السيرة النبوية
cover-296

السيرة النبوية

سرية زيد بن حارثة إلى القردة

وهذه السرية هي آخر، وأنجح سرية قام بها المسلمون قبل غزوة أحد، وحدثت في جمادى الآخرة من السنة الثالثة للهجرة. وكان سببها أن قريشا بعد غزوة بدر، خافت أن تسلك الطريق المعتادة الذي كانت تسلكه إلى الشام قبل غزوة بدر، فقالوا -وقد اقترب موسم رحلتهم في الصيف إلى الشام-: إن محمداً قد عور (أفسد) علينا متجرنا، وهو على طريقنا، فما ندري أين نسلك، فقال صفوان بن أمية: إن أقمنا بمكة أكلنا رؤوس أموالنا، فلم يكن لها من بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة. فقال الأسود بن عبد المطلب: أنا أدلكم على رجل يسلك بكم طريق النجدية -وهي طريق طويلة جدا تخترق نجد إلى الشام، وتمر في شرقي المدينة على بعد كبير منها، وكانت قريش تجهل هذه الطريق كل الجهل-. فقال صفوان بن أمية: من هذا الرجل -أي الدليل؟ قال: فرات بن حيان: من بني بكر بن وائل، فدعوه، فاستأجروه دليلا على الطريق، وخرجت عير قريش، وفيها مال كثير، وفضة كثيرة وزن ثلاثين ألف درهم، يقودها صفوان بن أمية، وقيل أبو سفيان بن حرب، فسلك بهم فرات بن حيان على ذات عرق طريق العراق. وقد بلغت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنباء هذه العير، وذلك أن نعيم بن مسعود الأشجعي قدم المدينة، وهو على دين قومه، فنزل على كنانة بن أبي الحقيق في بني النضير، فشرب معه الخمر، وعنده سليط بن النعمان -وكان قد أسلم- ولم تحرم الخمر يومئذ، فلما أخذت الخمر من نعيم تحدث بالتفصيل عن أمر العير وخطة سيرها، فخرج سليط من ساعته مسرعا إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبره بأمرهم. فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن حارثة، في مائة راكب يعترض عير قريش، فلقيهم على ماء من مياه نجد يقال له: القردة، فاستولى عليها كلها، ولم يكن من صفوان بن أمية ومن معه من حرس القافلة إلا الفرار بدون أي مقاومة.
cover-295

السيرة النبوية

غزوة بُحْران

وهي دورية قتال كبيرة، قوامها ثلاثمائة مقاتل، قادها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في شهر ربيع الآخر سنة 3 هـ إلى أرض يقال لها‏:‏ بحران ـ وهي مَعْدِن بالحجاز من ناحية الفُرْع ـ فأقام بها شهر ربيع الآخر ثم جمادى الأولى ـ من السنة الثالثة من الهجرة ـ ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق حرباً‏.‏
cover-294

السيرة النبوية

موقف اليهود من مقتل كعب بن الأشرف

ولما علمت اليهود بمصرع طاغيتها كعب بن الأشرف دب الرعب في قلوبهم العنيدة، وعلموا أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لن يتوانى في استخدام القوة حين يري أن النصح لا يجدي نفعاً لمن يريد العبث بالأمن وإثارة الفتن والاضطرابات بين المسلمين وعدم احترام المواثيق، فلم يحركوا ساكناً لقتل طاغيتهم، بل لزموا الهدوء، وتظاهروا بإيفاء العهود، واستكانوا، وأسرعت الأفاعي إلى جحورها تختبئ فيها.‏
cover-293

