السيرة النبوية
cover-266

السيرة النبوية

صمود عدو الله أبي جهل في ساحة المعركة

أما الطاغية الأكبر أبو جهل، فإنه لما رأى أول أمارات الاضطراب في صفوفه حاول أن يصمد في وجه هذا السيل، فجعل يشجع جيشه ويقول لهم في شراسة ومكابرة‏:‏ لا يهزمنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل عتبة وشيبة والوليد، فإنهم قد عجلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال، ولا ألفين رجلًا منكم قتل منهم رجلًا، ولكن خذوهم أخذاً حتى نعرفهم بسوء صنيعهم‏.‏ ولكن سرعان ما تبدت له حقيقة هذه الغطرسة، فما لبث إلا قليلًا حتى أخذت الصفوف تتصدع أمام تيارات هجوم المسلمين، بقي حوله عصابة من المشركين ضربت حوله سياجًا من السيوف، وغابات من الرماح، ولكن عاصفة هجوم المسلمين بددت هذا السياج، وأقلعت هذه الغابات، وحينئذ ظهر هذا الطاغية، ورآه المسلمون يجول على فرسه، وكان الموت ينتظر أن يشرب من دمه بأيدي غلامين أنصاريين‏.‏
cover-265

السيرة النبوية

المشركون يتلقون هزيمة ساحقة

قام المسلمون بهجوم كاسحٍ، زعزع المشركين ونشر الرعب بينهم، فجعلوا يقلبون الصفوف، ويقطعون الأعناق، وزادهم نشاطا وحدةً لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقاتل، ويقول في جزم وصراحة: "سيهزم الجمع ويولون الدبر"، فقاتل المسلمون أشد قتال، وأعانتهم الملائكة. وبدأت أمارات وعلامات الفشل والاضطراب في صفوف المشركين، وجعلت تتهدم أمام حملات المسلمين العنيفة، واقتربت المعركة من نهايتها، وأخذت جموع المشركين في الفرار والانسحاب، وركب المسلمون ظهورهم، يأسرون ويقتلون حتى تمت عليهم الهزيمة.
cover-264

السيرة النبوية

عدو الله إبليس يفر من ميدان المعركة

ولما رأى إبليس نزول جبريل عليه السلام ـ وكان قد جاء في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي -، ولم يكن فارقهم منذ ذلك الوقت، فلما رأى ما يفعل الملائكة بالمشركين فر ونكص على عقبيه، وتشبث به الحارث بن هشام ـ وهو يظنه سراقة ـ فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربًا، وقال له المشركون‏:‏ إلى أين يا سراقة‏؟‏ ألم تكن قلت‏:‏ إنك جار لنا، لا تفارقنا‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏48‏]‏، ثم فر حتى ألقى نفسه في البحر‏.‏ فعن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر، ولا أدحر، ولا أحقر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما أري يوم بدر"، قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ قال: "أما إنه قد رأى جبريل يزع (يتقدم) الملائكة".
cover-263

السيرة النبوية

مشاركة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في القتال

وقاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه الشريفة في هذه الغزوة العظيمة قتالاً شديداً، فعن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا. وعن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لما حضر البأس يوم بدر اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان من أشد الناس، ما كان أو لم يكن أحد أقرب إلى المشركين منه. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه يوم بدر: "لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه". قال أهل السير: وقد قاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه الكريمة قتالا شديدا ببدنه، وكذلك أبو بكر كما كانا في العريش يجاهدان بالدعاء والتضرع، ثم نزل فحرضا وحثا على القتال، وقاتلا بالأبدان جميعا بين المقامين الشريفين.
cover-262

