محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم

وبعد فشل مفاوضات قريش مع أبي طالب، اشتد مكر زعمائها، وأجمعوا على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما كان مساء الليلة التي عرضوا فيها عمارة بن الوليد على أبي طالب، فقد رسول صلى الله عليه وآله وسلم، وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع أبو طالب فتيانًا من بني هاشم، وبني المطلب ثم قال: ليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة، ثم ليتبعني إذا دخلت المسجد، فلينظر كل فتى منكم فليجلس إلى عظيم من عظمائهم فيهم ابن الحنظلية، يعني أبا جهل، فإنه لم يغب عن شر إن كان محمد قد قتل.

فقال الفتيان: نفعل، فجاء زيد بن حارثة فوجد أبا طالب على تلك الحال، فقال: يا زيد: أحسست ابن أخي؟ قال: نعم كنت معه آنفا، فقال أبو طالب: لا أدخل بيتي أبدا حتى أراه، فخرج زيد سريعا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في دار الأرقم، ومعه أصحابه يتحدثون، فأخبره الخبر، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي أين كنت؟ أكنت في خير؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: نعم، قال: ادخل بيتك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما أصبح أبو طالب غدا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ بيده فوقف به على أندية قريش، ومعه الفتيان الهاشميون والمطلبيون، فقال: يا معشر قريش هل تدرون ما هممت به؟ قالوا: لا، فأخبرهم الخبر، وقال للفتيان: اكشفوا عما في أيديكم، فكشفوا، فإذا كل رجل منهم معه حديدة صارمة، فقال: والله لو قتلتموه ما أبقيت منكم أحدًا حتى نتفانى نحن وأنتم، فانكسر القوم، وكان أشدهم انكسارًا أبو جهل لعنه الله تعالى.

وعن ابن عباس عليه السلام قال: أن أناسًا من بني مخزوم تواصوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليقتلوه، منهم: أبو جهل، والوليد بن المغيرة، ونفر من بني مخزوم، فبينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي، فلما سمعوا قراءته أرسلوا الوليد ليقتله، فانطلق حتى انتهى إلى المكان الذي كان يصلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم فأعلمهم ذلك، فأتاه أبوجهل، والوليد، ونفر منهم، فلما انتهوا إلى المكان الذي هو فيه صلى الله عليه وآله وسلم يصلي سمعوا قراءته، فيذهبون إلى الصوت فإذا الصوت من خلفهم، فينتهون إليه فيسمعون أيضًا من خلفهم، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلًا، فذلك قوله تعالى: {وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون}.