السيرة النبوية
cover-236

السيرة النبوية

اليهود تزداد حقداً وحسداً بعد تحويل القبلة

وبعد أن حولت القبلة من المسجد الأقصى إلى الكعبة المشرفة، امتلأت قلوب اليهود حقداً وحسداً على المسلمين، بهذا الفضل الذي أعطاه الله تعالى للمسلمين، وهو هدايتهم للكعبة المشرفة، وصدق رسول صلى الله عليه وآله وسلم لما قال: "إنهم لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين"
cover-235

السيرة النبوية

تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة بيت الله الحرام‏

وفي النصف من رجب من السنة الثانية للهجرة أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام. فعن البراء بن عازب قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهراً، ثم صرفنا نحو الكعبة. قال ابن عباس عليه السلام: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم صرفت القبلة بعد. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، ولذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم حين يصلي بمكة يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فيصيب القبلتين معا، فعن ابن عباس عليه السلام قال: كان رسول الله يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه، وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرا، ثم صرف إلى الكعبة. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يعد يمكنه ذلك، من الجمع بين الكعبة وبيت المقدس، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من الدعاء إلى الله عز وجل، فكان مما يرفع يديه، وطرفه إلى السماء سائلاً الله تعالى ذلك، فأنزل الله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام (4) وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره}، فتوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحو الكعبة.
cover-234

السيرة النبوية

أحوال الغزوات بإيجاز‏

1-غزة الأبواء أو ودان‏:‏ في صفر سنة 2 هـ، الموافق أغسطس سنة 623م، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها بنفسه في سبعين رجلاً من المهاجرين خاصة يعترض عيراً لقريش، حتى بلغ ودان، فلم يلق كيداً، واستخلف فيها على المدينة سعد بن عبادة‏.‏ وفي هذه الغزوة عقد معاهدة حلف مع عمرو بن مخشى الضمري، وكان سيد بنى ضمرة في زمانه، وهذا نص المعاهدة‏:‏ ‏(‏هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمره، فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وإن لهم النصر على من رامهم إلا أن يحاربوا دين الله ن ما بل بحر صوفة وأن النبي إذا دعاهم لنصره أجابوه‏)‏‏.‏ وهذه أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة، وكان اللواء أبيض وحامله حمزة بن عبد المطلب‏ عليه السلام.‏ 2- غزوة بواط‏:‏ في شهر ربيع الأول سنة 2 هـ الموافق سبتمبر سنة 623م، خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مائتين من أصحابه، يعترض عيراً لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش، وألفان وخمسمئة بعير، فبلغ بواطا من ناحية رضوى ولم يلق كيدا‏.‏ واستخلف في هذه الغزوة على المدينة سعد بن معاذ، واللواء كان أبيض، وحامله سعد بن أبي وقاص‏.‏ 3-غزوة سفوان: في شهر ربيع الأول سنة 2 هـ، الموافق سبتمبر سنة 623م، أغار كرز بن جابر الفهري في قوات خفيفة من المشركين على مراعي المدينة، ونهب بعض المواشي فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سبعين رجلاً من أصحابه لمطارته، حتى بلغ وادياً يقال له‏:‏ سفوان من ناحية بدر، ولكنه لم يدرك كرزاً وأصحابه، فرجع من دون حرب، وهذه الغزوة تسمى بغزوة بدر الأولى‏.‏ واستخلف في هذه الغزوة على المدينة زيد بن حارثة، وكان اللواء أبيض، وحامله علي بن أبي طالب‏ عليه السلام.‏ 4- غزوة ذي العشيرة‏:‏ في جمادى الأولى، وجمادى الآخرة سنة 2 هـ، الموافق نوفمبر وديسمبر سنة 623هـ، خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خمسين ومائة ويقال‏:‏ في مائتين، من المهاجرين، ولم يكره أحداً على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيراً يعتقبونها، يعترضون عيراً لقريش، ذاهبة إلى الشام، وقد جاء الخبر بفصولها من مكة، فيها أموال لقريش فبلغ ذا العشيرة، فوجد العير قد فاتته بأيام، وهذه هي العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، فصارت سبباً لغزوة بدر الكبرى‏.‏ وكان خروجه صلى الله عليه وآله وسلم في أواخر جمادى الأولى، ورجوعه في أوائل جمادى الآخرة، ولعل هذه هو سبب اختلاف أهل السير في تعيين شهر هذه الغزوة‏.‏ وفي هذه الغزوة عقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معاهدة عدم اعتداء مع بني مدلج وحلفائهم من بنى ضمرة‏.‏ واستخلف على المدينة في هذه الغزوة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وكان اللواء أبيض، وحامله حمزة عليه السلام.
cover-233

السيرة النبوية

أحوال السرايا بإيجاز‏

1- سرية سيف البحر: في رمضان سنة 1 هـ، الموافق مارس سنة 623م، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذه السرية حمزة بن عبد المطلب عليه السلام، وبعثه في ثلاثين رجلاً من المهاجرين يعترضون عيراً لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص، فالتقوا واصطفوا للقتال، فمشى مجدي بن عمرو الجني ـ وكان حليفاً للفريقين جميعاً ـ بين هؤلاء وهؤلاء حتى حجز بينهم فلم يقتتلوا‏.‏ وكان لواء حمزة عليه السلام أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان أبيض، وحمله أبو مرثد كَناز بن حصين الغَنَوي‏.‏ 2-سرية رابغ‏:‏ في شوال سنة 1 من الهجرة، الموافق أبريل سنة 632م، بعث لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين رجلاً من المهاجرين، فلقى أبا سفيان - وهو في مائتين - على بطن رابغ، وقد ترامي الفريقان بالنبل، ولم يقع قتال‏.‏ وفي هذه السرية انضم رجلان من جيش مكة إلى المسلمين، وهما المقداد بن عمرو البهراني، وعتبه بن غزوان المارني، وكانا مسلمين خرجا مع الكفار ليكون ذلك وسيلة للوصول إلى المسلمين، وكان لواء عبيدة أبيض، وحامله مسطح بن أثاثة بن المطلب بن عبد مناف‏.‏ 3- سرية الخرار: في ذي العقدة سنة 1 هـ، الموافق مايو سنة 623م، بعث لها رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص في عشرين رجلا يعترضون عيراً لقريش، وعهد إليه إلا يجاوز الخرار، فخرجوا مشاة يكمنون بالنهار، ويسيرون بالليل، حتى بلغوا الخرار صبيحة خمس، فوجدوا العير قد مرت بالأمس‏.‏ كان لواء سعد أبيض، وحمله المقداد بن عمرو‏.‏ 4- سرية نخلة‏:‏ في رجب سنة 2 هـ، الموافق يناير سنة 624م، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب له كتاباً، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه‏.‏ فسار عبد الله ثم قرأ الكتاب بعد يومين، فإذا فيه‏:‏ ‏‏(‏إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكلة والطائف، فترصد بها عير قريش وتعلم لنا من أخبارهم‏)‏‏،‏ فقال‏:‏ سمعاً وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك، وأنه لا يستكرههم، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، وأما أنا فناهض، فنهضوا كلهم، غير أنه لما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا في طلبه‏.‏ وسار عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة، وفيها عمرو بن الخضرمي، وعثمان ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة، والحكم ابن كيسان مولى بني المغيرة‏.‏ فتشاور المسلمون وقالوا‏:‏ نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اجتمعوا على اللقاء، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان والحكم وأفلت نوفل، ثم قدموا بالعير والأسيرين إلى المدينة، وقد عزلوا من ذلك الخمس، وهو أو خمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام‏.‏ وأنكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما فعلوه، وقال‏:‏ ‏‏(‏ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام‏)‏ وتوقف عن التصرف في العير والأسيرين‏.‏
cover-232