السيرة النبوية

الهجوم المضاد وتحريض رسول الله المسلمين على القتال

وحينئذ أصدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى جيشه أوامره الأخيرة بالهجمة المضادة فقال‏:‏ ‏‏(‏شدوا‏)‏، وحرضهم على القتال، قائلًا‏:‏ ‏‏(‏والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة‏)‏، وقال وهو يحضهم على القتال‏:‏ ‏‏(‏قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض‏)‏، ‏[‏وحينئذ‏]‏ قال عُمَيْر بن الحُمَام‏:‏ بَخْ بَخْ‏،‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏ما يحملك على قولك‏:‏ بخ بخ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ لا، والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال‏:‏ ‏‏(‏فإنك من أهلها‏)‏‏،‏ فأخرج تمرات من قَرَنِه فجعل يأكل منهن، ثم قال‏:‏ لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل‏.‏ وكذلك سأله عوف بن الحارث ـ ابن عفراء ـ فقال‏:‏ يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(‏غَمْسُه يده في العَدُوّ حاسرًا‏)‏، فنزع درعا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل‏.‏ وحين أصدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأمر بالهجوم المضاد كانت حدة هجمات العدو قد ذهبت وفتر حماسه، فكان لهذه الخطة الحكيمة أثر كبير في تعزيز موقف المسلمين، فإنهم حينما تلقوا أمر الشد والهجوم ـ وقد كان نشاطهم الحربي على شبابه ـ قاموا بهجوم كاسح مرير، فجعلوا يقلبون الصفوف، ويقطعون الأعناق‏.‏ وزادهم نشاطًا وحدة أن رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يثب في الدرع، وقد تقدمهم فلم يكن أحد أقرب من المشركين منه، وهو يقول في جزم وصراحة‏:‏ ‏{‏سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ‏}‏ فقاتل المسلمون أشد القتال ونصرتهم الملائكة‏.‏ ففي رواية ابن سعد عن عكرمة قال‏:‏ كان يومئذ يَنْدُر رأس الرجل لا يدرى من ضربه، وتندر يد الرجل لا يدرى من ضربها‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول‏:‏ أقدم حَيْزُوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخْضَرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال‏:‏ ‏‏(‏صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة‏)‏‏.‏ وقال أبو داود المازني‏:‏ إني لأتبع رجلًا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري من الملائكة، وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس‏:‏ إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح، من أحسن الناس وجهًا على فرس أبْلَق، وما أراه في القوم، فقال الأنصاري‏:‏ أنا أسرته يا رسول الله، فقال‏:‏ ‏‏(‏اسكت فقد أيدك الله بملك كريم‏)‏‏.‏ وقال علي‏ عليه السلام:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر، ولأبي بكر‏:‏ ‏‏(‏مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال، أو يكون في القتال‏)‏‏.‏
cover-261

السيرة النبوية

نزول الملائكة للقتال مع المسلمين

وأغفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إغفاءة واحدةً، ثم رفع رأسه فقال‏:‏ ‏‏(‏أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثَنَاياه النَّقْعُ‏)‏ ‏[‏أي الغبار‏]‏ وفي رواية‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، وعلى ثناياه النقع‏)‏‏.‏ ثم خرج رسول الله صلى الله وآله عليه وسلم من باب العريش وهو يثب في الدرع ويقول‏:‏ ‏{‏سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏45‏]‏، ثم أخذ حَفْنَةً من الحَصْبَاء، فاستقبل بها قريشًا وقال‏:‏ ‏‏(‏شاهت الوجوه‏)‏ ورمى بها في وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه من تلك القبضة، وفي ذلك أنزل الله‏:‏ ‏{‏وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللهَ رَمَى‏}‏.
cover-260

السيرة النبوية

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يناشد ربه ويتضرع اليه

أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان منذ رجوعه بعد تعديل الصفوف يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول‏:‏ ‏‏(‏اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك‏)‏، حتى إذا حَمِي الوَطِيسُ، واستدارت رحى الحرب بشدة واحتدم القتال، وبلغت المعركة قمتها، قال‏:‏ ‏‏(‏اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا‏)‏‏.‏ وبالغ في الابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه أبوبكر، وقال‏:‏ حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك‏.‏ وأوحى الله إلى ملائكته‏:‏ ‏{‏أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 12‏]‏، وأوحي إلى رسوله‏:‏ ‏{‏أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ‏} أي إنهم ردف لكم، أو يردف بعضهم بعضًا أرسالًا، لا يأتون دفعة واحدة‏.‏
cover-259

