المواد
cover-316

فوائد

ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول

قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) [النساء:64]. زعم الغلاة أن هذا المجيء اليه صلى الله عليه وآله وسلم يكون بعد مماته، فيطلب منه المرء الإستغفار ويطلب منه ما يشاء، وهذا لا شك أنه من الإشراك بالله تعالى، ومما لم يكن عليه عمل الصحب والآل، فهو من عمل عباد القبور والأنبياء والأولياء والصالحين. قال أهل العلم في تفسير هذه الآية: هذه الآية الكريمة فيها حث الأمة على المجيء إليه إذا ظلموا أنفسهم بشيء من المعاصي، أو وقعوا فيما هو أكبر من ذلك من الشرك أن يجيئوا إليه تائبين نادمين حتى يستغفر لهم عليه الصلاة والسلام، والمراد بهذا المجيء: المجيء إليه في حياته، وهو يدعو المنافقين وغيرهم إلى أن يأتوا إليه ليعلنوا توبتهم ورجوعهم إلى الله، ويطلبوا منه عليه الصلاة والسلام أن يسأل الله أن يقبل توبتهم وأن يصلح أحوالهم؛ ولهذا قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) [النساء: 64] فطاعة الرسول إنما تكون بإذن الله، يعني الإذن الكوني القدري، فمن أذن الله له وأراد هدايته اهتدى، ومن لم يأذن الله في هدايته لم يهتد، فالأمر بيده سبحانه، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير: 29]. فهو حثٌ للعباد على أن يأتوا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليعلنوا عنده توبتهم وليسأل الله لهم، وليس المراد بعد وفاته كما يظنه بعض الجهال، فالمجيء إليه بعد موته لهذا الغرض غير مشروع، وإنما يؤتى للسلام عليه لمن كان في المدينة أو وصل إليها من خارجها لقصد الصلاة بالمسجد والقراءة فيه ونحو ذلك، فإذا أتى المسجد سلم على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعلى صاحبيه، لكن لا يشد الرحل من أجل زيارة القبر فقط، بل من أجل المسجد، وتكون الزيارة لقبره وقبر أبي بكر وعمر تابعة لزيارة المسجد لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى). وفي الحديث الآخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام) فهذا شيء خاص للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه يبلغ ذلك، وأما أن يأتي من ظلم نفسه ليتوب عند القبر ويستغفر عند القبر فهذا لا أصل له، بل هو منكر ولا يجوز، وهو وسيلة للشرك، مثل أن يأتي فيسأله الشفاعة أو شفاء المريض أو النصر على الأعداء أو نحو ذلك، أو يسأله أن يدعو له فهذا لا يجوز؛ لأن هذا ليس من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته ولا من خصائص غيره. فكل من مات لا يدعى ولا يطلب منه الشفاعة لا النبي ولا غيره، وإنما الشفاعة تطلب منه في حياته، فيقال: يا رسول الله، اشفع لي أن يغفر الله لي، اشفع لي أن يشفي الله مريضي، وأن يرد غائبي، وأن يعطيني كذا وكذا. فليحذر المؤمن من مسالك الغلاة في ادخال الشرك ودعوة غير الله على هذه الأمة، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بعث بالتوحيد عاش حياته يدعو الى التوحيد ونبذ الشرك والتنديد.
cover-315

فوائد

التوحيد ثمن الجنة

ان الله تعالى وتقدس خلق الجنة دار كرامته، وخلق لها أهلها وهم أهل التوحيد، أخلصوا دينهم لله تعالى وجردوا المتابعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يشركوا بالله تعالى أحداً ولم يبتدعوا ولم يحدثوا في دين الله عز وجل ما لم ينزل به سلطاناً، قال الله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران:133]، وقال تعالى: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ) [آل عمران:198]، وقال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [النساء:13]، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) [النساء:57]، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) [النساء:122]، وقال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:72]، وأعظم الصالحات والطاعات هو تحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله وحده لا شريك له، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله))، وقال: ((أشهد أن لا إله إلا الله و أني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة))، وقال: ((من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة))، وقال: ((أحق الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصة من قلبه))، وقال: ((من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة))، فهذا شرط دخول الجنة أن يحقق المرء التوحيد ويسلم من الشرك بأنواعه. وعن الرضا عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "التوحيد ثمن الجنة". ((بحار الأنوار: (3/3). وانظر: الأمالي للطوسي: (569)، مجموعة ورام: (2/70)). وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما جزاء من أنعم الله عليه بالتوحيد إلا الجنة". (بحار الأنوار: (3/5). وانظر: الاختصاص: (225)، الأمالي للصدوق: (386)، الأمالي للطوسي: (429، 569)، التوحيد: (22)).
cover-314

