقر بنبوته‏.‏ ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فرأى فيها هارون بن عمران، فسلم عليه، فرد عليه ورحب به، وأقر بنبوته‏.‏ ثم عرج به إلى السماء السادسة، فلقي فيها موسى بن عمران، فسلم عليه، فرد عليه ورحب به، وأقر بنبوته‏.‏ فلما جاوزه بكى موسى، فقيل له‏:‏ ما يبكيك‏؟‏ فقال‏:‏ أبكي لأن غلامًا بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي‏.‏ ثم عرج به إلى السماء السابعة، فلقي فيها إبراهيم عليه السلام، فسلم عليه، فرد عليه، ورحب به، وأقر بنبوته‏.‏ ثم رفع إلى سدرة المنتهى، فإذا نَبْقُها مثل قِلاَل هَجَر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، ثم غشيها فراش من ذهب، ونور وألوان، فتغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها‏.‏ ثم رفع له البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون‏،‏ ثم أدخل الجنة، فإذا فيها حبائل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك‏.‏ وعرج به حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صَرِيف الأقلام‏.‏ ثم عرج به إلى الجبّار جل جلاله، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة، فرجع حتى مرّ على موسى فقال له‏:‏ بم أمرك ربك‏؟‏ قال‏:‏ ‏[بخمسين صلاة‏]‏‏.‏ قال‏:‏ إن أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى جبريل، كأنه يستشيره في ذلك، فأشار‏:‏ أن نعم إن شئت، فعلا به جبريل حتى أتى به الجبار تبارك وتعالى، وهو في مكانه فوضع عنه عشرًا، ثم أنزل حتى مر بموسى، فأخبره، فقال‏:‏ ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله عز وجل، حتى جعلها خمسًا، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال‏:‏ ‏[قد استحييت من ربي، ولكني أرضى وأسلم‏]‏، ثم نادى مناد‏:‏ قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي‏.‏ ومما رآه صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الإسراء والمعراج: ذكر أهل السير أن صدره صلى الله عليه وآله وسلم شق في هذه المرة أيضًا، وقد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الـرحلة أمورًا عديدة منها‏:‏ أنه عرض عليه اللبن والخمر، فاختار اللبن، فقيل‏:‏ هديت الفطرة أو أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك‏.‏ ورأى أربعة أنهار يخرجن من أصل سدرة المنتهى‏:‏ نهران ظاهران ونهران باطنان، فالظاهران هما‏:‏ النيل والفرات، عنصرهما‏.‏ والباطنان‏:‏ نهران في الجنة‏.‏ ولعل رؤية النيل والفرات كانت إشارة إلى تمكن الإسلام من هذين القطرين.‏ ورأى مالكًا خازن النار، وهو لا يضحك، وليس على وجهه بشر ولا بشاشة، وكذلك رأى الجنة والنار‏.‏ ورأى أكلة أموال اليتامى ظلمًا لهم مشافر كمشافر الإبل، يقذفون في أفواههم قطعًا من نار كالأفهار، فتخرج من أدبارهم‏.‏ ورأى أكلة الربا لهم بطون كبيرة لا يقدرون لأجلها أن يتحولوا عن أماكنهم، ويمر بهم آل فرعون حين يعرضون على النار فيطؤونهم‏.‏ ورأى الزناة بين أيديهم لحم سمين طيب، إلى جنبه لحم غث منتن، يأكلون من الغث المنتن، ويتركون الطيب السمين‏.‏ ورأى النساء اللاتي يدخلن على الرجال من ليس من أولادهم، رآهن معلقات بثديهن‏.‏ ورأى عيرًا من أهل مكة في الإياب والذهاب، وقد دلهم على بعير نَدَّ لهم، وشرب ماءهم من إناء مغطى وهم نائمون، ثم ترك الإناء مغطى، وقد صار ذلك دليلًا على صدق دعواه في صباح ليلة الإسراء‏.‏
cover-183