السيرة النبوية

الغزوات والسرايا قبل بدر الكبرى

ولتنفيذ هاتين الخطتين بدأت التحركات العسكرية فعلاً بعد نزول الإذن بالقتال وكانت أشبه بالدوريات الاستطلاعية، وكان المطلوب منها كما سبق: الاستكشاف والتعرف على الطرق المحيطة بالمدينة، والمسالك المؤدية إلى مكة‏.‏ عقد المعاهدات مع القبائل التي مساكنها على هذه الطرق‏.‏ إشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية الضاربين حولها بأن المسلمين أقوياء وأنهم تخلصوا من ضعفهم القديم‏.‏ إنذار قريش عُقبَى طيشها، حتى تفيق عن غَيها الذي لا يزال يتوغل في أعماقها، وعلها تشعر بتفاقم الخطر على اقتصادها وأسباب معايشها فتجنح إلى السلم، وتمتنع عن إرادة قتال المسلمين في عقر دارهم، وعن الصد عن سبيل الله، وعن تعذيب المستضعفين من المؤمنين في مكة، حتى يصير المسلمون أحراراً في إبلاغ رسالة الله في ربوع الجزيرة‏.‏
cover-231

السيرة النبوية

وجاء الإذن بالقتال

في هذه الظروف الخطيرة التي كانت تهدد كيان المسلمين بالمدينة، وتنبئ عن قريش أنهم لا يفيقون عن غيهم ولا يمتنعون عن تمردهم بحال، أنزل الله تعالى الإذن بالقتال للمسلمين ولم يفرضه عليهم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ‏}‏.‏ وأنزل معه آيات بين لهم فيها أن هذا الإذن إنما هو لإزاحة الباطل وإقامة شعائر الله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ‏}‏. وكان الإذن مقتصراً على قتال قريش، ثم تطور فيما بعد مع تغير الظروف حتى وصل إلى مرحلة الوجوب، وجاوز قريشاً إلى غيرهم، ولا بأس أن نذكر تلك المراحل بإيجاز قبل أن ندخل في ذكر الأحداث‏:‏ 1- اعتبار مشركي قريش محاربين؛ لأنهم بدأوا بالعدوان، فحق للمسلمين أن يقاتلوهم ويصادروا أموالهم دون غيرهم من بقية مشركي العرب‏.‏ 2- قتال كل من تعاون من مشركي العرب مع قريش واتحد معهم، وكذلك كل من تفرد بالاعتداء على المسلمين من غير قريش‏.‏ 3- قتال من خان أو تحيز للمشركين من اليهود الذين كان لهم عقد وميثاق مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونبذ ميثاقهم إليهم على سواء‏.‏ 4- قتال من بدأ بعداوة المسلمين من أهل الكتاب، كالنصارى، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون‏.‏ 5- الكف عمن دخل في الإسلام، مشركاً كان أو يهودياً أو نصرانياً أو غير ذلك، فلا يتعرض لنفسه وماله إلا بحق الإسلام، وحسابه على الله‏.‏ ولما نزل الإذن بالقتال رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبسط سيطرته على الطريق الرئيس الذي تسلكه قريش من مكة إلى الشام في تجاراتهم، واختار لذلك خطتين‏:‏ الأولى‏:‏ عقد معاهدات الحلف أو عدم الاعتداء مع القبائل التي كانت مجاورة لهذا الطريق، أو كانت تقطن ما بين هذا الطريق وما بين المدينة، وقد عقد صلى الله عليه وآله وسلم معاهدة مع جهينة قبل الأخذ في النشاط العسكري، وكانت مساكنهم على ثلاث مراحل من المدينة، كما عقد معاهدات أخرى أثناء دورياته العسكرية، وسيأتي ذكرها‏.‏ الثانية‏:‏ إرسال البعوث واحدة تلو الأخرى إلى هذا الطريق‏.‏
cover-230

السيرة النبوية

قريش تهدد المهاجرين

لم تنقطع قريشٌ عن التربص بالمسلمين ومحاولة إيقاع الشرور بهم حتى بعد هجرتهم إلى المدينة المنورة، ولم يكن هذا مجرد وهم أو خيال، فقد تأكد لدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكائد قريش وإرادتها على الشر ما كان لأجله لا يبيت إلا ساهراً، أو في حرس من الصحابة فعن عائشة قالت‏:‏ سهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال‏:‏ ‏‏(‏ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة‏)‏، قالت‏:‏ فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال‏:‏ ‏‏(‏من هذا ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏ما جاء بك‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم نام‏.‏ ولم تكن هذه الحراسة مختصة ببعض الليالي، بل كان ذلك أمراً مستمراً، فقد روي عن عائشة قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحرس ليلاً حتى نزل‏:‏ ‏{‏وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏}‏، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه من القبة، فقال‏:‏ ‏‏(‏يا أيها الناس، انصرفوا عني فقد عصمني الله عز وجل‏)‏‏.‏ ولم يكن الخطر مقتصراً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل كان يحدق بالمسلمين كافة، فقد روى أبي بن كعب، قال‏:‏ لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه‏.‏
cover-229

السيرة النبوية

استفزازات قريش واتصالهم بعبد الله بن أبي سلول

كتبت قريش إلى عبد الله بن أبي سلول- وكان إذ ذاك مشركاً - بصفته رئيس الأنصار قبل الهجرة - فمعلوم أنهم كانوا قد اتفقوا عليه، وكادوا يجعلونه ملكاً على أنفسهم لولا أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم، وآمنوا به - كتبوا إليه وإلى أصحابه المشركين، يقولون لهم في كلمات باتة‏:‏ إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم‏.‏ وبمجرد بلوغ هذا الكتاب قام عبد الله بن أبي ليمتثل أوامر إخوانه المشركين من أهل مكة - وقد كان يحقد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ لما يراه أنه استبله ملكه- يقول عبد الرحمن بن كعب‏:‏ فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقيهم، فقال‏:‏ ‏‏(‏لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر ما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقالوا أبناءكم وإخوانكم‏)‏، فلما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم تفرقوا‏.‏ امتنع عبد الله بن أبي بن سلول عن القتال إذ ذلك، لما رأي خوراً أو رشداً في أصحابه، ولكن يبدو من تصرفاته أنه كان متواطئاً مع قريش، فكان لا يجد فرصة إلا وينتهزها لإيقاع الشر بين المسلمين والمشركين، وكان يضم معه اليهود، ليعينوه على ذلك، ولكن تلك هي حكمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي كانت تطفئ نار شرهم حينا بعد حين‏.‏
cover-228