السيرة النبوية

المبارزة

خرج ثلاثة من خيرة فرسان قريش كانوا من عائلة واحدة، وهم عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، فلما انفصلوا من الصف طلبوا المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من شباب الأنصار عَوْف ومُعَوِّذ ابنا الحارث ـ وأمهما عفراء ـ وعبد الله بن رواحة، فقالوا‏:‏ من أنتم‏؟‏ قالوا‏:‏ رهط من الأنصار‏،‏ قالوا‏:‏ أكِفَّاء كرام، ما لنا بكم حاجة، وإنما نريد بني عمنا، ثم نادى مناديهم‏:‏ يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا على‏)‏، فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا‏:‏ من أنتم‏؟‏ فأخبروهم، فقالوا‏:‏ أنتم أكفاء كرام، فبارز عبيدة ـ وكان أسن القوم ـ عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز على الوليد‏.‏ فأما حمزة وعلى فلم يمهلا قرنيهما أن قتلاهما، وأما عبيدة فاختلف بينه وبين قرنه ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم كَرَّ على وحمزة على عتبة فقتلاه، واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله، فلم يزل ضَمِنًا حتى مات بالصفراء، بعد أربعة أو خمسة أيام من وقعة بدر، حينما كان المسلمون في طريقهم إلى المدينة‏،‏ وكان على يقسم بالله أن هذه الآية نــزلت فيهم‏:‏ ‏{‏هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ‏}‏.
cover-258

السيرة النبوية

أول من هلك في المعركة

وكان أول وقود المعركة الأسود بن عبد الأسد المخزومي ـ وكان رجلًا شرسًا سيئ الخلق ـ خرج قائلًا‏:‏ أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه‏،‏ فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب عليه السلام فلما التقيا ضربه حمزة فأطَنَّ قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دمًا نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد أن تبر يمينه، ولكن حمزة ثنى عليه بضربة أخرى أتت عليه وهو داخل الحوض‏.‏
cover-257

السيرة النبوية

وتراءى الجيشان

ولما طلع المشركون وتراءى الجمعان قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏اللهم هذه قريش قد أقبلت بخُيَلائها وفَخْرها تُحَادُّك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحْنِهُم ‏[‏الغداة‏]‏‏)‏ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر‏:‏ ‏‏(‏إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يَرْشُدُوا‏)‏‏.‏ وعدل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صفوف المسلمين، ولما تم تعديل الصفوف أصدر أوامره إلى جيشه بألا يبدأوا القتال حتى يتلقوا منه الأوامر الأخيرة، ثم أدلى إليهم بتوجيه خـاص في أمـر الحـرب، فقال‏:‏ ‏‏(‏إذا أكثبوكم ـ يعنى اقتربوا منكم ـ فارموهم، واستبقوا نبلكم، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم‏)‏ ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة، وقام سعد بن معاذ بكتيبة الحراسة على باب العريش‏.‏ أما المشركون فقد استفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال‏:‏ اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه، فأحِنْه الغداة، اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليوم، وفي ذلك أنزل الله‏:‏ ‏{‏إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏.
cover-256

السيرة النبوية

تعبئة الجيش الإسلامي وقضاء الليل في الصلاة والدعاء

ثم عبأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جيشه‏،‏ ومشى في موضع المعركة، وجعل يشير بيده‏:‏ ‏‏(‏هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله‏)‏‏.‏ ثم بات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي إلى جذع شجرة هنالك، وبات المسلمون ليلهم هادئ الأنفاس منيري الآفاق، غمرت الثقة قلوبهم، وأخذوا من الراحة قسطهم؛ يأملون أن يروا بشائر ربهم بعيونهم صباحًا‏:‏ ‏{‏إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ‏}. كانت هذه الليلة ليلة الجمعة، السابعة عشرة من رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وكان خروجه صلى الله عليه وآله وسلم في 8 أو12 من نفس الشهر‏.‏
cover-255