السيرة النبوية

مقتل عدو الله كعب بن الأشرف

كان كعب بن الأشرف من أشد اليهود حنقاً على الإسلام والمسلمين، وإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتظاهرا بالدعـوة إلى حربه، ولما بلغه أول خبر عن انتصار المسلمين، وقتل صناديد قريش في بدر قال‏:‏ أحق هذا‏؟‏ هؤلاء أشراف العرب، وملوك الناس، والله إن كان محمدٌ أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها‏.‏ ولما تأكد لديه الخبر، انبعث عدو الله يهجو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، ويمدح عدوهم ويحرضهم عليهم، ولم يرض بهذا القدر حتى ركب إلى قريش، فنزل على المطلب بن أبي وَدَاعة السهمي، وجعل ينشد الأشعار يبكي فيها على أصحاب القَلِيب من قتلى المشركين، يثير بذلك حفائظهم، ويذكي حقدهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويدعوهم إلى حربه، وعندما كان بمكة سأله أبو سفيان والمشركون‏:‏ أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه‏؟‏ وأي الفريقين أهدي سبيلاً‏؟‏ فقال‏:‏ أنتم أهدي منهم سبيلا، وأفضل، وفي ذلك أنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً‏}‏‏‏.‏ ثم رجع كعب إلى المدينة على تلك الحال، وأخذ يشبب في أشعاره بنساء المسلمين، ويؤذيهم بسلاطة لسانه أشد الإيذاء‏.‏ وحينئذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏من لكعب بن الأشرف ‏؟‏ فإنه آذى الله ورسوله‏)‏، فانتدب له محمد بن مسلمة، وعَبَّاد بن بشر، وأبو نائلة ـ واسمه سِلْكَان بن سلامة، وهو أخو كعب من الرضاعة ـ والحارث بن أوس، وأبو عَبْس بن جبر، وكان قائد هذه المفرزة محمد بن مسلمة‏.‏ وتفيد الروايات في قتل كعب بن الأشرف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قال‏:‏ ‏‏(‏من لكعب بن الأشرف ‏؟‏ فإنه قد آذى الله ورسوله‏)‏، قام محمد بن مسلمة فقال‏:‏ أنا يا رسول الله، أتحب أن أقتله ‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(‏نعم‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فائذن لي أن أقول شيئاً‏.‏ قال‏:‏ ‏‏(‏قل‏)‏‏.‏ فأتاه محمد بن مسلمة، فقال‏:‏ إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عَنَّانا‏.‏ قال كعب‏:‏ والله لَتَمَلُّنَّهُ‏.‏ قال محمد بن مسلمة‏:‏ فإنا قد اتبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه‏؟‏ وقد أردنا أن تسلفنا وَسْقـًا أو وَسْقَين‏.‏ قال كعب‏:‏ نعم، أرهنوني‏.‏ قال ابن مسلمة‏:‏ أي شيء تريد‏؟‏ قال‏:‏ أرهنوني نساءكم‏.‏ قال‏:‏ كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب‏؟‏ قال‏:‏ فترهنوني أبناءكم‏.‏ قال‏:‏ كيف نرهنك أبناءنا فيُسَبُّ أحَدُهم فيقال‏:‏ رُهِن بوسق أو وسقين هذا عار علينا‏.‏ ولكنا نرهنك الَّلأْمَة، يعني السلاح‏.‏ فواعده أن يأتيه‏.‏ وصنع أبو نائلة مثل ما صنع محمد بن مسلمة، فقد جاء كعباً فتناشد معه أطراف الأشعار سويعة، ثم قال له‏:‏ ويحك يا بن الأشرف، إني قد جئت لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني‏.‏ قال كعب‏:‏ أفعل‏.‏ قال أبو نائلة‏:‏ كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء، عادتنا العرب، ورمتنا عن قَوْسٍ واحدة، وقطعتْ عنا السبل، حتى ضاع العيال، وجُهِدَت الأنفس، وأصبحنا قد جُهِدْنا وجُهِد عيالنا، ودار الحوار على نحو ما دار مع ابن مسلمة‏.‏ وقال أبو نائلة أثناء حديثه‏:‏ إن معي أصحاباً لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم، فتبيعهم وتحسن في ذلك‏.‏ وقد نجح ابن مسلمة وأبو نائلة في هذا الحوار إلى ما قصد، فإن كعباً لن ينكر معهما السلاح والأصحاب بعد هذا الحوار‏.‏ وفي ليلة مُقْمِرَة ـ ليلة الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة 3 هـ ـ اجتمعت هذه المفرزة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فشيعهم إلى بَقِيع الغَرْقَد، ثم وجههم قائلاً‏:‏ ‏‏(‏انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم‏)‏، ثم رجع إلى بيته، وطفق يصلى ويناجي ربه‏.‏ وانتهت المفرزة إلى حصن كعب بن الأشرف، فهتف به أبو نائلة، فقام لينزل إليهم، فقالت له امرأته ـ وكان حديث العهد بها‏:‏ أين تخرج هذه الساعة‏؟‏ أسمع صوتاً كأنه يقطر منه الدم‏.‏ قال كعب‏:‏ إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة أجاب، ثم خرج إليهم وهو متطيب ينفح رأسه‏.‏ وقد كان أبو نائلة قال لأصحـابـه‏:‏ إذا ما جاء فإني آخذ بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، فلما نزل كعب إليهم تحدث معهم ساعة، ثم قال أبو نائلة‏:‏ هل لك يا بن الاشرف أن نتماشى إلى شِعْب العجوز فنتحدث بقية ليلتنا‏؟‏ قال‏:‏ إن شئتم، فخرجوا يتماشون، فقال أبو نائلة وهو في الطريق‏:‏ ما رأيت كالليلة طيباً أعطر، وزهي كعب بما سمع، فقال‏:‏ عندي أعطر نساء العرب، قال أبو نائلة:‏ أتأذن لي أن أشم رأسك ‏؟‏ قال‏:‏ نعم ، فأدخل يده في رأسه فشمه وأشم أصحابه ‏.‏ ثم مشى ساعـة ثم قال‏:‏ أعود‏؟‏ قال كعب‏:‏ نعم، فعاد لمثلها،‏ حتى اطمأن‏.‏ ثم مشى ساعة ثم قال‏:‏ أعود‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فأدخل يده في رأسه، فلما استمكن منه قال‏:‏ دونكم عدو الله، فاختلفت عليه أسيافهم، لكنها لم تغن شيئاً، فأخذ محمد بن مسلمة مِغْوَلاً فوضعه في ثُنَّتِهِ، ثم تحامل عليه حتى بلغ عانته، فوقع عدو الله قتيلاً، وكان قد صاح صيحة شديدة أفزعت من حوله، فلم يبق حصن إلا أوقدت عليه النيران‏.‏ ورجعت المفرزة وقد أصيب الحارث بن أوس بذُبَاب بعض سيوف أصحابه فجرح ونزف الدم، فلما بلغت المفرزة حَرَّة العُرَيْض رأت أن الحارث ليس معهم، فوقفت ساعة حتي أتاهم يتبع آثارهم، فاحتملوه، حتي إذا بلغوا بَقِيع الغَرْقَد كبروا، وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكبيرهم، فعرف أنهم قد قتلوه، فكبر، فلما انتهوا إليه قال‏:‏ ‏‏(‏أفلحت الوجوه‏)‏، قالوا‏:‏ ووجهك يا رسول الله، ورموا برأس الطاغية بين يديه، فحمد الله على قتله، وتفل علي جرح الحارث فبرأ، ولم يؤذ بعده‏.‏
cover-292

السيرة النبوية

غزوة ذي أمر أو غطفان

وهي أكبر حملة عسكرية قادها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل معركة أحد، قادها في المحرم سنة 3 هـ‏.‏ وسببها أن استخبارات المدينة نقلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن جمعاً كبيراً من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا، يريدون الإغارة على أطراف المدينة، فندب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين، وخرج في أربعمائة وخمسين مقاتلاً ما بين راكب وراجل، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان‏.‏ وفي أثناء الطريق قبضوا على رجل يقال له‏:‏ جُبَار من بني ثعلبة، فأدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدعاه إلى الإسلام فأسلم، فضمه إلى بلال، وصار دليلاً لجيش المسلمين إلى أرض العدو‏.‏ وتفرق الأعداء في رءوس الجبال حين سمعوا بقدوم جيش المدينة‏.‏ أما النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد وصل بجيشه إلى مكان تجمعهم، وهو الماء المسمى ‏[‏بذي أمر‏]‏ فأقام هناك صفراً كله ـ من سنة 3 هـ ـ أو قريباً من ذلك، ليشعر الأعراب بقوة المسلمين، ويستولي عليهم الرعب والرهبة، ثم رجع إلى المدينة‏.‏
cover-291

السيرة النبوية

غزوة السَّوِيق

ثم توالت الغزوات والإنتصارات والبشائر، فبينما كان صفوان بن أمية واليهود والمنافقون يقومون بمؤامراتهم وعملياتهم، كان أبو سفيان يفكر في عمل قليل المغارم ظاهر الأثر، يتعجل به، ليحفظ مكانة قومه، ويبرز ما لديهم من قوة، وكان قد نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمداً، فخرج في مائتي راكب ليبِرَّ يمينه، حتى نزل بصدْر قَناة إلى جبل يقال له‏:‏ ثَيبٌ، من المدينة على بَرِيد أو نحوه، ولكنه لم يجرؤ على مهاجمة المدينة جهاراً، فقام بعمل هو أشبه بأعمال القرصنة، فإنه دخل في ضواحي المدينة في الليل مستخفياً تحت جنح الظلام، فأتي حيي بن أخطب، فاستفتح بابه، فأبي وخاف، فانصرف إلى سَلاَّم بن مِشْكَم سيد بنِي النضير، وصاحب كنزهم إذ ذاك، فاستأذن عليه فأذن، فَقَرَاه وسقاه الخمر، وبَطَن له من خبر الناس، ثم خرج أبو سفيان في عقب ليلته حتى أتي أصحابه، فبعث مفرزة منهم، فأغارت على ناحية من المدينة يقال لها‏:‏ ‏[‏العُرَيض‏]‏، فقطعوا وأحرقوا هناك أصْوَارًا من النخل، ووجدوا رجلاً من الأنصار وحليفاً له في حرث لهما فقتلوهما، وفروا راجعين إلى مكة‏.‏ وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخبر، فسارع لمطاردة أبي سفيان وأصحابه، ولكنهم فروا ببالغ السرعة، وطرحوا سويقاً كثيراً من أزوادهم وتمويناتهم، يتخففون به، فتمكنوا من الإفلات، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قَرْقَرَةِ الكُدْر، ثم انصرف راجعاً‏،‏ وحمل المسلمون ما طرحه الكفار من سويقهم، وسموا هذه المناوشة بغزوة السويق‏.‏ وقد وقعت في ذي الحجة سنة 2 هـ بعد بدر بشهرين، واستعمل على المدينة في هذه الغزوة أبا لبابة بن عبد المنذر‏.‏
cover-290