السيرة النبوية

يهود تقصد الفتنة في المدينة المنورة

قال كعب بن أسد، وابن صلوبا، وعبد الله بن صوريا، وشأس بن قيس، بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه، فإنما هو بشر، فأتوه، فقالوا له: يا محمد، إنك قد عرفت أننا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعتك يهود، ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين بعض قومنا خصومة، أفنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدقك؟ فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما (1) لقوم يوقنون}. وقال جماعة من اليهود لبعضهم البعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع، ويرجعون عن دينه، فانزل الله تعالى فيهم: {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون، وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون، ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله، أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم}.
cover-227

السيرة النبوية

مجاهرة اليهود بالعداء والبغضاء لرسول الله

لما رأى اليهود انتشار الإسلام في المدينة حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها، أظهروا الحقد والحسد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونصبوا العداوة له ولأصحابه. وانضاف إليهم رجال من الأوس والخزرج، ممن بقوا على جاهليتهم، فكانوا أهل نفاق، على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعث، إلا أن الإسلام قهرهم بظهوره، واجتماع قومهم عليه، فتظاهروا بالإسلام، واتخذوه جنة، من القتل، ونافقوا في السر، وكان هواهم مع يهود لتكذيبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجحودهم الإسلام. فمن هؤلاء اليهود الذين نصبوا العداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وكانوا أشد الناس كيدا: حيي بن أخطب وأخوه أبو ياسر، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع، وكعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وعمرو بن جحاش، ورفاعة بن يزيد بن التابوت. ومنهم كذلك ابن صلوبا الفطيوني الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا محمد! ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك لها، فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله: {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون}. ومنهم رافع بن حريملة، ووهب بن زيد.
cover-226

السيرة النبوية

المعاهدة مع يهود المدينة

بعد أن أرسى رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم قواعد مجتمع جديد وأمة إسلامية جديدة، بإقامة الوحدة العقدية والسياسية والنظامية بين المسلمين، بدأ بتنظيم علاقاته بغير المسلمين، وكان قصده بذلك توفير الأمن والسلام والسعادة والخير للبشرية جمعاء، مع تنظيم المنطقة في وفاق واحد، فسن في ذلك قوانين السماح والتجاوز التي لم تعهد في ذلك العالم المليء بالتعصب والأغراض الفردية والعرقية‏.‏ وأقرب من كان يجاور المدينة من غير المسلمين هم اليهود، وهم وإن كانوا يبطنون العداوة للمسلمين، لكن لم يكونوا أظهروا أية مقاومة أو خصومة بعد، فعقد معهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معاهدة قرر لهم فيها النصح والخير، وترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال، ولم يتجه إلى سياسة الإبعاد أو المصادرة والخصام‏.‏ وفيما يلي أهم بنود هذه المعاهدة كالآتي‏:‏ 1- إن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، وكذلك لغير بنى عوف من اليهود‏.‏ 2-وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم‏.‏ 3- وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة‏.‏ 4- وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم‏.‏ 5- وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه‏.‏ 6- وإن النصر للمظلوم‏.‏ 7- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين‏.‏ 8-وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة‏.‏ 9- وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ 10- وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها‏.‏ 11- وإن بينهم النصر على من دَهَم يثرب‏.‏‏.‏ على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم‏.‏ 12- وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم‏.‏ وبإبرام هذه المعاهدة صارت المدينة وضواحيها دولة قائمة بأركانها، عاصمتها المدينة، يرأسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والكلمة النافذة والسلطان الغالب فيها للمسلمين‏.‏ ولتوسيع منطقة الأمن والسلام عاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبائل أخرى في المستقبل بمثل هذه المعاهدة، حسب ما اقتضته الظروف، وسيأتي ذكر شيء عنها‏.‏
cover-225

السيرة النبوية

كتابة صحيفة ميثاق التحالف الإسلامي

وبعد أن قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعقد هذه المؤاخاة بين المؤمنين، قام بعقد معاهدة أزاح بها ما كان بينهم من حزازات في الجاهلية، وما كانوا عليه من نزعات قبلية جائرة، واستطاع بفضلها إيجاد وحدة إسلامية شاملة‏.‏ وفيما يلي بنودها ملخصًا‏:‏ هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم‏:‏ 1ـ إنهم أمة واحدة من دون الناس‏.‏ 2ـ المهاجرون من قريش على رِبْعَتِهم يتعاقلون بينهم، وهم يَفْدُون عَانِيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وكل قبيلة من الأنصار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين‏.‏ 3ـ وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل‏.‏ 4ـ وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دَسِيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين‏.‏ 5ـ وإن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم‏.‏ 6ـ ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر‏.‏ 7ـ ولا ينصر كافرًا على مؤمن‏.‏ 8 ـ وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم‏.‏ 9ـ وإن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم‏.‏ 10ـ وإن سلم المؤمنين واحدة؛ لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم‏.‏ 11 ـ وإن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله‏.‏ 12 ـ وإنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن‏.‏ 13 ـ وإنه من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول‏.‏ 14 ـ وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه‏.‏ 15 ـ وإنه لا يحل لمؤمن أن ينصر محدثًا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صَرْف ولا عَدْل‏.‏ 16 ـ وإنكم مهما اختلفـتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم‏.‏
cover-224

السيرة النبوية

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجانب قيامه ببناء المسجد‏:‏ مركز التجمع والتآلف، قام بعمل آخر من أروع ما يأثره التاريخ، وهو عمل المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. قال أهل السير‏:‏ ثم آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلًا، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، أخى بينهم على المواساة، ويتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ‏}‏،‏ رد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة‏.‏ وقد قيل‏:‏ إنه أخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية، والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام وأخوة الدار وقرابة النسب عن عقد مؤاخاة فيما بينهم، بخلاف المهاجرين مع الأنصار‏.‏ ‏ ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، وتسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يكون أساس الولاء والبراء إلا الإسلام‏.‏ وقد امتزجت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة وإسداء الخير في هذه الأخوة، وملأت المجتمع الجديد بأروع الأمثال‏.‏
cover-223

السيرة النبوية

بناء المسجد النبوي

وأول خطوة خطاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك هو بناء المسجد النبوي، واختار له المكان الذي بركت فيه ناقته صلى الله عليه وآله وسلم، فاشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه، وأسهم في بنائه بنفسه، فكان ينقل اللبِن والحجارة ويقول‏:‏ ‏[‏اللهم لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخرة ** فاغْفِرْ للأنصار والمُهَاجِرَة‏]‏. وكان يقول صلوات ربي عليه وعلى آله وسلم‏:‏ ‏[‏هذا الحِمَالُ لا حِمَال خَيْبَر ** هــذا أبـَــرُّ رَبَّنَا وأطْـهَر‏]‏. وكانت في ذلك المكان قبور للمشركين، وكان فيه خرب ونخل وشجرة من غَرْقَد، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقبور المشركين فنبشت، وبالخَرِب فسويت، وبالنخل والشجرة فقطعت، وصفت في قبلة المسجد، وكانت القبلة إلى بيت المقدس. ولم يكن المسجد موضعًا لأداء الصلوات فحسب، بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ومنتدى تلتقي وتتآلف فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية وحروبها، وقاعدة لإدارة جميع الشئون وبث الانطلاقات، وبرلمان لعقد المجالس الاستشارية والتنفيذية‏.‏ وكان مع هذا كله دارًا يسكن فيها عدد كبير من فقراء المهاجرين اللاجئين الذين لم يكن لهم هناك دار ولا مال ولا أهل ولا بنون‏.‏
cover-222