السيرة النبوية

المسلمون يتخذون مقراً لقيادة وتيسير المعركة

وبعد أن تم نزول المسلمين على الماء اقترح سعد بن معاذ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبني المسلمون مقرًا لقيادته، استعدادًا للطوارئ، وتقديرًا للهزيمة قبل النصر، حيث قال‏:‏ يا نبي الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بِمَنْ وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك‏.‏ فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيرًا ودعا له بخير، وبني المسلمون عَرِيشًا على تل مرتفع يقع في الشمال الشرقي لميدان القتال، ويشرف على ساحة المعركة‏.‏ كما تم اختيار فرقة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حول مقر قيادته‏.‏
cover-254

السيرة النبوية

الجيش الإسلامي يسبق إلى أهم المراكز العسكرية

وتحرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر، ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه، فنزل عشاء أدنى ماء من مياه بدر، وهنا قام الحُبَاب بن المنذر كخبير عسكري وقال‏:‏ يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه‏؟‏ أم هو الرأي والحرب والمكيدة‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(‏بل هو الرأي والحرب والمكيدة‏)‏‏.‏ قال‏:‏ يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم ـ قريش ـ فننزله ونغوّر ـ أي نُخَرِّب ـ ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا، فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏لقد أشرت بالرأي‏)‏‏.‏ فنهض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجيش حتى أتى أقرب ماء من العدو، فنزل عليه شطر الليل، ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من القلب‏.‏
cover-253

السيرة النبوية

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يحصل على معلومات مهمة عن جيش المشركين

وفي مساء ذلك اليوم بعث صلى الله عليه وآله وسلم استخباراته من جديد ليبحث عن أخبار العدو، وقام لهذه العملية ثلاثة من قادة المهاجرين، علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد ابن أبي وقاص في نفر من أصحابه، ذهبوا إلى ماء بدر فوجدوا غلامين يستقيان لجيش مكة، فألقوا عليهما القبض، وجاءوا بهما إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الصلاة، فاستخبرهما القوم، فقالا‏:‏ نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان ـ لاتزال في نفوسهم بقايا أمل في الاستيلاء على القافلة ـ فضربوهما ضربًا موجعًا حتى اضطر الغلامان أن يقولا‏:‏ نحن لأبي سفيان فتركوهما‏.‏ ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مـن الصلاة قال لهم كالعاتب‏:‏ ‏‏(‏إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله، إنهما لقريش‏)‏‏.‏ ثم خاطب الغلامين قائلًا‏:‏ ‏‏(‏أخبراني عن قريش‏)‏، قالا‏:‏ هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما‏:‏ ‏‏(‏كم القوم‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ كثير‏.‏ قال‏:‏ ‏‏(‏ما عدتهم‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ لا ندرى، قال‏:‏ ‏‏(‏كم ينحرون كل يوم‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏القوم فيما بين التسعمائة إلى الألف‏)‏، ثم قال لهما‏:‏ ‏‏(‏فمن فيهم من أشراف قريش‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو البَخْتَري بن هشام، وحكيم بن حِـزام، ونَوْفَل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطُعَيْمَة بن عدى، والنضر بن الحارث، وَزمْعَة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأميــة بن خلف في رجال سمياهم‏.‏ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الناس فقال‏:‏ ‏‏(‏هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها‏)‏‏.‏
cover-252

السيرة النبوية

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يشرف بنفسه على استكشاف الأمور