السيرة النبوية

غزوة بني قينقاع

غزوة بني قينقاع الحصار ثم التسليم ثم الجلاء وحينئذ عِيلَ صبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاستخلف على المدينة أبا لُبَابة بن عبد المنذر، وأعطي لواء المسلمين حمزة بن عبد المطلب عليه السلام، وسار بجنود الله إلى بني قينقاع، ولما رأوه تحصنوا في حصونهم، فحاصرهم أشد الحصار، وكان ذلك يوم السبت للنصف من شوال سنة 2 هـ، ودام الحصار خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة، وقذف الله في قلوبهم الرعب ـ فهو إذا أرادوا خذلان قوم وهزيمتهم أنزله عليهم وقذفه في قلوبهم ـ فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم، فأمر بهم فكتفوا‏.‏ وحينئذ قام رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول بدور نفاقه، فألح على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يصدر عنهم العفو، فقال‏:‏ يا محمد، أحسن فـي موالي ـ وكـان بنـو قينـقاع حلفـاء الخزرج ـ فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكرر ابن أبي مقالته فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درعه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏أرسلني‏)‏، وغضب حتى رأوا لوجهه ظُللاً ، ثم قال‏:‏ ‏‏(‏ويحك، أرسلني‏)‏‏،‏ ولكن المنافق مضى على إصراره وقال‏:‏ لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة ‏؟‏ إني والله امرؤ أخشي الدوائر‏.‏ وعامل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا المنافق ـ الذي لم يكن مضي على إظهار إسلامه إلا نحو شهر واحد فحسب ـ عامله بالحسنى‏،‏ فوهبهم له، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذْرُعَات الشام، فقل أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم‏.‏ وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم أموالهم، فأخذ منها ثلاث قِسِي ودرعين وثلاثة أسياف وثلاثة رماح، وخمس غنائمهم، وكان الذي تولي جمع الغنائم محمد بن مسلمة‏.‏
cover-289

السيرة النبوية

بنو قَينُقَاع ينقضون العهد

لما رأت اليهود أن الله قد نصر المؤمنين نصراً مؤزراً في ميدان بدر، وأنهم قد صارت لهم عزة وشوكة وهيبة في قلوب القاصي والداني‏.‏ تميزت قدر غيظهم، وكاشفوا بالشر والعداوة، وجاهروا بالبغي والأذى‏.‏ وكان أعظمهم حقداً وأكبرهم شراً كعب بن الأشرف ـ وسيأتي ذكره ـ كما أن شر طائفة من طوائفهم الثلاث هم يهود بني قينقاع، كانوا يسكنون داخل المدينة ـ في حي باسمهم ـ وكانوا صاغة وحدادين وصناع الظروف والأواني، ولأجل هذه الحرف كانت قد توفرت لكل رجل منهم آلات الحرب، وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة، وكانوا أشجع يهود المدينة، وكانوا أول من نكث العهد والميثاق من اليهود‏.‏ فلما فتح الله للمسلمين في بدر اشتد طغيانهم، وتوسعوا في تحرشاتهم واستفزازاتهم، فكانوا يثيرون الشغب، ويتعرضون بالسخرية، ويواجهون بالأذى كل من ورد سوقهم من المسلمين حتى أخذوا يتعرضون بنسائهم‏.‏ وعندما تفاقم أمرهم واشتد بغيهم، جمعهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فوعظهم ودعاهم إلى الرشد والهدي، وحـذرهم مغـبة البغـي والـعدوان، ولكنهم ازدادوا في شرهم وغطرستهم‏.‏ روي عن ابن عباس عليهما السلام قال‏:‏ لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً يوم بدر، وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع‏.‏ فقال‏:‏ ‏‏(‏يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً‏)‏‏،‏ قالوا‏:‏يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ‏ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ‏}‏.‏ كان في معنى ما أجاب به بنو قينقاع هو الإعلان السافر عن الحرب، ولكن كظم النبي صلى الله عليه وآله وسلم غيظه، وصبر المسلمون، وأخذوا ينتظرون ما تتمخض عنه الليالي والأيام‏.‏ وازداد اليهود ـ من بني قينقاع ـ جراءة، فقلما لبثوا أن أثاروا في المدينة قلقاً واضطراباً، وسعوا إلى حتفهم بظلفهم، وسدوا على أنفسهم أبواب الحياة‏.‏ ذكر أهل السير‏:‏ أن امرأة من العرب قدمت بجَلَبٍ لها، فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فَعَمَد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ـ وهي غافلة ـ فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ـ وكان يهودياً ـ فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع‏.‏
cover-288

السيرة النبوية

اليهود يكيدون للمسلمين وينشرون الفتن بينهم

مر شاس بن قيس وكان شيخاً ‏[‏يهودياً‏]‏، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأي من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال‏:‏ قد اجتمع ملأ بني قَيْلَةَ بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتي شاباً من يهود كان معه، فقال‏:‏ اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بُعَاث وما كان من قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه‏:‏ إن شئتم رددناها الآن جَذَعَة ـ يعني الاستعداد لإحياء الحرب الأهلية التي كانت بينهم ـ وغضب الفريقان جميعاً، وقالوا‏:‏ قد فعلنا، موعدكم الظاهرة ـ والظاهرة‏:‏ الحَرَّة ـ السلاح السلاح، فخرجوا إليها ‏[‏وكادت تنشب الحرب‏]‏‏.‏ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال‏:‏ ‏‏(‏يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألف بين قلوبكم‏)‏ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس‏.‏ هذا نموذج مما كان اليهود يفعلونه ويحاولونه من إثارة القلاقل والفتن في المسلمين، وإقامة العراقيل في سبيل الدعوة الإسلامية، وقد كانت لهم خطط شتي في هذا السبيل‏.‏ فكانوا يبثون الدعايات الكاذبة، ويؤمنون وجه النهار، ثم يكفرون آخره؛ ليزرعوا بذور الشك في قلوب الضعفاء، وكانوا يضيقون سبل المعيشة على من آمن إن كان لهم به ارتباط مالي، فإن كان لهم عليه يتقاضونه صباح مساء، وإن كان له عليهم يأكلونـه بالباطل، ويمتنعون عن أدائه وكانوا يقولون‏:‏ إنما كان علينا قرضك حينما كنت على دين آبائك، فأما إذ صبوت فليس لك علينا من سبيل‏.‏
cover-287