السيرة النبوية

موقف اليهود من هجرة النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة

إن اليهود لم يكن يرجى منهم أن ينظروا إلى الإسلام إلا بعين البغض والحقد، فالرسول لم يكن من أبناء جنسهم حتى يُسَكِّن جَأْشَ عصبيتهم الجنسية التي كانت مسيطرة على نفسياتهم وعقليتهم، ودعوة الإسلام لم تكن إلا دعوة صالحة تؤلف بين أشتات القلوب، وتطفئ نار العداوة والبغضاء، وتدعو إلى التزام الأمانة في كل الشؤون، وإلى التقيد بأكل الحلال من طيب الأموال، ومعنى كل ذلك أن قبائل يثرب العربية ستتآلف فيما بينها، وحينئذ لابد من أن تفلت من براثن اليهود، فيفشل نشاطهم التجاري، ويحرمون أموال الربا الذي كانت تدور عليه رحى ثروتهم، بل يحتمل أن تتيقظ تلك القبائل، فتدخل في حسابها الأموال الربوية التي أخذتها اليهود، وتقوم بإرجاع أرضها وحوائطها التي أضاعتها إلى اليهود في تأدية الربا‏.‏ وكان اليهود يدخلون كل ذلك في حسابهم منذ عرفوا أن دعوة الإسلام تحاول الاستقرار في يثرب، ولذلك كانوا يبطنون أشد العداوة ضد الإسلام، وضد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منذ أن دخل يثرب، وإن كانوا لم يتجاسروا على إظهارها إلا بعد حين‏.‏ فعن أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب زعيم اليهود، أنها قالت‏:‏ كنت أحَبَّ ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه‏، قالت‏:‏ فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي؛ حيي بن أخطب، وعمى أبو ياسر بن أخطب مُغَلِّسِين، قالت‏:‏ فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، قالت‏:‏ فأتيا كَالَّيْن كسلانين ساقطين يمشيان الهُوَيْنَي‏،‏ قالت‏:‏ فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلىَّ واحد منهما، مع ما بهما من الغم‏.‏ قالت‏:‏ وسمعت عمى أبا ياسر، وهو يقول لأبي حيي بن أخطب‏:‏ أهو هو‏؟‏ قال‏:‏ نعم والله، قال‏:‏ أتعرفه وتثبته‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ فما في نفسك منه‏؟‏ قال‏:‏ عداوته والله ما بقيت‏.‏
cover-221

السيرة النبوية

سكان المدينة وأحوالهم عند الهجرة

لم يكن معنى الهجرة التخلص والفرار من الفتنة فحسب، بل كانت الهجرة تعني مع هذا تعاونًا على إقامة مجتمع جديد في بلد آمن، ولذلك أصبح فرضًا على كل مسلم يقدر على الهجرة أن يهاجر ويسهم في بناء هذا الوطن الجديد، ويبذل جهده في تحصينه ورفعة شأنه‏.‏ ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان هو الإمام والقائد والهادي في بناء هذا المجتمع، وكانت إليه أزمة الأمور بلا نزاع‏.‏ والذين قابلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة كانوا على ثلاثة أصناف، يختلف أحوال كل واحد منها بالنسبة إلى الآخر اختلافًا واضحًا، وكان يواجه بالنسبة إلى كل صنف منها مسائل عديدة غير المسائل التي كان يواجهها بالنسبة إلى الآخر‏.‏ وهذه الأصناف الثلاثة هي‏:‏ 1 ـ أصحابه الكرام‏.‏ 2 ـ المشركون الذين لم يؤمنوا بعد، وهم من صميم قبائل المدينة‏.‏ 3 ـ اليهــود‏.‏ -أما الصحابة فكانوا مقبلين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقلوبهم، يتحلون بأحكامه، ويستبشرون بها ‏{‏وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا‏}‏، وكان هذا أعظم ما واجهه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنسبة للمسلمين، وهو الهدف الأسمى والمطلب النبيل المقصود من الدعوة الإسلامية والرسالة المحمدية، ومعلوم أنه ليس بقضية طارئة تطلب الاستعجال، بل هي قضية أصيلة تحتاج إلى آجال‏.‏ نعم، كانت هناك قضايا طارئة تطلب الحل العاجل والحكيم، أهمها أن المسلمين كانوا على قسمين‏:‏ قسم كانوا في أرضهم وديارهم وأموالهم، لا يهمهم من ذلك إلا ما يهم الرجل وهو آمن في سِرْبِـه، وهم الأنصار. وقسم نجوا بأنفسهم إلى المدينة، وهم المهاجرون، فلم يكن لهم ملجأ يأوون إليه، ولا عمل يكسبون به ما يسد حاجتهم، ولا مال يبلغون به قَوَامًا من العيش، وكان عدد هؤلاء اللاجئين غير قليل، ثم كانوا يزيدون يومًا فيوما. -وأما المشركون فكانوا من صميم قبائل المدينة ـ فلم تكن لهم سيطرة على المسلمين، وكان منهم من يتخالجه الشك ويتردد في ترك دين الآباء، ولكن لم يكن يبطن العداوة والكيد ضد الإسلام والمسلمين، ولم تمض عليهم مدة طويلة حتى أسلموا وأخلصوا دينهم لله‏.‏ وكان فيهم من يبطن العداوة الشديدة ضد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، ولكن لم يكن يستطيع أن يناوئهم، بل كان مضطرًا إلى إظهار الودّ والصفاء نظرًا إلى الظروف، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أبي، رأس النفاق في المدينة النبوية. وأما اليهود فكانوا أصحاب دسائس ومؤامرات وعتو وفساد، يلقون العداوة والشحناء بين القبائل العربية المجاورة، ويغرون بعضها على بعض بكيد خفي لم تكن تشعره تلك القبائل، فكانت تتطاحن في حروب، ولم تكد تنطفئ نيرانها حتى تتحرك أنامل اليهود مرة أخرى لتؤججها من جديد‏،‏ فإذا تم لهم ذلك جلسوا على حياد يرون نتائج هذا التحريض والإغراء، ويستلذون بما يحل بهؤلاء المساكين ـ العرب ـ من التعاسة والبوار، ويزودونهم بقروض ثقيلة ربوية حتى لا يحجموا عن الحرب لعسر النفقة‏.‏ وبهذا التدبير كانوا يحصلون على فائدتين كبيرتين‏:‏ هما الاحتفاظ على كيانهم اليهودي، وإنفاق سوق الربا؛ ليأكلوه أضعافًا مضاعفة، ويكسبوا ثروات طائلة‏.‏ وكانت في يثرب منهم ثلاث قبائل مشهورة‏:‏ 1ـ بنو قَيْنُقَاع:‏ وكانوا حلفاء الخزرج، وكانت ديارهم داخل المدينة‏.‏ 2ـ بنو النَّضِير‏:‏ وكانوا حلفاء الخزرج، وكانت ديارهم بضواحي المدينة‏.‏ 3ـ بنو قُرَيْظة‏:‏ وكانوا حلفاء الأوس، وكانت ديارهم بضواحي المدينة‏.‏
cover-220

