آخر مفاوضات قريش مع أبي طالب

خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الشعب يدعو إلى الله تعالى، وعادت قريش لشر ما كانت عليه من الكفر، والصد عن سبيل الله تعالى، والشدة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وظل أبو طالب يحوط ابن أخيه، ويمنعه إلى أن لاحقه المرض واشتد به، وحينئذ حاول المشركون مرة أخرى أن يفاوضوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين يدي أبي طالب، لخوفهم أن تعيرهم العرب إن أتوا بعد وفاته بمنكر على ابن أخيه، فيقولون: تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه.

فلما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله -مرضه-، قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب، فليأخذ لنا على ابن أخيه، وليعطه منا، والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا.

فمشى إليه أشرافهم، وكانوا خمسة وعشرون رجلا، منهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث، فقدموا رجلا منهم، فاستأذن لهم على أبي طالب، فأذن لهم، فلما دخلوا عليه، قالوا: يا أبا طالب! إنك كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه -وفي لفظ: قالوا يا أبا طالب! إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى، وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه، فخذ له منا، وخذ لنا منه، ليكف عنا، ونكف عنه، وليدعنا وديننا، وندعه ودينه.

فبعث إليه أبو طالب، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدخل البيت، وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مجلسًا قرب عمه فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: يا ابن أخي! هؤلاء أشراف قومك، قد اجتمعوا لك، ليعطوك وليأخذوا منك، وفي لفظ: هؤلاء مشيخة قومك، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم، ويدعوك وإلهك، فاقبل منهم فقد أنصفوك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أرأيتم إن أعطيتكم هذه، هل أنتم معطي كلمة إن أنتم تكلمتم بها ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم؟ ".

وفي رواية: فقال أبو طالب: يا ابن أخي! ما تريد من قومك؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم العجم الجزية"، قال أبو طالب: كلمة واحدة؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "كلمة واحدة"، فقال أبو جهل لعنه الله: نعم وأبيك، وعشر كلمات.

وفي رواية: قال أبو جهل من بين القوم: إن هذه لكلمة مربحة، لنعطينكها وعشرًا معها فما هي؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم: "تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه".

فقال أبو طالب: والله يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شططًا!!

أما زعماء المشركين فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ إن أمرك لعجب، ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم قاموا من عنده وهم يقولون: والله لنشتمنك، وإلهك الذي يأمرك بهذا.

ثم قال بعضهم لبعض‏:‏ إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئًا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا‏.‏

وفي هؤلاء نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ * وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ‏}‏.