السيرة النبوية

مؤامرة لاغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم باءت بالفشل

كان من أثر هزيمة المشركين في وقعة بدر أن استشاطوا غضباً، وجعلت مكة تغلي كالمِرْجَل ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى تآمر بطلان من أبطالها أن يقضوا على مبدأ هذا الخلاف والشقاق ومثار هذا الذل والهوان في زعمهم، وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏.‏ جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحِجْر بعد وقعة بدر بيسير ـ وكان عمير من شياطين قريش ممن كان يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وهم بمكة ـ وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر، فذكر أصحاب القَلِيب ومصابهم، فقال صفوان‏:‏ والله إن في العيش بعدهم خير‏.‏ قال له عمير‏:‏ صدقت والله، أما والله لولا دَيْن على ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضَّيْعةَ بعدي لركبتُ إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قِبَلَهُمْ عِلَّةً، ابني أسير في أيديهم‏.‏ فاغتنمها صفوان وقال‏:‏ على دينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي، أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم‏.‏ فقال له عمير‏:‏ فاكتم عني شأني وشأنك‏.‏ قال‏:‏ أفعل‏.‏ ثم أمر عمير بسيفه فشُحِذَ له وسُمَّ، ثم انطلق حتى قدم به المدينة، فبينما هو على باب المسجد ينيخ راحلته رآه عمر بن الخطاب ـ وهو في نفر من المسلمين يتحدثون ما أكرمهم الله به يوم بدر ـ فقال عمر‏:‏ هذا الكلب عدو الله عمير ما جاء إلا لشر‏، ثم دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال‏:‏ يا نبي الله، هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحاً سيفه، قال‏:‏ ‏‏(‏فأدخله علي‏)‏، فأقبل إلى عمير فلَبَّبَهُ بحَمَالة سيفه، وقال لرجال من الأنصار‏:‏ ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون، ثم دخل به، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه ـ قال‏:‏ ‏‏(‏أرسله يا عمر، ادن يا عمير‏)‏، فدنا وقال‏:‏ أنْعِمُوا صباحاً، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة‏)‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏‏(‏ما جاء بك يا عمير ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم، فأحسنوا فيه‏.‏ قال‏:‏ ‏‏(‏فما بال السيف في عنقك‏؟‏‏)‏ قال‏:‏قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئاً ‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(‏اصدقني، ما الذي جئت له ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ ما جئت إلا لذلك‏.‏ قال‏:‏ ‏‏(‏بل قعدتَ أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت‏:‏ لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً، فتحمل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حائل بينك وبين ذلك‏)‏‏.‏ قال عمير‏:‏ أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم تشهد شهادة الحق،‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره‏)‏‏.‏ وأما صفوان فكان يقول‏:‏ أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر‏،‏ وكان يسأل الركبان عن عمير، حتى أخبره راكب عن إسلامه فحلف صفوان ألا يكلمه أبدًا، ولا ينفعه بنفع أبدا‏.‏ ورجع عمير إلى مكة وأقام بها يدعو إلى الإسلام، فأسلم على يديه ناس كثير‏.‏
cover-286

السيرة النبوية

غزوة بني سُلَيم بالكُدْر

أول ما نقلت استخبارات المدينة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد بدر أن بني سليم وبني غَطَفَان تحشد قواتها لغزو المدينة، فباغتهم النبي صلى الله عليه وسلم في مائتي راكب في عقر دراهم، وبلغ إلى منازلهم في موضع يقال له‏:‏ الكُدْر‏،‏ ففر بنو سليم، وتركوا في الوادي خمسمائة بعير استولي عليها جيش المدينة، وقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد إخراج الخمس فأصاب كل رجل بعيرين، وأصاب غلاما يقال له‏:‏ ‏‏(‏يسار‏)‏ فأعتقه‏.‏ وأقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ديارهم ثلاثة أيام، ثم رجع إلى المدينة‏.‏ وكانت هذه الغزوة في شوال سنة 2 هـ بعد الرجوع من بدر بسبعة أيام، أوفي المحرم للنصف منه، واستخلف في هذه الغزوة على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطَة‏،‏ وقيل‏:‏ ابن أم مكتوم‏.‏
cover-285

السيرة النبوية

النشاط العسكري بين غزوة بدر غزوة وأحد

إن معركة بدر كانت أول لقاء مسلح بين المسلمين والمشركين، وكانت معركة فاصلة أكسبت المسلمين نصراً حاسماً شهد له العرب قاطبة‏،‏ والذين كانوا أشد استياء لنتائج هذه المعركة هم أولئك الذين منوا بخسائر فادحة مباشرة، وهم المشركون، أو الذين كانوا يرون عزة المسلمين وغلبتهم ضرباً قاصماً على كيانهم الديني والاقتصادي، وهم اليهود‏،‏ فمنذ أن انتصر المسلمون في معركة بدر كان هذان الفريقان يحترقان غيظاً وحنقًا على المسلمين؛ ‏{‏لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ‏}‏، وكانت في المدينة بطانة للفريقين دخلوا في الإسلام حين لم يبق مجال لعزهم إلا في الإسلام، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه، ولم تكن هذه الفرقة الثالثة أقل غيظاً من الأوليين‏.‏ وكانت هناك فرقة رابعة، وهم البدو الضاربون حول المدينة، لم يكن يهمهم مسألة الكفر والإيمان، ولكنهم كانوا أصحاب سلب ونهب، فأخذهم القلق، واضطربوا لهذا الانتصار، وخافوا أن تقوم في المدينة دولة قوية تحول بينهم وبين اكتساب قوتهم عن طريق السلب والنهب، فجعلوا يحقدون على المسلمين وصاروا لهم أعداء‏.‏ وتبين بهذا أن الانتصار في بدر كما كان سبباً لشوكة المسلمين وعزهم وكرامتهم كذلك كان سبباً لحقد جهات متعددة، وكان من الطبيعي أن يتبع كل فريق ما يراه كفيلاً لإيصاله إلى غايته‏.‏ فبينما كانت المدينة وما حولها تظاهر بالإسلام، وتأخذ في طريق المؤامرات والدسائس الخفية كانت فرقة من اليهود تعلن بالعداوة، وتكاشف عن الحقد والغيظ، وكانت مكة تهدد بالضرب القاصم، وتعلن بأخذ الثأر والنقمة، وتهتم بالتعبئة العامة جهاراً، وترسل إلى المسلمين بلسان حالها، تقول‏:‏ ولا بد من يوم أغرّ مُحَجَّل ** يطول استماعي بعده للنوادب
cover-284

السيرة النبوية

رسول الله يغضب لابنته فاطمة الزهراء عليها السلام

ولم يتزوج علي عليه السلام على فاطمة الزهراء عليها السلام عنها حتى ماتت، وعندما أراد علي عليه السلام أن يتزوج عليها ابنة أبي جهل، غضبت فاطمة، وأتت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تشتكيه، فقد جاء عن المسور بن مخرمة قال: إن علياً عليه السلام خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك فاطمة، فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فسمعته حين تشهد يقول: "أما بعد أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني، وإني أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبنت عدو الله عند رجل واحد". وفي رواية قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنها هي بضعة مني يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها". وفي رواية آخرى قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إن فاطمة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها"، ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إياه، قال: حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبنت عدو الله أبداً، فترك علي عليه السلام الخطبة.
cover-283