السيرة النبوية

مراحل الدعوة والجهاد في العهد المدني

يمكن تقسيم العهد المدني إلى ثلاث مراحل‏:‏ 1 ـ مرحلة تأسيس المجتمع الإسلامي، وتمكين الدعوة الإسلامية، وقد أثيرت في هذه المرحلة القلاقل والفتن من الداخل، وزحف فيها الأعداء من الخارج، ليستأصلوا شأفة المسلمين، ويقلعوا الدعوة من جذورها‏.‏ وقد انتهت هذه المرحلة بتغلب المسلمين وسيطرتهم على الموقف مع عقد صلح الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة‏.‏ 2 ـ مرحلة الصلح مع العدو الأكبر، والفراغ لدعوة ملوك الأرض إلى الإسلام، وللقضاء على أطراف المؤامرات‏،‏ وقد انتهت هذه المرحلة بفتح مكة المكرمة في رمضان سنة ثمان من الهجرة‏.‏ 3 ـ مرحلة استقبال الوفود، ودخول الناس في دين الله أفواجًا‏، وقد امتدت هذه المرحلة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة‏.‏
cover-219

السيرة النبوية

قدوم آل النبي عليهم السلام إلى المدينة

بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو في بيت أبي أيوب، زيد بن حارثة وأبا رافع، إلى مكة، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم ليأتياه بأهله، فقدما بفاطمة عليها السلام، وأم كلثوم عليها السلام ابنتيه صلى الله عليه وآله وسلم، وسودة بنت زمعة زوجته صلى الله عليه وآله وسلم، وأم أيمن حاضنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وزوج زيد بن حارثة، وابنها أسامة بن زيد. وأما زينب بنت الرسول عليها السلام فمنعها زوجها أبو العاص بن الربيع -وكان لا يزال مشركاً- من الهجرة، وأما رقية عليها السلام بنت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهاجرت من قبل مع زوجها عثمان بن عفان. ثم إن أبا العاص بن الربيع أسر في غزوة بدر الكبرى، ففدته زوجته زينب عليها السلام، وهي في مكة بقلادة لأمها خديجة فتأثر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأمر بإطلاق سراح أبي العاص بن الربيع، وقد وعد أبو العاص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يرسل زينب إلى المدينة إن رجع إلى مكة، وفعلا وفى بكلامه، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه، وسيأتي ذكر قصة فداء زينب عليها السلام، مفصلاً، في غزوة بدر الكبرى.
cover-218

السيرة النبوية

مظاهر الهجرة وعوامل نجاحها

نجحت خطة الهجرة نجاحا يعتبر بمقاييس الزمن إعجازاً، وحققت أهدافاً جعلتها تستحق أن تكون بدايةً للتاريخ الإسلامي، فمن مظاهر نجاحها ما يلي: 1 - بعد الهجرة خسرت قريش موازين القوة والمكانة التي توارثتها على مدى قرون وزال عنها سلطانها. . . ودب الخلاف بين أبنائها وتسلل كثير منهم إلى المدينة فأسلموا. 2 - لم تعد قريشٌ حاجزاً في وجه الدعوة الإسلامية، إذ أسقطت الهجرة رهبتها من نفوس المستضعفين والخائفين، كما أسقطت هيبتها من قلوب العرب، فلم تعد مثلما كانت عليه من قبل، فبدأت الغشاوة تنزاح عن عيونهم، ونظروا إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ودعوته نظرة محايدة خالصة من تأثير قريش وضلالاتها فدخلوا في دين الله أفواجا، وهكذا جاءت قبائل العرب من تبوك والطائف ومن كل جهة يبايعون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 3 - وبالهجرة ارتفعت مكانة المدينة، وأصبحت هي محط الأنظار، وتحت لوائها توحدت الجزيرة العربية، وأصبحت هي العاصمة والمركز والقلب، وبين ربوعها قامت أول جماعة على أساس العقيدة، لا على أساس القبيلة، ومنها بعث العرب قوة محركة فعالة لأداء رسالتهم الإسلامية. 4 - وبالهجرة تغيرت حياة العرب من قوم يشنون الحروب ويسفكون الدماء لأتفه الأسباب إلى أصحاب قيم ومبادئ يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وقويت روابط الأخوة والمحبة بينهم، وزالت بواعث البغض والكراهية والثأر والانتقام حتى أن الأنصار والمهاجرين اقتسموا دورهم وأموالهم، واشتركوا في مشاعر واحدة متعاونين متراحمين، وقد حررهم الإسلام من التقليد والجهالة والرذيلة، وجمعهم على الأخلاق فعمت الفضيلة وانتشرت العلوم والمعارف واختفى الجهل والجاهلية. قال الفيلسوف الإنجليزي (توماس كارليل) عن العرب: قوم يضربون في الصحراء لا يعتنى بهم عدة قرون، فلما جاءهم النبي العربي صاروا قبلة الأنظار في العلوم والمعارف، وكثروا بعد أن كانوا قلة، وعزوا بعد أن كانوا أذلاء، ولم يمض قرن بعد الإسلام حتى استضاءت أطراف الأرض بعقولهم وعلومهم. 5 - ظهرت بالهجرة أمة إسلامية جمعها الإسلام، ولم تجمعها عصبيات قبلية، فتميزت في تكوينها، وكانت حضارتها سامقة بين حضارات التاريخ، أمة تربط بين أفرادها مشاعر الحب والإخاء القائم على ابتغاء وجه الله تعالى، ووفق إرادته: {وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم}. 6 - كان المجتمع الإسلامي بعد الهجرة يقوم على المبادئ والأخلاق، ويعتصم بأحكام الإسلام، فاستقرت فيه الفضائل، فأصبحت المدينة قاعدة لأمة فاضلة، انطلقت لتزرع مبادئها في العالم كله مغيرة بذلك وجه التاريخ. 7 - الهجرة أعطت الإسلام حرية الحركة داخل الجزيرة العربية وخارجها فقد بادر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فور استقراره بالمدينة إلى ممارسة الاتصالات المباشرة مع القبائل العربية عن طريق الرسائل، كما بادر بإرسال السفراء إلى الملوك والرؤساء في الدول المجاورة، ولقد أتت هذه الاتصالات بنتائج إيجابية كان لها صداها طوال مراحل التاريخ الإسلامي. 8 - كانت الهجرة مقدمة لإنهاء العصور الوثنية، وقيام عصر جديد شعاره التوحيد والإيمان، وكرامة الإنسان، وتحرير الناس من عبودية الأوثان إلى عبودية الإله الواحد الديان. 9 - الهجرة كانت إعلانا ببداية الدولة الإسلامية وفقا للأسس والنظم المتعارف عليها في العرف الدولي السائد الآن وهي: الشعب، والأرض، والسلطة. 10 - الهجرة كانت هي السبب في انتصارات المسلمين الكبرى، وفي الفتوحات الإسلامية في دمشق، وبغداد، والفسطاط، والقيروان، وفارس، وقرطبة، وهي السبب في دخول الإسلام إلى كل عواصم العالم، وتكوين الإمبراطورية الإسلامية من الهند شرقا إلى المحيط الأطلنطي غربا. 11 - الهجرة هي التي حققت عالمية الإسلام، ونشرت مبادئه في كل مكان، وخلصت العالم من براثن الإمبراطوريات التي ذاقت الأمرين من الظلم والاضطهاد في الشام، وآسيا الصغرى، والشمال الإفريقي. 12 - بالهجرة تخلص العالم بأجمعه من الفوضى والهمجية، وانتقل إلى مرحلة التحضر والإنسانية، ليس هذا من قبيل المبالغة لكنها شهادة حق شهد بها الأعداء قبل الأصدقاء. 13 - أعادت الهجرة صقل الخامات البشرية في العالم الإسلامي، وساعد الاستقرار على إبراز المواهب، والطاقات التي كانت كامنة تحت ظلمات الجاهلية والكفر، والخلود إلى الأرض، فانطلقوا وقد استضاؤوا بنور الإسلام، عبقريات تفتح البلاد، وتقيم العدل، وتؤسس الدول، وتحسب في عداد العظماء في كل العصور، ولولا الهجرة ما وُجد مناخ الانطلاق هذا.
cover-217