لا إفراط ولا تفريط

الاستغاثة لا تكون إلا بالله تعالى وحده

جاء في كتاب مستدرك الوسائل وهو من روايات الغلاة والدساسين على مذهب آل بيت رسول الله الطاهرين ما مفاده: إذا كانت لأحدكم استغاثة إلى الله تعالى، فليصل ركعتين، ثم يسجد ويقول: يا محمد يا رسول الله، يا علي، يا سيد المؤمنين والمؤمنات، بكما أستغيث إلى الله تعالى، يا محمد يا علي، أستغيث بكما، يا غوثاه بالله وبمحمد وعلي وفاطمة. (مستدرك الوسائل/ ج 6/ ص 348 / الميرزا النوري). وهذه الرواية عليها ظلمة واضحة ومناقضة ظاهرة للتوحيد ولما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وعمل الأئمة الأطهار، يقول الله تعالى مثنياً على عباده الصالحين بتجريد طلب الغوث منه وحده لا شريك له (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) [الأنفال:09]، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله». وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ياعلي ألا أعلمك كلمات إذا وقعت في ورطه قلتها ؟ قلت: بلى، جعلني الله فداءك قال: إذا وقعت في ورطه فقل: " بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإن الله تعالى يصرف بها ما شاء من أنواع البلاء". (كتاب الدعوات ص 52). وجاء في رواية أخرى عند الطبرسي، عن أمير المؤمنين عليه السلام: إذا وقعت في ورطة فقل: " بسم الله الرحمن الرحيم لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم إياك نعبد وإياك نستعين "، فإن الله تعالى يدفع بها البلاء. (مكارم الأخلاق لرضي الدين الطبرسي ص 337). فالحذر الحذر من الروايات المدسوسة التي تدعوا الى عبادة غير الله والإشراك به والى الإنصراف والتوجه الى غيره سبحانه وتعالى، فما جاء محمد بن عبد الله إلا بتجريد التوحيد لله تعالى وإخلاص الدين له وحده لا شريك له.
cover-313

لا إفراط ولا تفريط

الأئمة ينهون عن اتخاذ الصور والتماثيل

من نظر في تاريخ الأمم الغابرة وجد أن وقوع الشرك والكفر والإنحراف فيها جاء من أمرين، إما من تعظيم النجوم والكواكب وعبادتها، كما كان في قوم إبراهيم عليه السلام، أو من اتخاذ الصور والتماثيل والأوثان كما كان عليه قوم نوح عليه السلام، ففي الصحيح عن عبدالله بن عباس عليه السلام في قول الله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح:23] قال: «هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت». فعن أمير المؤمنين علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جنازة، فقال أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنا الا كسره ولا قبرا الا سواه ولا صورة الا لطخها ؟ فقال ( رجل ): أنا يا رسول، فانطلق فهاب أهل المدينة، فرجع، فقال علي: أنا أنطلق يا رسول الله، قال فانطلق، فانطلق ثم رجع، فقال يا رسول الله لم أدع بها وثنا الا كسرته ولا قبرا الا سويته، ولا صورة الا لطختها. (معالم المدرستين السيد مرتضى العسكري ج 1 ص51). وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتاني جبرائيل فقال: يا محمد إن ربك ينهى عن التماثيل. (بحار الأنوار للمجلسي - ج 76 - الصفحة 287). وعن أمير المؤمنين أنه قال لأبي الهياج الاسدي: أبعثك فيما بعثني رسول الله، أمرني أن أسوي كل قبر واطمس كل صنم. (معالم المدرستين السيد مرتضى العسكري ج 1 ص52). وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: بعثني رسول الله إلى المدينة فقال: لا تدع صورة إلا محوتها، ولا قبرا إلا سويته، ولا كلبا إلا قتلته. (وسائل الشيعة ج 3 ص209). وعن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من حدد قبراً أو مثل مثالا فقد خرج عن الإسلام. (وسائل الشيعة ج 3 ص208). فهذه مجموعة من الروايات التي جاءت عن الأئمة الأطهار في النهي عن اتخاذ التماثيل والصور وتعظيمها وبيان حرمة ذلك وأنه سبب للوقوع في الشرك والخروج من الإسلام والعياذ بالله.
cover-312