السيرة النبوية

شأن بقية الآل، محسن وأم كلثوم وزينب عليهم السلام

وأما محسن فقد مات صغيرا، قال أهل السير: اتفق أهل العلم بالسير أن محسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، مات صغيراً في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأما أم كلثوم عليها السلام فولدت في حدود سنة ست من الهجرة، ورأت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم ترو عنه شيئا، وقد تزوجها عمر بن الخطاب، فولدت له زيداً، ومات عنها عمر، فتزوجت بعده ببني عمها جعفر واحداً بعد واحد، تزوجت بعون بن جعفر، فمات عنها، ثم تزوجها أخوه محمد بن جعفر، فمات عنها، ثم تزوجها أخوهما عبد الله بن جعفر، فماتت عنده. فعن الإمام علي بن الحسين عليه السلام قال: أن عمر بن الخطاب خطب إلى علي بن أبي طالب عليه السلام أم كلثوم، فقال: أنكحنيها، فقال علي: إني أرصدها (الانتظار) لابن أخي عبد الله بن جعفر، فقال عمر: أنكحنيها فوالله ما من الناس أحد يرصد من أمرها ما أرصده فأنكحه علي، فأتى عمر المهاجرين، فقال: ألا تهنوني؟ فقالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ فقال: بأم كلثوم بنت علي وابنة فاطمة بنت رسول الله عليهما السلام، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا ما كان من سببي ونسبي"، فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسب وسبب. وأما زينب عليها السلام، فإنها ولدت في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت امرأة عاقلة لبيبة (عاقلة) جزلة (جيدة الرأي)، زوجها أبوها علي عليه السلام من عبد الله بن أخيه جعفر، فولدت له علياً، وعوناً الأكبر، وعباساً، ومحمداً، وأم كلثوم، وكانت مع أخيها الحسين عليهما السلام لما قتل، وحملت إلى دمشق، وماتت عند زوجها عبد الله بن جعفر عليهم السلام أجمعين.
cover-282

السيرة النبوية

شأن الإمام الحسين بن علي عليهما السلام

وأما الإمام الحسين عليه السلام فولد في شعبان من السنة الرابعة من الهجرة، وكان عليه السلام أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أسفل صدره إلى أسفله، فقد جاء عن أبيه عليه السلام علي بن أبي طالب قال: الحسن أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما كان أسفل من ذلك. وفي رواية أخرى، قال علي عليه السلام: كان الحسن بن علي أشبه الناس برسول صلى الله عليه وآله وسلم من وجهه إلى سرته، وكان الحسين أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أسفل ذلك. وجاء عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة". وجاء عن ابن عمر أن رجلاً، سأله عن دم البعوض، فقال ابن عمر: من أين أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "هما ريحانتاي من الدنيا". قال أهل العلم: أورد ابن عمر هذا متعجبا من حرص أهل العراق على السؤال عن الشيء اليسير، وتفريطهم في الشيء الجليل من سفك دم هذا الإمام عليه السلام.
cover-281

السيرة النبوية

شأن الإمام الحسن بن علي عليهما السلام

فأما الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام: فهو سبط (الطائفة والقطعة منه صلى الله عليه وآله وسلم) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن ابنته فاطمة الزهراء عليها السلام، وريحانته، وأشبه خلق الله برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وجه (عن أنس قال: لم يكن أحد أشبه بالنبي من الحسن عليه السلام)، ولد عليه السلام للنصف من رمضان، وقيل في شعبان سنة ثلاث من الهجرة، فحنكه (مضغ الشيء ووضعه في فم الصبي) رسول الله بريقه، وسماه حسناً، وهو أكبر ولد أبويه، وكان رسول الله يحبه حبا شديدا، وربما مص لسانه، واعتنقه وداعبه، وربما جاء ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساجد في الصلاة، فيركب على ظهره فيقره على ذلك، ويطيل السجود من أجله، وربما صعد معه إلى المنبر، وقد ثبت في الحديث: أنه صلى الله عليه وآله وسلم بينما هو يخطب إذ رأى الحسن والحسين مقبلين، فنزل إليهما، فاحتضنهما، وأخذهما معه إلى المنبر، وقال: "صدق الله: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة}، إني رأيت هذين يمشيان ويعثران فلم أملك أن نزلت إليهما". قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه" قالها ثلاثاً. قال أهل السير عن الحسن بن علي عليهما السلام: وقد كان هذا الإمام سيداً، وسيماً، جميلاً، عاقلاً، رزيناً، جوادا، ممدحاً، خيراً، ديناً، ورعاً، محتشماً، كبير الشأن.
cover-280

السيرة النبوية

عقيقة الحسن والحسين عليهما السلام

وعق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً يوم السابع من ولادتهما، فعن عائشة قالت: عق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حسن وحسين يوم السابع، وسماهما، وأمر أن يماط عن رأسهما الأذى. وجاء عن ابن عباس عليهما السلام قال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً. وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحبهما حباً شديداً ويفرح برؤيتهما. قال أهل العلم: العقيقة: هي الذبيحة التي تذبح عن المولود، وأصل العق: الشق والقطع، وقيل للذبيحة عقيقة، لأنها يشق حلقها.
cover-279

السيرة النبوية

أولادها من عليٍ عليهم السلام أجمعين

وولدت فاطمة الزهراء عليها السلام لعلي بن أبي طالب عليه السلام: الحسن، والحسين، ومحسنا، وأم كلثوم، وزينب عليهم السلام أجمعين. جاء عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: لما ولد الحسن سميته حرباً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "أروني ابني، ما سميتموه؟ " قال: قلت: حربا. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "بل هو حسن"، فلما ولد الحسين سميته حربا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "أروني ابني، ما سميتموه؟ " قال: قلت: حربا. قال صلى الله عليه وآله وسلم: "بل هو حسين"، فلما ولد الثالث سميته حربا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "أروني ابني، ما سميتموه؟ " قال: قلت: حربا. قال -صلى الله عليه وسلم-: "بل هو محسن"، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: "سميتهم بأسماء ولد هارون: شبر وشبير ومشبر". وجاء في تسمية الحسن والحسين سبب آخر، فقد جاء عن علي عليه السلام قال: لما ولد الحسن سماه حمزة، فلما ولد الحسين سماه بعمه جعفر، قال فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "إني أمرت أن أغير اسم هذين"، فقلت: الله ورسوله أعلم، فسماهما حسناً وحسيناً.
cover-278

السيرة النبوية

ما جاء في خطبتها وصداقها وجهازها وزفافها عليها السلام

خطبتها وصداقها عليها السلام: عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال نفر من الأنصار لعلي عليه السلام: عندك فاطمة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسلم عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما حاجة ابن أبي طالب؟ " قال: يا رسول الله، فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "مرحبا وأهلا"، لم يزده عليها، فخرج علي عليه السلام على أولئك الرهط من الأنصار وهم ينتظرونه، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما أدري، ولكنه قال لي: "مرحبا وأهلا"، قالوا: يكفيك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحداهما أعطاك الأهل، وأعطاك المرحب. وجاء عن ابن عباس عليهما السلام قال: قال لي علي عليه السلام: أردت أن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنته، فقلت: ما لي من شيء فكيف؟ ثم ذكرت صلته وعائدته صلى الله عليه وآله وسلم، فخطبتها إليه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "هل لك من شيء؟ " قلت: لا، قال: "فأين درعك الحطمية؟ "، قال: هي عندي، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "فأعطنيها"، قال علي عليه السلام: فأعطيتها إياه. وجاء كذلك عن ابن عباس عليهما السلام قال: ما استحل علي عليه السلام فاطمة عليها السلام إلا ببدن (الدرع) من حديد. جهازها ووليمة عرسها عليها السلام: ثم جهز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنته فاطمة عليها السلام، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده، فقد جاء عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: "جهز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام في خميلة (قطيفة بيضاء من الصوف)، وقربة (يستسقى بها، وتكون للماء)، ووسادة أدم (الجلد) حشوها ليف الإذخر". ولما أراد علي عليه السلام أن يبني بفاطمة عليها السلام، قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا علي، إنه لابد للعرس من وليمة". فقال سعد: علي كبش، وجمع له رهط من الأنصار آصعاً (مكيال لأهل المدينة) من ذرة. فلما كان ليلة البناء، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: "لا تحدث شيئا حتى تلقاني"، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بماء فتوضأ منه، ثم إنه أفرغه على علي عليه السلام، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك في نسلهما".
cover-277