السيرة النبوية

فضائل المدينة المنورة

لقد شرفت المدينة بهجرته صلى الله عليه وآله وسلم إليها، وصارت معقلاً لأولياء الله، وعباده الصالحين، ومعقلاً وحصناً منيعاً للمسلمين، ودار هدى للعالمين. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أراد أهل المدينة بسوء، أذابه الله كما يذوب الملح في الماء". وعن السائب بن خلاد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من أخاف أهل المدينة، أخافه الله عز وجل، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا". عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من استطاع منكم أن يموت بالمدينة، فليمت بالمدينة فإني أشفع لمن مات بها".
cover-216

السيرة النبوية

تسمية يثرب بطيبة وطابة والمدينة

كانت المدينة المنورة على ساكنها صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الصلاة والسلام تسمى في الجاهلية يثرب، فلما هاجر إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سماها المدينة، وطيبة وطابة. عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إن الله تعالى سمى المدينة طابة". قال أهل العلم: وفي الحديث استحباب تسميتها طابة، وليس فيه أنها لا تسمى بغيره، فقد سماها الله تعالى المدينة في مواضع من القرآن. عن جابر بن سمرة قال: كانوا يسمون المدينة يثرب، فسماها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طيبة. وعن أبي حميد قال: أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك حتى أشرفنا على المدينة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "هذه طابة". وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة، هي طابة". قال أهل العلم: لأن يثرب إما من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة، أو من الثرب وهو الفساد، وكلاهما مستقبح، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحب الاسم الحسن، ويكره الاسم القبيح. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد".
cover-215

السيرة النبوية

دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة

ثم سار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الجمعة حتى دخل المدينة ـ ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويعبر عنها بالمدينة مختصرًا ـ وكان يومًا مشهودًا أغر، فقد ارتجت البيوت والسكك بأصوات الحمد والتسبيح، وتغنت بنات الأنصار بغاية الفرح والسرور‏:‏ طـلـع الـبــدر علـينا **مـن ثـنيــات الـوداع وجـب الشـكـر علـينا ** مـــا دعــا لـلـه داع أيـهـا المبـعـوث فـينا ** جـئـت بـالأمـر المطاع والأنصار وإن لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة إلا أن كل واحد منهم كان يتمنى أن ينزل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليه، فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته‏:‏ هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة، فكان يقول لهم‏:‏ ‏[خلوا سبيلها فإنها مأمورة‏]‏، فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي اليوم فبركت، ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلًا، ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها، وذلك في بني النجار، أخواله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان من توفيق الله لها، فإنه أحب أن ينزل على أخواله، يكرمهم بذلك، فجعل الناس يكلمون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النزول عليهم، وبادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحـله، فأدخله بيته، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول‏:‏ ‏[المرء مع رحله‏]‏، وجـاء أسعد بن زرارة فأخـذ بزمام راحلته، فكانت عنــده‏.‏ وفي عن أنس، قال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏[أي بيوت أهلنا أقرب‏؟‏‏]‏ فقال أبو أيوب‏:‏ أنا يا رسول الله، هذه دارى، وهذا بأبي‏.‏ قال‏:‏ ‏[فانطلق فهيئ لنا مقيلًا‏]‏، قال‏:‏ قوما على بركة الله‏.‏ وبعد أيام وصلت إليه زوجته سَوْدَة، وبنتاه فاطمة وأم كلثوم، وأسامة بن زيد، وأم أيمن، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، ومنهم عائشة، وبقيت زينب عند أبي العاص، لم يمكنها من الخروج حتى هاجرت بعد بدر‏.‏ قالت عائشة‏:‏ وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، فكان بُطْحَان يجرى نَجْلًا، أي ماءً آجِنًا‏.‏ وقالت‏:‏ لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال، فدخلت عليهما فقلت‏:‏ يا أبه كيف تجدك‏؟‏ ويا بلال كيف تجدك‏؟‏ قالت‏:‏ فكان أبو بكر إذا أخذته الحُمَّى يقول‏:‏ كل امرئ مُصَبَّحٌ في أهله ** والموت أدنى من شِرَاك نَعْلِه وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول‏:‏ ألا ليت شِعْرِى هل أبيتَنَّ ليلة ** بـوَادٍ وحـولي إذْخِرٌ وجَلِيـلُ وهل أردْن يومــًا ميـاه مِجَنَّة ** وهل يَبْدُوَنْ لى شامة وطَفِيلُ قالت عائشة‏:‏ فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال‏:‏ ‏[الله م العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء‏]‏‏.‏ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏[الله م حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجُحْفَة‏]‏‏.‏ وقد استجاب الله دعاءه صلى الله عليه وآله وسلم، فأرى في المنام أن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت بالمَهْيَعَة، وهي الجحفة‏.‏ وكان ذلك عبارة عن نقل وباء المدينة إلى الجحفة، وبذلك استراح المهاجرون عما كانوا يعانونه من شدة مناخ المدينة‏.‏
cover-214

السيرة النبوية

هجرة علي بن أبي طالب عليه السلام إلى المدينة

أما علي بن أبي طالب عليه السلام، فقد أقام بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأدركه في قباء، فنزل معه على كلثوم بن الهدم.
cover-213

السيرة النبوية

من فضائل مسجد قباء

فعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: قال أبي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من خرج حتى يأتي هذا المسجد" -يعني مسجد قباء- "فيصلي فيه، كان كعدل عمرة". وعن أسيد بن ظهير الأنصاري وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحدث عن النبي أنه قال: "صلاة في مسجد قباء كعمرة". وصح في سنته عن ابن عمر أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً. وعن سعد بن أبي وقاص قال: لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين، ولو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل.
cover-212

