ولا يشفعون إلا لمن ارتضى

إن الشفاعة حق من حقوق الله تعالى وليس لأحد من خلقه حق ولا تصرف فيها كما قال سبحانه وتعالى: (قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا)، ومن عظمته وكماله وكبريائه جعلها حقاً خالصاً له وحده ولا تنال إلا يوم القيامة، وذلك برضاه عز وجل عن الشافع والمشفوع، فالشافع يكون ممن رضي الله عنه ورضي قوله وعمله والمشفوع فيه أن يكون من أهل التوحيد لا من أهل الشرك والتنديد، فالشفاعة لها شرطان، الأول رضاه تعالى عن الشافع بأن يكون أهلاً للشفاعة والثاني رضاه عن المشفوع له بأن يكون من أهل الأخلاص والتوحيد، فمن لقيه بالشرك يكون قد أبطل الشفاعة في حق نفسه وحرم منها، لأنه سبحانه لا يرضى من القول والعمل إلا ما كان صواباً خالصاً لوجهه وما كان على طريقة رسوله المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه.

فعن محمد بن أبي عمير قال : سمعت موسى بن جعفر عليهما السلام يقول : لا يخلد الله في النار إلا أهل الكفر والجحود ، وأهل الضلال والشرك . ومن اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر ، قال الله تبارك وتعالى : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً.

قال فقلت له : يابن رسول الله فالشفاعة لمن تجب من المذنبين ؟

قال : حدثني أبي عن آبائه عن علي عليهم السلام قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنما شفاعتي لاَهل الكبائر من أمتي ، فأما المحسنون منهم فما عليهم من سبيل.

قال ابن أبي عمير فقلت له : يا بن رسول الله فكيف تكون الشفاعة لاَهل الكبائر والله تعالى ذكره يقول : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ؟ ومن يرتكب الكبائر لا يكون مرتضى !

فقال : يا أبا أحمد ما من مؤمن يرتكب ذنباً إلا ساءه ذلك وندم عليه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كفى بالندم توبة.

وقال صلى الله عليه وآله : من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن ولم تجب له الشفاعة ، وكان ظالماً والله تعالى ذكره يقول : ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع.

فقلت له : يا ابن رسول الله وكيف لا يكون مؤمناً من لم يندم على ذنب يرتكبه ؟ فقال : يا أبا أحمد ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم أنه سيعاقب عليها إلا ندم على ما ارتكب ، ومتى ندم كان تائباً مستحقاً للشفاعة ، ومتى لم يندم عليها كان مصراً ، والمصر لا يغفر له ، لاَنه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب ، ولو كان مؤمناً بالعقوبة لندم . وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا كبيرة مع الاِستغفار ، ولا صغيرة مع الاِصرار . وأما قول الله عز وجل: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، فإنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه ، والدين الاِقرار بالجزاء على الحسنات والسيئات ، فمن ارتضى الله دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب ، لمعرفته بعاقبته في القيامة. أنظر: وسائل الشيعة ج 11 ص 266 ، وفي تفسير نور الثقلين ج 4 ص 517، التوحيد للصدوق ص 407.

 وقيل للرضا عليه السلام : يا بن رسول الله فما معنى قول الله تعالى : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ؟ قال : لا يشفعون إلا لمن ارتضى دينه ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: شفاعتي لاَهل الكبائر من أمتي ما خلا الشرك والظلم. أنظر: روضة الواعظين ص 501.