السيرة النبوية

زواج علي عليه السلام من فاطمة الزهراء عليها السلام

تزوج علي بن أبي طالب عليه السلام من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها السلام في السنة الأولى من الهجرة، وبنى بها في السنة الثانية من الهجرة، عقب وقعة بدر، واختلف في تحديد الشهر، ولعله كان في شوال، فإن غزوة بدر كانت في رمضان، وقيل في ذي الحجة. قال أهل السير: والدليل على أن بناء علي بن أبي طالب عليه السلام بفاطمة الزهراء عليها وعلى أبيها السلام بعد غزوة بدر ما جاء عن علي عليه السلام، قال: كانت لي شارف (الناقة المسنة) من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاني شارفا من الخمس، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله عليها السلام، واعدت رجلاً صواغا من بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخر (حشيشة طيبة الرائحة) أردت أن أبيعه الصواغين، وأستعين به في وليمة عرس. وكان عمر فاطمة الزهراء عليها السلام يوم بنى بها علي عليه السلام ثمان عشرة سنة، وعمر علي عليه السلام يومئذ خمسه وعشرون سنة.
cover-276

السيرة النبوية

القرآن يتحدث عن غزوة بدر الكبرى

ومع هذا الحدث العظيم نزلت سورة الأنفال، فإن الله تعالى لفت أنظار المسلمين ـ أولًا ـ إلى بعض التقصيرات التي كانت قد بقيت فيهم، وصدر بعضها منهم، ليسعوا في تحلية نفوسهم بأرفع مراتب الكمال، وفي تزكيتها عن هذه التقصيرات‏.‏ ثم ثَنَّى بما كان في هذا الفتح من تأييد الله وعونه ونصره بالغيب للمسلمين،‏ ذكر لهم ذلك لئلا يغتروا بشجاعتهم وبسالتهم، فتتسور نفوسهم الغطرسة والكبرياء، بل ليتوكلوا على الله، ويطيعوه ويطيعوا رسوله عليه الصلاة والسلام‏.‏ ثم بين لهم الأهداف والأغراض النبيلة التي خاض الرسول صلى الله عليه وسلم لأجلها هذه المعركة الدامية الرهيبة، ودلهم على الصفات والأخلاق التي تتسبب في الفتوح في المعارك‏.‏ ثم خاطب المشركين والمنافقين واليهود وأسارى المعركة، ووعظهم موعظة بليغة، تهديهم إلى الاستسلام للحق والالتزام به‏، ثم خاطب المسلمين حول موضوع الغنائم، وقنن لهم مبادئ وأسس هذه المسألة‏.‏ ثم بين وشرع لهم من قوانين الحرب والسلم ما كانت الحاجة تمس إليها بعد دخول الدعوة الإسلامية في هذه المرحلة، حتى تمتاز حروب المسلمين عن حروب أهل الجاهلية، ويتفوق المسلمون في الأخلاق والقيم والمثل، ويتأكد للدنيا أن الإسلام ليس مجرد وجهة نظر، بل هو دين يثقف أهله عمليًا على الأسس والمبادئ التي يدعو إليها‏.‏ ثم قرر بنودًا من قوانين الدولة الإسلامية التي تقيم الفرق بين المسلمين الذين يسكنون داخل حدودها، والذين يسكنون خارجها‏.‏ وفي السنة الثانية من الهجرة فرض صيام رمضان، وفرضت زكاة الفطر، وبينت أنصبة الزكاة الأخرى، وكانت فريضة زكاة الفطر وتفصيل أنصبة الزكاة الأخرى تخفيفًا لكثير من الأوزار التي كان يعانيها عدد كبير من المهاجرين اللاجئين الذين كانوا فقراء لا يستطيعون ضربًا في الأرض‏.‏ ومن أحسن المواقع وأروع الصدقات أن أول عيد تعيد به المسلمون في حياتهم هو العيد الذي وقع في شوال سنة 2 هـ، إثر الفتح المبين الذي حصل لهم في غزوة بدر‏.‏ فما أروع هذا العيد السعيد الذي جاء به الله بعد أن تَوَّجَ هامتهم بتاج الفتح والعز، وما أروق منظر تلك الصلاة التي صلوها بعد أن خرجوا من بيوتهم يرفعون أصواتهم بالتكبير والتوحيد والتحميد، وقد فاضت قلوبهم رغبة إلى الله، وحنينًا إلى رحمته ورضوانه بعد ما أولاهم به من النعم، وأيدهم به من النصر، وقد ذكرهم بذلك قائلًا‏:‏ {‏وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏.
cover-275

السيرة النبوية

قضية أسرى بدر

ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة استشار أصحابه في الأسارى، فقال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعَشِيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله، فيكونوا لنا عضدًا‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏ما ترى يا بن الخطاب‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان ـ قريب لعمر ـ فأضرب عنقه، وتمكن عليًا عليه السلام من عَقِيل بن أبي طالب فيضرب عنقه، وتمكن حمزة عليه السلام من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين‏.‏ وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم‏.‏ فهوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء‏:‏ فلما كان من الغد قال عمر‏:‏ فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وهما يبكيان، فقلت‏:‏ يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك‏؟‏ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏أبكى للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، فقد عرض علىّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة‏)‏ ـ شجرة قريبة‏.‏ وأنزل الله تعالى‏:‏ {‏مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏. والكتاب الذي سبق من الله قيل‏:‏ هو قوله تعالى‏:‏ {‏فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء‏}‏، ففيه الإذن بأخذ الفدية من الأسارى؛ ولذلك لم يعذبوا، وإنما نزل العتاب لأنهم أسروا الكفار قبل أن يثخنوا في الأرض، وقيل‏:‏ بل الآية المذكورة نزلت فيما بعد، وإنما الكتاب الذي سبق من الله هو ما كان في علم الله من إحلال الغنائم لهذه الأمة، أو من المغفرة والرحمة لأهل بدر‏.‏ وحيث إن الأمر كان قد استقر على رأي أبي بكر فقد أخذ منهم الفداء، وكان الفداء من أربعة آلاف درهم إلى ثلاثة آلاف درهم إلى ألف درهم، وكان أهل مكة يكتبون، وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن عنده فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة يعلمهم، فإذا حذقوا فهو فداء‏.‏ ومنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عدة من الأسارى فأطلقهم بغير فداء، منهم‏:‏ المطلب ابن حَنْطَب، وصَيْفي بن أبي رفاعة، وأبو عزة الجُمَحِي، وهو الذي قتله أسيرا في أحد، وسيأتي‏.‏ ومنّ على خَتَنِه أبي العاص بشرط أن يخلى سبيل زينب، وكانت قد بعثت في فدائه بمال بعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة، أدخلتها بها على أبي العاص، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رق لها رقة شديدة، واستأذن أصحابه في إطلاق أبي العاص ففعلوه، واشترط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أبي العاص أن يخلى سبيل زينب، فخلاها فهاجرت، وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار، فقال‏:‏ ‏‏(‏كونا ببطن يَأجَج حتى تمر بكما زينب فتصحباها‏)‏، فخرجا حتى رجعا بها‏.‏ وقصة هجرتها طويلة ومؤلمة جدًا‏.‏ وكان في الأسرى سهيل بن عمرو، وكان خطيبًا مِصْقَعًا، فقال عمر‏:‏ يا رسول الله، انزع ثنيتي سهيل بن عمرو يَدْلَعْ لسَانُه، فلا يقوم خطيبًا عليك في موطن أبدًا، بيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفض هذا الطلب، احترازًا عن المُثْلَةِ، وعن بطش الله يوم القيامة‏.‏ وخرج سعد بن النعمان معتمرًا فحبسه أبو سفيان، وكان ابنه عمرو بن أبي سفيان في الأسرى، فبعثوا به إلى أبي سفيان فخلى سبيل سعد‏.‏
cover-274