وهناك قام صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه على عملية الاستكشاف مع رفيقه في الغار أبي بكر وبينما هما يتجولان حول معسكر مكة إذا هما بشيخ من العرب، فسأله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قريش وعن محمد وأصحابه ـ سأل عن الجيشين زيادة في التكتم ـ ولكن الشيخ قال‏:‏ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما‏؟‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏إذا أخبرتنا أخبرناك‏)‏، قال‏:‏ أو ذاك بذاك‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(‏نعم‏)‏‏.‏ قال الشيخ‏:‏ فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا ـ للمكان الذي به جيش المدينة،‏ وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا ـ للمكان الذي به جيش مكة‏.‏ ولما فرغ من خبره قال‏:‏ ممن أنتما‏؟‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏نحن من ماء‏)‏، ثم انصرف عنه، وبقى الشيخ يتفوه‏:‏ ما من ماء‏؟‏ أمن ماء العراق‏؟‏
cover-251

السيرة النبوية

إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بمصارع المشركين

ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبرهم بمصارع القوم، فعن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس، يقول: "هذا مصرع فلان غدا، إن شاء الله، هذا مصرع فلان غدا، إن شاء الله"، فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا الحدود التي حدها لهلاكهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
cover-250

السيرة النبوية

الرسول يعقد مجلساً عسكرياً استشارياً

ونظرًا إلى هذا التطور الخطير المفاجئ عقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلسًا عسكريًا استشاريًا أعلى، أشار فيه إلى الوضع الراهن، وتبادل فيه الرأي مع عامة جيشه وقادته‏، وحينئذ تزعزع قلوب فريق من الناس، وخافوا اللقاء الدامي، وهم الذين قال الله فيهم‏:‏ ‏{‏كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ‏}‏، وأمــا قادة الجيش فقـام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال‏:‏ يا رسول الله، امض لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى‏:‏ ‏{‏فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏24]‏، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْك الغِمَاد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيرًا ودعا له به‏.‏ وهؤلاء القادة الثلاثة كانوا من المهاجرين، وهم أقلية في الجيش، فأحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعرف رأي قادة الأنصار، لأنهم كانوا يمثلون أغلبية الجيش، ولأن ثقل المعركة سيدور على كواهلهم، مع أن نصوص العقبة لم تكن تلزمهم بالقتال خارج ديارهم، فقال بعد سماع كلام هؤلاء القادة الثلاثة‏:‏ ‏‏(‏أشيروا علىّ أيها الناس‏)‏ وإنما يريد الأنصار، وفطن إلى ذلك قائد الأنصار وحامل لوائهم سعد بن معاذ‏.‏ فقال‏:‏ والله، ولكأنك تريدنا يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(‏أجل‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فقد آمنا بك، فصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُر في الحرب، صُدَّق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تَقَرَّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة الله‏.‏ وفي رواية أن سعد بن معاذ قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًا عليها ألا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم‏:‏ فاظعن حيث شئت، وصِلْ حَبْل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فهو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غِمْدان لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك‏.‏ فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال‏:‏ ‏ ‏(‏سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين -يعني القافلة أو جيش قريش-، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم‏)‏‏.‏
cover-249

السيرة النبوية

موقف الجيش الإسلامي بعد إفلات القافلة

أما استخبارات جيش المدينة فقد نقلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا يزال في الطريق بوادي ذَفِرَان خبر العير والنفير، وتأكد لديه بعد التدبر في تلك الأخبار أنه لم يبق مجال لاجتناب اللقاء الدامي، وأنه لا بد من إقدام يبنى على الشجاعة والبسالة، والجراءة والجسارة، فمما لا شك فيه أنه لو ترك جيش مكة يجوس خلال تلك المنطقة يكون ذلك تدعيمًا لمكانة قريش العسكرية، وامتدادًا لسلطانها السياسي، وإضعافًا لكلمة المسلمين وتوهينًا لها، بل ربما تبقى الحركة الإسلامية بعد ذلك جسدًا لا روح فيه، ويجرؤ على الشر كل من فيه حقد أو غيظ على الإسلام في هذه المنطقة‏.‏ ثم هل هناك ضمان للمسلمين بامتناع جيش مكة عن مواصلة سيره نحو المدينة، حتى ينقل المعركة إلى أسوارها، ويغزو المسلمين في عقر دارهم‏؟‏ كلا‏!‏ فلو حدث من جيش المدينة نكول ما، لكان له أسوأ الأثر على هيبة المسلمين وسمعتهم‏.‏
cover-248