السيرة النبوية

الإسراء والمعراج كان بالجسد والروح معاً

الصحيح أن الإسراء والمعراج كان بجسده وروحه صلى الله عليه وآله وسلم. قال أهل العلم: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن الله تعالى حمله على البراق حيث أتاه به، وصلى هنالك بمن صلى من الأنبياء والرسل، فأراه ما أراه من الآيات، ولا معنى لقول من قال: أسرى بروحه دون جسده، لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون ذلك دليلاً على نبوته، ولا حجة له على رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك، وكانوا يدفعون به عن صدقه فيه، إذ لم يكن منكرا عندهم، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل؟ وبعد، فإن الله تعالى إنما أخبر في كتابه العزيز أنه أسرى بعبده، ولم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده، وليس لأحد أن يتعدى ما قال الله إلى غيره، ولا دلالة تدل على أن مراد الله تعالى من قوله: {أسرى بعبده} أسرى بروح عبده، بل الأدلة الواضحة، والأخبار المتتابعة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الله تعالى أسرى به على دابة يقال لها: البراق، ولو كان الإسراء بروحه لم تكن الروح محمولة على البراق، إذ كانت الدواب لا تحمل إلا الأجسام. والأكثرون من العلماء على أنه صلى الله عليه وآله وسلم أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناما، والدليل على هذا قوله عز وجل: {سبحان الذي أسرى بعبده} فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، ولو كان مناما لم يكن فيه كبير شيء ولم يكن مستعظما، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتد جماعة ممن كان قد أسلم، وأيضا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقد قال عز شأنه: {أسرى بعبده ليلا}. وقال تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس}. قال ابن عباس عليه السلام في تفسير هذه الآية: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة أسري به، والشجرة الملعونة: شجرة الزقوم.
cover-182

السيرة النبوية

حادثة الإسراء والمعراج

جاءت حادثة الإسراء والمعراج تثبيتا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتكريما له في أعقاب سنين طويلة من الدعوة، والصبر على أذى المشركين واضطهادهم، ونكرانهم، وجفائهم. -وقد اختلف العلماء في أي سنة كان ذلك على عدة أقوال منها: 1 ـ أن‏:‏ الإسراء كان في السنة التي أكرمه الله فيها بالنبوة. 2 ـ وقيل‏:‏ كان بعد المبعث بخمس سنين. 3 ـ وقيل‏:‏ كان ليلة السابع والعشرين من شهر رجب سنة 10 من النبوة‏.‏ 4 ـ وقيل‏:‏ قبل الهجرة بستة عشر شهرًا، أي في رمضان سنة 12 من النبوة‏.‏ 5 ـ وقيل‏:‏ قبل الهجرة بسنة وشهرين، أي في المحرم سنة 13 من النبوة‏.‏ 6 ـ وقيل‏:‏ قبل الهجرة بسنة، أي في ربيع الأول سنة 13 من النبوة‏.‏ المقصود بالإسراء: قال أهل اللغة: أسرى، مأخوذة من السري: وهو سير الليل، تقول: أسرى وسرى إذا سار ليلاً. والمقصود بقوله تعالى: أسرى بعبده: أي جعل البراق يسري به. والمقصود بقوله تعالى: بعبده: محمد صلى الله عليه وآله وسلم اتفاقا، والضمير لله تعالى والإضافة للتشريف. وقوله تعالى: ليلاً: ظرف للإسراء وهو للتأكيد، ويقال بل هو إشارة إلى أن ذلك وقع في بعض الليل لا في جميعه، والعرب تقول: سرى فلان ليلا إذا سار بعضه، وسرى ليلة إذا سار جميعها، ولا يقال أسرى إلا إذا وقع سيره في أثناء الليل، وإذا وقع في أوله يقال أدلج. ويقصد بالإسراء هنا: الرحلة التي أكرم الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى بالقدس. والمقصود بالمعراج: هو ما أعقب هذه الرحلة من العروج به صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماوات العلا حتى الوصول إلى مستوى تنقطع عنده علوم الخلائق. وقد أشار الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم إلى تلك الحادثة في سورتين مختلفتين، فذكر قصة الإسراء في سورة الإسراء، قال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير}. وذكر سبحانه وتعالى قصة المعراج في سورة النجم، قال تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى}.
cover-181

السيرة النبوية

كيف عرض رسول الله الإسلام على هذه القبائل وكيف كانت ردودها

وهذه جملة من القبائل التي عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإسلام، وكيف كانت مقابلتهم لتلك الدعوة: 1 ـ بنو كلب‏:‏ أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بطن منهم يقال لهم‏:‏ بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول لهم‏:‏ ‏(‏يا بني عبد الله، إن الله قد أحسن اسم أبيكم‏)‏، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم‏.‏ 2 ـ بنو حنيفة‏:‏ أتاهم في منازلهم فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه ردًا منهم‏.‏ 3 ـ وأتى إلى بني عامر بن صعصعة‏:‏ فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فقال بَيْحَرَة بن فِرَاس ‏[‏رجل منهم‏]‏‏:‏ والله، لو إني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال‏:‏ أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الأمر إلى الله، يضعه حيث يشاء‏)‏، فقال له‏:‏ أفَتُهْدَفُ نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه‏.‏ ولما رجعت بنو عامر تحدثوا إلى شيخ لهم لم يواف الموسم لكبر سنه، وقالوا له‏:‏ جاءنا فتى من قريش من بني عبد المطلب يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه، ونخرج به إلى بلادنا، فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال‏:‏ يا بني عامر وهل لها من تَلاَف‏؟‏ هل لذُنَابَاها من مَطْلَب‏؟‏ والذي نفس فلان بيده ما تَقَوَّلَها إسماعيلي قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم‏؟‏
cover-180