السيرة النبوية

وفود التهنئة الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

ولما وصل صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرَّوْحَاء لقيه رءوس المسلمين ـ الذين كانوا قد خرجوا للتهنئة والاستقبال حين سمعوا بشارة الفتح من الرسولين ـ يهنئونه بالفتح،‏ وحينئذ قال لهم سَلَمَة بن سلامة‏:‏ ما الذي تهنئوننا به‏؟‏ فوالله إن لَقِينا إلا عجائز صُلْعًا كالْبُدْن المعُقَّلَةِ، فنحرناها، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال‏:‏ ‏‏(‏يا بن أخي، أولئك الملأ‏)‏‏.‏ وقال أسيد بن حضير‏:‏ يا رسول الله، الحمد لله الذي أظفرك، وأقر عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوًا، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏صدقت‏)‏‏.‏ ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة مظفرًا منصورًا قد خافه كل عدو له بالمدينة وحولها، فأسلم بشر كثيرٌ من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أبي وأصحابه في الإسلام ظاهرًا‏ فقط.‏ وقدم الأسارى بعد بلوغه المدينة بيوم، فقسمهم على أصحابه، وأوصى بهم خيرًا‏،‏ فكان الصحابة يأكلون التمر، ويقدمون لأسرائهم الخبز، عملًا بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
cover-273

السيرة النبوية

نصيب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من غنائم بدر

كان من نصيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة بدر الكبرى، ما جاء عن ابن عباس عليهما السلام قال: تنفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيفه ذا الفقار يوم بدر. ثم صار هذا السيف بعد ذلك إلى علي بن أبي طالب عليه السلام. وجاء كذلك عن ابن عباس عليهما السلام قال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد كان أهدى جمل أبي جهل، الذي كان استلب يوم بدر في رأسه برة من فضة، عام الحديبية في هديه؛ ليغيظ بذلك المشركين.
cover-272

السيرة النبوية

الجيش النبوي يتحرك نحو المدينة

أقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببدر بعد انتهاء المعركة ثلاثة أيام، وقبل رحيله من مكان المعركة وقع خلاف بين الجيش حول الغنائم، ولما اشتد هذا الخلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يرد الجميع ما بأيديهم، ففعلوا، ثم نزل الوحي بحل هذه المشكلة‏.‏ عن عبادة بن الصامت قال‏:‏ خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يطاردون ويقتلون، وأكبت طائفة على المغنم يحرزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لا يصيب العدو منه غِرَّة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم‏:‏ نحن حويناها، وليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو‏:‏ لستم أحق بها منا، نحـن نحـينا منـها العـدو وهزمناه، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ خفنا أن يصيب العدو منه غرة، فاشتغلنا به، فأنزل الله‏:‏ {‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}،‏ فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين‏.‏ وبعد أن أقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببدر ثلاثة أيام تحرك بجيشه نحو المدينة ومعه الأسارى من المشركين، واحتمل معه النفل الذي أصيب من المشركين، وجعل عليه عبد الله بن كعب، فلما خرج من مَضِيق الصفراء نزل على كَثِيب بين المضيق وبين النَّازِيَة، وقسم هنالك الغنائم على المسلمين على السواء بعد أن أخذ منها الخمس‏.‏ وعندما وصل إلى الصفراء أمر بقتل النضر بن الحارث ـ وكان هو حامل لواء المشركين يوم بدر، وكان من أكابر مجرمي قريش، ومن أشد الناس كيدًا للإسلام وإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ فضرب عنقه علي بن أبي طالب‏.‏ ولمـا وصل إلى عِرْق الظُّبْيَةِ أمر بقتل عُقْبَة بن أبي مُعَيْط ـ وقد أسلفنا بعض ما كان عليه من إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو الذي كان ألقى سَلا جَزُور على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، وهو الذي خنقه بردائه وكاد يقتله، لولا اعتراض أبي بكر رضي الله عنه ـ فلما أمر بقتله قال‏:‏ من للصِّبْيَةِ يا محمد‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(‏النار‏)‏‏.‏ فقتله عاصم ابن ثابت الأنصاري، ويقال‏:‏ علي بن أبي طالب‏.‏ وكان قتل هذين الطاغيتين واجبًا نظرًا إلى سوابقهما، فلم يكونا من الأسارى فحسب، بل كانا من مجرمي الحرب بالاصطلاح الحديث‏.‏
cover-271

السيرة النبوية

المدينة تتلقى أنباء النصر

ولما تم الفتح للمسلمين أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشيرين إلى أهل المدينة، ليعجل لهم البشرى، أرسل عبد الله بن رواحة بشيرًا إلى أهل العالية، وأرسل زيد بن حارثة بشيرًا إلى أهل السافلة‏.‏ وكان اليهود والمنافقون قد أرجفوا في المدينة بإشاعة الدعايات الكاذبة، حتى إنهم أشاعوا خبر مقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولما رأي أحد المنافقين زيد بن حارثة راكبًا القَصْوَاء ـ ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال‏:‏ لقد قتل محمد، وهذه ناقته نعرفها. فلما بلغ الرسولان أحاط بهما المسلمون، وأخذوا يسمعون منهما الخبر، حتى تأكد لديهم فتح المسلميـن، فَعَمَّت البهجـة والسـرور، واهتزت أرجاء المدينة تهليلًا وتكبيرًا، وتقدم رؤوس المسلمين ـ الذين كانوا بالمدينة ـ إلى طريق بدر، ليهنئوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة تتلقى أنباء النصر وسلم بهذا الفتح المبين‏.‏ قال أسامة بن زيد‏:‏ أتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي كانت عند عثمان بن عفان، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلفني عليها مع عثمان في مرض موتها‏.‏
cover-270