السيرة النبوية

ارجع، فلن أستعين بمشركٍ

وفي الطريق وعند حرة الوبرة، أدرك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رجل مشركٌ يطلب اتباعه ويرجو شيئاً من المغنم، فعن عائشة قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: جئت لأتبعك وأصيب معك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تؤمن بالله ورسوله؟ ". قال: لا. قال: "فارجع، فلن أستعين بمشرك". قالت: ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما قال أول مرة، قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك". قالت: ثم رجع، فأدركه بالبيداء، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم كما قال أول مرة: "تؤمن بالله ورسوله؟ ". قال: نعم. فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "فانطلق".
cover-247

السيرة النبوية

هَمُّ جيش قريشٍ بالرجوع، ووقوع الانشقاق فيه

ولما تلقى هذه الرسالة جيش مكة هم بالرجوع، ولكن قام طاغية قريش أبو جهل في كبرياء وغطرسة قائلًا‏:‏ والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم بها ثلاثًا، فننحر الجَزُور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف لنا القِيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يـزالون يهابوننا أبدًا‏.‏ ولكن على رغم أبي جهل ـ أشار الأخْنَس بن شَرِيق بالرجوع فعصوه، فرجع هو وبنو زُهْرَة ـ وكان حليفًا لهم، ورئيسًا عليهم في هذا النفير ـ فلم يشهد بدرًا زهري واحد، وكانوا حوالي ثلاثمائة رجل، واغتبطت بنو زهرة بَعْدُ برأي الأخنس بن شريق، فلم يزل فيهم مطاعًا معظمًا‏.‏ وأرادت بنو هاشم الرجوع فاشتد عليهم أبو جهل، وقال‏:‏ لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع‏.‏ فسار جيش مكة وقوامه ألف مقاتل بعد رجوع بني زهرة ـ وهو يقصد بدرًا ـ فواصل سيره حتى نزل قريبًا من بدر، وراء كثيب يقع بالعدوة القصوى على حدود وادي بدر‏.‏
cover-246

السيرة النبوية

العير تفلت من الوقوع في قبضة المسلمين

وكان من قصة أبي سفيان أنه كان يسير على الطريق الرئيسي، ولكنه لم يزل حذرًا متيقظًا، وضاعف حركاته الاستكشافية، ولما اقترب من بدر تقدم عيره حتى لقي مَجْدِيّ بن عمرو، وسأله عن جيش المدينة، فقال‏:‏ ما رأيت أحدًا أنكره إلا إني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا، فبادر أبو سفيان إلى مناخهما، فأخذ من أبعار بعيرهما، ففته فإذا فيه النوى، فقال‏:‏ هذه والله علائف يثرب، فرجع إلى عيره سريعًا، وضرب وجهها محولًا اتجاهها نحو الساحل غربًا، تاركًا الطريق الرئيسي الذي يمر ببدر على اليسار، وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة، وأرسل رسالته إلى جيش مكة التي تلقاها في الجحفة‏.‏
cover-245

السيرة النبوية

عاتكة عمة رسول الله ترى رؤيا عجيبة

وقبل أن يقدم ضمضم إلى مكة بثلاث ليال رأت عاتكة بنت عبد المطلب عمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا أخافتها وأفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب عليه السلام فقالت له: يا أخي! والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عني ما أحدثك به، فقال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له، حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منه فلقة. فقال العباس: والله إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها، ولا تذكريها لأحد. ولم تمضي إلا أيامٌ قليلة، حتى سمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره، وقد جدع أنف بعيره، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش! اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث، وفزعت قريش أشد الفزع، وأشفقوا من قبل رؤيا عاتكة. وعاتكة هي بنت عبد المطلب، عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشقيقة أبي طالب، وعبد الله والد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أسلمت وهاجرت.
cover-244