السيرة النبوية

عرض الإسلام على القبائل والأفراد

وكان من القبائل التي أتاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودعاها وعرض عليها نفسه‏:‏ بنو عامر بن صَعْصَعَة، ومُحَارِب بن خَصَفَة، وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم، وعَبْس، وبنو نصر، وبنو البَكَّاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعُذْرَة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد‏.‏ وهذه القبائل التي ذكرها أهل السير، لم يكن عرض الإسلام عليها في سنة واحدة ولا في موسم واحد، بل إنما كان ما بين السنة الرابعة من النبوة إلى آخر موسم قبل الهجرة‏،‏ ولا يمكن تسمية سنة معينة لعرض الإسلام على قبيلة معينة، ولكن الأكثر كان في السنة العاشرة‏.‏
cover-179

السيرة النبوية

استهزاء أبي جهل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد طلب الجوار

أراد أبو جهل لعنه الله تعالى أن يستهزئ بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم كيف يحتاج نبي إلى جوار، وكأنه يتساءل لما لم تنزل الملائكة لحفظه صلى الله عليه وآله وسلم ونصرته. فقال عليه لعائن الله لما رأى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دخل المسجد الحرام، والمشركون عند الكعبة: أهذا نبيكم يا بني عبد مناف!! فرد عليه عتبة بن ربيعة، وقال: وما تنكر أن يكون منا نبي أو ملك؟ فلما سمعهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أتاهم، فقال: "أما أنت يا عتبة بن ربيعة، فوالله ما حميت لله ولا لرسوله، ولكن حميت لنفسك، وأما أنت يا أبا جهل بن هشام، فوالله لا يأتي عليك غير كبير من الدهر حتى تضحك قليلا، وتبكي كثيرا، وأما أنتم يا معشر الملأ من قريش، فوالله لا يأتي عليكم غير كبير من الدهر حتى تدخلوا فيما تنكرون، وأنتم كارهون".
cover-178

السيرة النبوية

وفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمطعم بن عدي

ولهذا الصنيع الذي فعله المطعم بن عدي، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له". قال أهل العلم: أي بغير فداء، وذلك أن المطعم بن عدي كان من أشد من قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم ومن معهم من المسلمين حين حصروهم في الشعب، والسبب الثاني إجارته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما أراد دخول مكة عندما رجع من الطائف صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا من شيمه صلى الله عليه وآله وسلم الكريمة تذكر وقت النصر، والظفر للمطعم بن عدي هذا الجميل.
cover-177

السيرة النبوية

دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة في جوار المطعم بن عدي

ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه، وفراق دينه. فلما أراد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دخول مكة، قال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم، وهم أخرجوك؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "يا زيد! إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه". ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حراء، فبعث رجلا من خزاعة هو: عبد الله بن أريقط إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال الأخنس: أنا حليف قريش، ورفض إجارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فبعث إلى سهيل بن عمرو ليجيره، فقال سهيل بن عمرو: إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب، ورفض سهيل بن عمرو أن يجير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فبعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى المطعم بن عدي ليجير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال المطعم: نعم وأجابه إلى ذلك، وقال لعبد الله بن أريقط: قل لمحمد فليأت. فرجع إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فبات عنده تلك الليلة، فلما أصبح خرج المطعم بن عدي، وقد لبس سلاحه هو وبنوه ستة أو سبعة فدخلوا المسجد، وقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: طف، وأمر بنيه أن يكونوا عند أركان البيت لحماية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فهنا أقبل أبو سفيان إلى المطعم بن عدي، وقال له: أمجير أم تابع؟ فقال المطعم: بل مجير. قال أبو سفيان: إذن لا نخفر ذمتك، قد أجرنا من أجرت. فجلس معه حتى قضى رسول الله طوافه، فلما انصرف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم انصرفوا معه، ورجع أبو سفيان إلى مجلسه.