السيرة النبوية

النزول بقباء

وفي يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 14 من النبوة ـ وهي السنة الأولى من الهجرة ـ الموافق 23 سبتمبر سنة 622م نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقباء‏.‏ قال عروة بن الزبير‏:‏ سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحَرَّة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أَوْفي رجل من يهود على أُطُم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مُبَيَّضِين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته‏:‏ يا معاشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح‏.‏ وتلقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بظهر الحرة‏.‏ قال ابن القيم‏:‏ وسُمِعت الوَجْبَةُ والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحًا بقدومه، وخرجوا للقائه، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله، والسكينة تغشاه، والوحي ينزل عليه‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ الله َ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ‏}‏ ‏‏.‏ قال عروة بن الزبير‏:‏ فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول‏.‏ فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيي ـ وفي نسخة‏:‏ يجيء ـ أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك‏.‏ وكانت المدينة كلها قد زحفت لاستقباله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يومًا مشهودًا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها، وقد رأى اليهود صدق بشارة النبي‏:‏ إن الله جاء من التيمان، والقدوس من جبال فاران‏.‏ ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقباء على كلثوم بن الهدم، وقيل‏:‏ بل على سعد بن خَيْثَمَة، والأول أثبت‏.‏ ومكث على بن أبي طالب عليه السلام بمكة ثلاثًا حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، ثم هاجر ماشيًا على قدميه حتى لحقهما بقباء، ونزل على كلثوم بن الهَدْم‏.‏ وأقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقباء أربعة أيام‏:‏ الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس‏،‏ وأسس مسجد قباء وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، فلما كان اليوم الخامس ـ يوم الجمعة ـ ركب بأمر الله له، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار ـ أخواله ـ فجاءوا متقلدين سيوفهم، فسار نحو المدينة وهم حوله، وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانوا مائة رجل‏.‏
cover-211

السيرة النبوية

قصة سراقة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

وتبعهما في الطريق سُرَاقة بن مالك‏،‏ قال سراقة‏:‏ بينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مُدْلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال‏:‏ يا سراقة، إني رأيت آنفًا أسْوِدَة بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه‏،‏ قال سراقة‏:‏ فعرفت أنهم هم، فقلت له‏:‏ إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج فرسي، وهي من وراء أكَمَة، فتحبسها عَلَي، وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت، فخَطَطْتُ بزُجِّهِ الأرض، وخَفَضْتُ عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها، فرَفَعْتُها تُقَرِّب بي حتى دنوت منهم، فعَثَرَتْ بي فرسي فخررت عنها، فقمت، فأهويت يدى إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها، أضُرُّهُمْ أم لا‏؟‏ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي ـ وعصيت الأزلام ـ تُقَرّبُ بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات ـ سَاخَتْ يدا فرسى في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تَكَدْ تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمْرُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت له‏:‏ إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يَرْزَأني، ولم يسألاني إلا أن قال‏:‏ ‏[أَخْفِ عنا‏]‏، فسألته أن يكتب لي كتاب أمْنٍ، فأمر عامر بن فُهَيْرة، فكتب لي في رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏.‏ وفي رواية عن أبي بكر قال‏:‏ ارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا منهم أحد غير سراقة بن مالك بن جُعْشُم، على فرس له، فقلت‏:‏ هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، فقال‏:‏ ‏{‏لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله َ مَعَنَا‏}‏‏‏.‏ ورجع سراقة فوجد الناس في الطلب فجعل يقول‏:‏ قد استبرأت لكم الخبر، قد كفيتم ما ها هنا‏،‏ فكان أول النهار جاهدًا عليهما، وآخره حارسًا لهما‏.‏
cover-210

السيرة النبوية

بعض الأحداث التي وقعت في الطريق إلى المدينة

هي جملة من الأحداث والوقائع التي لقيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في طريقه سائر إلى المدينة المنورة، فمن ذلك: 1ـ عن أبي بكر قال‏:‏ أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق، لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة، لها ظل لم تأت عليها الشمس، فنزلنا عنده، وسويت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مكانًا بيدي، ينام عليه، وبسطت عليه فروة، وقلت‏:‏ نم يا رسول الله ، وأنا أنفض لك ما حولك، فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها مثل الذي أردنا، فقلت له‏:‏ لمن أنت يا غلام‏؟‏ فقال‏:‏ لرجل من أهل المدينة أو مكة‏.‏ قلت‏:‏ أفي غنمك لبن‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قلت‏:‏ أفتحلب‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فأخذ شاة، فقلت‏:‏ انفض الضرع من التراب والشعر والقَذَى، فحلب في قعب كُثْبة من لبن، ومعي إداوة حملتها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، يرتوى منها، يشرب ويتوضأ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله، فقلت‏:‏ اشرب يا رسول الله ، فشرب حتى رضيت، ثم قال‏:‏ ‏[ألم يأن للرحيل‏؟‏‏]‏ قلت‏:‏ بلى، قال‏:‏ فارتحلنا‏.‏ 2ـ وكان من دأب أبي بكر أنه كان ردفًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان شيخًا يعرف، ونبي الله صلى الله عليه وآله وسلم شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول‏:‏ من هذا الرجل الذي بين يديك‏؟‏ فيقول‏:‏ هذا الرجل يهديني الطريق، فيحسب الحاسب أنه يعنى به الطريق، وإنما يعنى سبيل الخير‏.‏ 3ـ وفي اليوم الثاني أو الثالث مر بخيمتي أم مَعْبَد الخزاعية، وكان موقعهما بالمُشَلَّل من ناحية قُدَيْد على بعد نحو 130 كيلو مترًا من مكة، وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبى بفناء الخيمة، ثم تطعم وتسقى من مر بها، فسألاها‏:‏ هل عندها شيء‏؟‏ فقالت‏:‏ والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم، القِرَى والشاء عازب، وكانت سَنَةٌ شَهْباء‏.‏ فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى شاة في كسر الخيمة، فقال‏:‏ ‏[ما هذه الشاة يا أم معبد‏؟‏‏]‏ قالت‏:‏ شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال‏:‏ ‏[هل بها من لبن‏؟‏‏]‏ قالت‏:‏ هي أجهد من ذلك‏،‏ فقال‏:‏ ‏[أتأذنين لي أن أحلبها‏؟‏‏]‏ قالت‏:‏ نعم بأبي وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها‏.‏ فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده ضرعها، وسمى الله ودعا، فتَفَاجَّتْ عليه ودَرَّتْ، فدعا بإناء لها يَرْبِض الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقاها، فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب، وحلب فيه ثانيًا، حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها فارتحلوا‏.‏ فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا هزلًا، فلما رأي اللبن عجب، فقال‏:‏ من أين لك هذا‏؟‏ والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت‏؟‏ فقالت‏:‏ لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا وكذا، قال‏:‏ أني والله أراه صاحب قريش الذي تطلبه، صِفِيه لي يا أم معبد، فوصفته بصفاته الكريمة وصفًا بديعًا كأن السامع ينظر إليه وهو أمامه ـ وسننقله في بيان صفاته صلى الله عليه وآله وسلم في أواخر الكتاب ـ فقال أبو معبد‏:‏ والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا،‏ وأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعونه ولا يرون القائل‏:‏ جزى الله رب العرش خير جزائه ** رفيقين حَلاَّ خيمــتى أم مَعْبَــدِ هـمـا نزلا بالبِـــرِّ وارتحلا به ** وأفلح من أمسى رفيق محمــد فيا لقُصَىّ مــا زَوَى الله عنكــم ** به من فعال لا يُحَاذى وسُــؤْدُد لِيَهْنِ بني كعـب مكــان فَتاتِهــم ** ومقعدُهـا للمؤمنـين بَمْرصَـد سَلُوا أختكم عن شاتهـا وإنائهـا ** فإنكم إن تسألوا الشـاة تَشْـهَـــد قالت أسماء‏:‏ ما درينا أين توجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة فأنشد هذه الأبيات، والناس يتبعونه ويسمعون صوته ولا يرونه حتى خرج من أعلاها‏.‏ قالت‏:‏ فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن وجهه إلى المدينة‏.‏ 4ـ وفي الطريق لقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بُريْدَة بن الحُصَيْب الأسلمي ومعه نحو ثمانين بيتًا، فأسلم وأسلموا، وصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العشاء الآخرة فصلوا خلفه، وأقام بريدة بأرض قومه حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أُحُد‏.‏ وعن عبد الله بن بريدة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتفاءل ولا يتطير، فركب بريدة في سبعين راكبًا من أهل بيته من بني سهم، فلقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له‏:‏ ‏[ممن أنت‏؟‏‏]‏ قال‏:‏ من أسلم، فقال‏:‏ لأبي بكر‏:‏ سلمنا، ثم قال‏:‏ ‏[مِنْ بني مَنْ‏؟‏‏]‏ قال‏:‏ من بني سهم‏.‏ قال‏:‏ ‏[خرج سهمك‏]‏ 5ـ ومر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأبي أوْس تميم بن حَجَر أو بأبي تميم أوس بن حجر الأسلمي، بقحداوات بين الجُحْفَة وهَرْشَى ـ بالعرج ـ وكان قد أبطأ عليه بعض ظهره، فكان هو وأبو بكر على جمل واحد، فحمله أوس على فحل من إبله، وبعث معهما غلامًا له اسمه مسعود، وقال‏:‏ اسلك بهما حيث تعلم من محارم الطريق ولا تفارقهما، فسلك بهما الطريق حتى أدخلهما المدينة، ثم رد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسعودًا إلى سيده، وأمره أن يأمر أوسًا أن يسم إبله في أعناقها قيد الفرس، وهو حلقتان، ومد بينهما مدًا، فهي سمتهم‏.‏ ولما أتى المشركون يوم أحد أرسل أوس غلامه مسعود بن هُنَيْدَة من العَرْج على قدميه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبره بهم‏.‏ ذكره ابن مَاكُولا عن الطبري، وقد أسلم بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة، وكان يسكن العرج‏.‏ 6ـ وفي الطريق ـ في بطن رِئْم ـ لقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الزبير، وهو في ركب من المسلمين، كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر ثيابًا بياضًا‏.‏
cover-209