السيرة النبوية

خوف قريش من قبائل بني بكر أن تغدر بهم

ولما أجمع جيش المشركين على المسير ذكرت قريش ما كان بينها وبين بني بكر من العداوة والحرب، فخافوا أن تضربهم هذه القبائل من الخلف، فيكونوا بين نارين، فكاد ذلك يثنيهم، ولكن حينئذ تبدى لهم إبليس في صورة سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم المدلجي ـ سيد بني كنانة ـ فقال لهم‏:‏ أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فشجعهم عدو الله على المضي الى بدر لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فتحركوا بسرعة فائقة نحو الشمال في اتجاه بدر، وسلكوا في طريقهم وادي عُسْفَان، ثم قُدَيْدًا، ثم الجُحْفَة.‏
cover-243

السيرة النبوية

قوام الجيش القرشي

وكان قوام هذا الجيش نحو ألف وثلاثمائة مقاتل في بداية سيره، وكان معه مائة فرس وستمائة دِرْع، وجمال كثيرة لا يعرف عددها بالضبط، وكان قائده العام أبا جهل ابن هشام، وكان القائمون بتموينه تسعة رجال من أشراف قريش، فكانوا ينحرون يومًا تسعًا ويومًا عشرًا من الإبل‏.‏
cover-242

السيرة النبوية

قريش تتجهز للغزو وإدراك القافلة

تحفز الناس سراعًا وقالوا‏:‏ أيظن محمدٌ وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي‏؟‏ كلا والله ليعلمن غير ذلك، فكانوا بين رجلين‏:‏ إما خارج، وإما باعث مكانه رجلًا، وأوعبوا في الخروج فلم يتخلف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، فإنه عوض عنه رجلًا كان له عليه دين، وحشدوا من حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدى فلم يخرج منهم أحد‏.‏
cover-241

السيرة النبوية

النذير في مكة

وأما خبر العير فإن أبا سفيان - وهو المسؤول عنها - كان على غاية من الحيطة والحذر، فقد كان يعلم أن طريق مكة محفوف بالمخاطر، وكان يتحسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان، ولم يلبث أن نقلت إليه استخباراته بأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد استنفر أصحابه ليوقع بالعير، وحينئذ استأجر أبو سفيان ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخاً لقريش بالنفير إلى عيرهم؛ ليمنعوه من محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وخرج ضمضم سريعاً حتى أتى مكة، فخرج ببطن الوادي واقفاً على بعيره، وقد جدع أنفه وحول رحله، وشقق قميصه، وهو يقول‏:‏ يا معشر قريش، اللطيمة، اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمدٌ وأصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث‏.‏‏.‏‏.‏ الغوث‏.‏
cover-240