السيرة النبوية

مكة تتلقى نبأ الهزيمة وهلاك أبي لهب جراء الخبر

فر المشركون من ساحة بدر في صورة غير منظمة، تبعثروا في الوديان والشعاب، واتجهوا صوب مكة مذعورين، لا يدرون كيف يدخلونها خجلًا‏.‏ قال أهل السير‏:‏ وكان أول من قدم بمصاب قريش الحَيْسُمَان بن عبد الله الخزاعي، فقالوا‏:‏ ما وراءك‏؟‏ قال‏:‏ قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف، في رجال من الزعماء سماهم‏.‏ فلما أخذ يعد أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحِجْر‏:‏ والله إن يعقل هذا، فاسألوه عنى‏.‏ قالوا‏:‏ ما فعل صفوان بن أمية‏؟‏ قال‏:‏ ها هو ذا جالس في الحجر، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا‏.‏ وقال أبو رافع ـ مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ كنت غلامًا للعباس وكان الإسلام قد دخلنا أهلَ البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يكتم إسلامه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، فلما جاءه الخبر كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزًا، وكنت رجلًا ضعيفًا أعمل الأقداح، أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحي وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس على طُنُب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فبينما هو جالس إذ قال الناس‏:‏ هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم، فقال له أبو لهب‏:‏ هلم إلىَّ، فعندك لعمرى الخبر، قال‏:‏ فجلس إليه، والناس قيام عليه‏.‏ فقال‏:‏ يا بن أخي، أخبرني كيف كان أمر الناس‏؟‏ قال‏:‏ ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لَقِينَا رجال بيض على خيل بُلْق بين السماء والأرض، والله ما تُلِيق شيئًا، ولا يقوم لها شيء‏.‏ قال أبو رافع‏:‏ فرفعت طنب الحجرة بيد ، ثم قلت‏:‏ تلك والله الملائكة‏.‏ قال‏:‏ فرفع أبو لهب يده، فضرب بها وجهي ضربة شديدة، فثاورته، فاحتملن فضرب ب الأرض، ثم برك علىّ يضربني، وكنت رجلًا ضعيفًا فقامت أم الفضل إلى عمود من عُمُد الحجرة فأخذته، فضربته به ضربة فَلَعَتْ في رأسه شجة منكرة، وقالت‏:‏ استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام موليًا ذليلًا، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة ‏[‏وهي قرحة تتشاءم بها العرب‏]‏ فقتلته، فتركه بنوه، وبقى ثلاثة أيام لا تقرب جنازته، ولا يحاول دفنه، فلما خافوا السبة في تركه حفروا له، ثم دفعوه بعود في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه‏.‏ هكذا تلقت مكة أنباء الهزيمة الساحقة في ميدان بدر، وقد أثر ذلك فيهم أثرًا سيئًا جدًا، حتى منعوا النياحة على القتلى؛ لئلا يشمت بهم المسلمون‏.‏
cover-269

السيرة النبوية

قتلى الفريقين

انتهت المعركة بهزيمة ساحقة بالنسبة للمشركين، وبفتح مبين بالنسبة للمسلمين، وقد استشهد من المسلمين في هذه المعركة أربعة عشر رجلًا، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار‏.‏ أما المشركون فقد لحقتهم خسائر فادحة، قتل منهم سبعون، وأسر سبعون‏،‏ وعامتهم القادة والزعماء والصناديد‏.‏ ولما انقضت المعركة أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى وقف على القتلى فقال‏:‏ ‏‏(‏بئس العشيرة كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس‏)‏، ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قُلُب بدر‏.‏ فعن أبي طلحة‏‏ أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقذفوا في طَويّ من أطواء بدر خَبِيث مُخْبث‏،‏ وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعَرْصَة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى، واتبعه أصحابه‏.‏ حتى قام على شفة الرَّكِىّ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، ‏‏(‏يا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله‏؟‏ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا‏؟‏‏)‏ فقال عمر‏:‏ يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها‏؟‏ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم‏)‏ وفي رواية‏:‏ ‏‏(‏ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون‏)‏‏.‏
cover-268

السيرة النبوية

طرح جيف المشركين في القليب

ولما انتهت المعركة أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإلقاء جيف المشركين في القَلِيب، وأخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب، نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وجه ابنه أبي حذيفة، فإذا هو كئيب قد تغير، فقال‏:‏ ‏‏(‏يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ لا والله، يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا مصرعه، ولكنني كنت أعرف من أبي رأيًا وحلمًا وفضلًا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك‏،‏ فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي حذيفة بخير، وقال له خيرًا‏.‏ قال أهل العلم: إنما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإلقائهم في البئر لئلا يتأذى الناس بريحهم ونتنهم، وإلا فالحربي لا يجب دفنه، والظاهر أن البئر لم يكن فيها ماء معين.
cover-267

السيرة النبوية

مصرع عدو الله أبي جهل

قال عبد الرحمن بن عوف إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرًا من صاحبه‏:‏ يا عم، أرني أبا جهل، فقلت‏:‏ يا بن أخي، فما تصنع به‏؟‏ قال‏:‏ أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال‏:‏ والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك‏.‏ قال‏:‏ وغمزني الآخر، فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس‏.‏ فقلت‏:‏ ألا تريان‏؟‏ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه، قال‏:‏ فابتدراه فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فـقال‏:‏ ‏‏(‏أيكما قتله‏؟‏‏)‏ فقـال كـل واحد منهما‏:‏ أنا قتلته، قال‏:‏ ‏‏(‏هل مسحتما سيفيكما‏؟‏‏)‏ فـقالا‏:‏ لا‏.‏ فنـظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلــى السيفـين فقال‏:‏ ‏‏(‏كلاكما قتله‏)‏، وقضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسَلَبِه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومُعَوِّذ ابن عفراء. ولما انتهت المعركة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏من ينظر ما صنع أبو جهل‏؟‏‏)‏ فتفرق الناس في طلبه، فوجده عبد الله بن مسعود وبه آخر رمق، فوضع رجله على عنقه وأخذ لحيته ليحتز رأسه، وقال‏:‏ هل أخزاك الله يا عدو الله‏؟‏ قال‏:‏ وبماذا أخزاني‏؟‏ أأعمد من رجل قتلتموه‏؟‏ أو هل فوق رجل قتلتموه‏؟‏ وقال‏:‏ فلو غير أكَّار قتلني، ثم قال‏:‏ أخبرني لمن الدائرة اليوم‏؟‏ قال‏:‏ لله ورسوله، ثم قال لابن مسعود ـ وكان قد وضع رجله على عنقه‏:‏ لقد ارتقيت مرتقى صعبًا يا رُوَيْعِيَ الغنم، وكان ابن مسعود من رعاة الغنم في مكة‏.‏ وبعد أن دار بينهما هذا الكلام احتز ابن مسعود رأسه، وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال‏:‏ يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبي جهل، فقال‏:‏ ‏‏(‏الله الذي لا إله إلا هو‏؟‏‏)‏ فرددها ثلاثًا، ثم قال‏:‏ ‏‏(‏الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، انطلق أرنيه‏)‏، فانطلقـنا فــأريته إيـاه، فقال‏:‏ ‏‏(‏هذا فرعون هذه الأمة‏)‏‏.‏