السيرة النبوية

لماذا المدينة المنورة بالذات

كان من حكمة الله تعالى في اختيار المدينة دارا للهجرة، ومركزا للدعوة، عدا ما أراده الله تعالى من إكرام أهلها، وأسرار لا يعلمها إلا الله أمور، منها: 1 - أنها امتازت بتحصن طبيعي حربي، لا تزاحمها في ذلك مدينة قريبة في الجزيرة، فكانت حرة الوبرة مطبقة على المدينة من الناحية الغربية، وحرة مطبقة على المدينة من الناحية الشرقية، وكانت المنطقة الشمالية من المدينة، هي الناحية الوحيدة المكشوفة. 2 - كانت الجهات الأخرى من أطراف المدينة محاطة بأشجار النخيل، والزروع الكثيفة، لا يمر منها الجيش إلا في طرق ضيقة، لا يتفق فيها النظام العسكري وترتيب الصفوف. 3 - كانت خفارات عسكرية صغيرة، كافية لإفساد النظام العسكري، ومنعه من التقدم، وكان أحد جانبي المدينة عورة وسائر جوانبها مشككة بالبنيان والنخيل، لا يتمكن العدو منها. ولعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أشار إلى هذه الحكمة الإلهية في اختيار المدينة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه قبل الهجرة: "إني أريت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابتين " -وهما الحرتان- فهاجر من هاجر قبل المدينة. 4 - كان أهل المدينة من الأوس والخزرج أصحاب نخوة وإباء، وفروسية، وقوة، وشكيمة، ألفوا الحرية، ولم يخضعوا لأحد، ولم يدفعوا إلى قبيلة أو حكومة إتاوة، أو جباية، وقد جاء ذلك صريحا في الكلمة التي قالها سعد بن معاذ سيد الأوس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة الخندق: قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا. ومن الأزد الأنصار، وهم الأوس والخزرج، وهما ابنا حارثة بن عمرو بن عامر، وهم أعز الناس أنفسا، وأشرفهم همما، ولم يؤدوا إتاوة قط إلى أحد الملوك. فكانت المدينة -لكل ذلك- أصلح مكان لهجرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، واتخاذهم لها دارا وقرارا، حتى يقوى الإسلام، ويشق طريقه إلى الأمام، ويفتح الجزيرة، ثم يفتح العالق المتمدن.
cover-208

السيرة النبوية

رسول الله يستأجر عبد الله بن أريقط دليلاً في الطريق الى المدينة

واستأجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر، عبد الله بن أريقط رجلاً من بني الديل بن بكر، هادياً خريتاً -والخريت الماهر بالهداية -أي هداية الطريق-، وقد كان مشركاً على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما، اللتين أعدهما أبو بكر للهجرة.
cover-207

السيرة النبوية

قريش تستعمل كل الوسائل لتدرك رسول الله قبل وصوله المدينة

لقد جن جنون قريش حينما تأكد لديها إفلات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صباح ليلة تنفيذ المؤامرة‏،‏ فأول ما فعلوا بهذا الصدد أنهم ضربوا عليًا عليه السلام، وسحبوه إلى الكعبة، وحبسوه ساعة، علهم يظفرون بخبرهما‏.‏ ولما لم يحصلوا من عليّ على جدوى جاؤوا إلى بيت أبي بكر وقرعوا بابه، فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر، فقالوا لها‏:‏ أين أبوك‏؟‏ قالت‏:‏ لا أدري والله أين أبي‏؟‏ فـرفع أبو جهل يـده ـ وكان فاحشًا خبيثًا ـ فلطم خـدها لطمـة طـرح منها قرطها‏.‏ وقررت قريش في جلسة طارئة مستعجلة استخدام جميع الوسائل التي يمكن بها القبض على الرجلين، فوضعت جميع الطرق النافذة من مكة ‏في جميع الجهات‏‏ تحت المراقبة المسلحة الشديدة، كما قررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين، كائنًا من كان‏.‏ وحينئذ جدت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب، وانتشروا في الجبال والوديان، والوهاد والهضاب، لكن من دون جدوى وبغير عائدة‏.‏ وقد وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن الله غالب على أمره، فعن أنس عن أبي بكر قال‏:‏ كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الغار، فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت‏:‏ يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا‏.‏ قال‏:‏ ‏[‏اسكت يا أبا بكر، اثنان، الله ثالثهما‏]‏، وفي لفظ‏:‏ ‏[‏ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما‏]‏‏.‏ وقد كانت معجزة أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فقد رجع المطاردون حين لم يبق بينه وبينهم إلا خطوات معدودة‏.‏