السيرة النبوية

مبلغ قوة الجيش الإسلامي وتوزيع القيادات

واستعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للخروج ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ـ 313، أو 314، أو 317 رجلاً ـ 82 أو 83 أو 86 من المهاجرين و61 من الأوس و170 من الخزرج‏،‏ ولم يحتفلوا لهذا الخروج احتفالا بليغا، ولا اتخذوا أهبتهم كاملة، فلم يكن معهم إلا فرس أو فرسان‏:‏ فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرا يعتقب الرجلان والثلاثة على بعير واحد، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيراً واحد‏.‏ واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة ابن عبد المنذر، واستعمله على المدينة‏.‏ ودفع لواء القيادة العامة إلى مصعب بن عمير القرشي العبدري، وكان هذا اللواء أبيض‏.‏ وقسم جيشه إلى كتيبتين‏:‏ 1- كتيبة المهاجرين‏:‏ وأعطى رايتها علي بن أبي طالب، ويقال لها‏:‏ العقاب‏.‏ 2- وكتيبة الأنصار‏:‏ وأعطى رايتها سعد بن معاذ‏.‏ ـ وكانت الرايتان سوداوين ـ‏.‏ وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام، وعلى الميسرة المقداد بن عمرو- وكانا هما الفارسين الوحيدين في الجيش - كما سبق - وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وظلت القيادة العامة في يده صلى الله عليه وسلم كقائد أعلى للجيش‏.‏ وسار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الجيش غير المتأهب، فخرج من نقب المدينة، ومضى على الطريق الرئيسي المؤدي إلى مكة، حتى بلغ بئر الروحاء، فلما ارتحل منها ترك طريق مكة إلى اليسار، وانحرف ذات اليمين على النازية يريد بدراً فسلك في ناحية منه حتى جزع ودياً يقال له‏:‏ رحقان بين النازية وبين مضيق الصفراء، ثم مر على المضيق ثم انصب منه حتى قرب من الصفراء، ومن هنالك بعث بسبس بن عمرو الجني وعدي بن أبي الزغباء الجهني إلى بدر يتجسسان له أخبار العير‏.‏
cover-239

السيرة النبوية

غزوة بدر الكبرى أول معركة من معارك الإسلام الفاصلة

سبب الغزوة سبق في ذكر غزوة العشيرة أن عيراً لقريش أفلتت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذهابها من مكة إلى الشام، فلما قرب رجوعها من الشام إلى مكة بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى الشمال ليقوما باكتشاف خبرها، فوصلا إلى الحوراء ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير، فأسرعا إلى المدينة وأخبرا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخبر‏.‏ وكانت العير تحمل ثروات طائلة لكبار أهل مكة ورؤسائها‏:‏ ألف بعير موقرة بأموال لا تقل عن خمسين ألف دينار ذهبي‏،‏ ولم يكن معها من الحرس إلا نحو أربعين رجلا‏.‏ فكانت هذه فرصة ذهبية للمسلمين ليصيبوا أهل مكة بضربة اقتصادية قاصمة، تتألم لها قلوبهم على مر العصور، لذلك أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً‏:‏ ‏ ‏(‏هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها‏)‏‏.‏ ولم يعزم على أحد بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، لما أنه لم يكن يتوقع عند هذا الانتداب أنه سيصطدم بجيش مكة - بدل العير- هذا الاصطدام العنيف في بدر، ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة، وهم يحسبون أن مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الوجه لن يعدو ما ألفوه في السرايا والغزوات الماضية؛ ولذلك لم ينكر على أحد تخلفه في هذه الغزوة‏.‏
cover-238

السيرة النبوية

غزوة بدر الكبرى أول معركة من معارك الإسلام الفاصلة

كانت في نهار يوم الجمعة السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة. قال عنها أهل السير: وكان ذلك -أي وقوع غزوة بدر- يوم الجمعة، وافق السابع عشر من رمضان، من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرب محله، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ، فأعز الله رسوله، وأظهر وحيه وتنزيله، وبيض وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وأخزى الشيطان وجيله من كفرة قريش ومن كان معهم.
cover-237

السيرة النبوية

فرض صيام رمضان والمراحل التي مرت بها فرضيته

فرض صيام شهر رمضان في شعبان من السنة الثانية للهجرة بعد تحويل القبلة إلى الكعبة بشهر، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد صام تسع رمضانات بإجماع أهل العلم: وقد مر فرض صيام شهر رمضان على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: كان على التخيير بين صيامه وبين أن يطعم عن كل يوم مسكينا، وفي ذلك نزل قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين}. المرحلة الثانية: هي صيامه، لكن إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء، أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة. المرحلة الثالثة: وهي التي استقر عليها الشرع إلى يوم القيامة، فأنزل الله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون}.