حقوق آل البيت

بغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم

اعلم أن بغض آل بيت النبي صلوات ربي وسلامه عليه منكرٌ عظيمٌ وفعلٌ قبيحٌ، لا يُقدِم عليه إلا من امتلأ قلبه بالغل والحقد والنفاق، فالأصل بذل المحبة لهم لا البغض والعدوان، فالواجب على كل مسلم أن يحب في الله ويبغض في الله، يحب المؤمنين ويكره الكافرين ويحب أهل بيت رسول الله الطاهرين. قال أهل العلم: ونحب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. فعن عن عبد الله بن عباس عليه السلام، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " يا بني عبد المطلب ، إني سألت الله لكم ثلاثاً: أن يثبت قائمكم، وأن يهدي ضالكم، وأن يعلم جاهلكم، وسألت الله أن يجعلكم جوداء نجداء رحماء، فلو أن رجلاً صفن بين الركن والمقام فصلى، وصام ثم لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار ". وعن أبي سعيد الخدري قال: قتل قتيل على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة فصعد المنبر خطيباً، فقال: " ما تدرون من قتل هذا القتيل بين أظهركم ؟ " ثلاثا قالوا: والله ما علمنا له قاتلا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " والذي نفسي بيده لو اجتمع على قتل مؤمن أهل السماء وأهل الأرض ورضوا به لأدخلهم الله جميعا جهنم، والذي نفسي بيده، لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أكبه الله في النار. فليحذر المؤمن التقي أن يحمل لآل بيت النبي شيئاً من البغض أو الكره أو العداوة، فيناله الوعيد الشديد ويهلك فيمن هلك.
cover-311

حقوق آل البيت

اليقين الجازم بأن نسبهم من أشرف الأنساب

ومن حقوقهم: اليقين الجازم بأن نسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونسب ذريته هو أشرف الأنساب، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم". فنسبهم هو من خير أنساب أهل الأرض على الإطلاق، وأشرفها وأعلاها ذروة ومكانة. فعن وعن المطلب بن أبي وداعة قال: جاء العباس عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكأنه سمع شيئا، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقال: (من أنا؟ قالوا: أنت رسول الله عليك السلام، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق، فجعلني في خيرهم ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا، وخيركم نفساً. وعن عمر بن أبي سلمة قال: نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب:33]، في بيت أم سلمة، فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فاطمة وحسنًا وحسينًا فجللهم بكساء، وعليٌ عليه السلام خلف ظهره فجلله بكساء، ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهِب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً». قال أهل العلم: وأما شرف نسبه، وكرم بلده، ومنشؤه فمما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، ولا بيان مشكل، ولا خفي منه، فإنه نخبة بني هاشم، وسلالة قريش وصميمها، وأشرف العرب، وأعزهم نفرا من قِبَل أبيه وأمه ومن أهل مكة من أكرم بلاد الله على الله وعلى عباده.
cover-310

فضائل آل البيت

فضل زينب عليها السلام

هي زينب بنت سيد ولد آدم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم القرشية الهاشمية، وأمها خديجة بنت خويلد، وكانت أكبر بناته صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ولدت قبل البعثة بمدة قيل إنها عشر سنين وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع العبشمي، وأمه هاله بنت خويلد خالة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وولدت زينب لأبي العاص علياً وأمامة فتوفي علي وهو صغير، وبقيت أمامة فتزوجها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت زينب عليها السلام من المهاجرات السيدات. وقد وردت جملة من الأحاديث في مناقبها وفضائلها: فعن عائشة زوج رسول الله: أن أبا العاص بن الربيع كان فيمن شهد بدراً مع المشركين فأسره عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري. فلما بعث أهل مكة في فداء أسراهم قدم في فداء أبي العاص أخوه عمر بن الربيع وبعثت معه زينب بنت رسول الله، وهي يومئذ بمكة، بقلادة لها كانت لخديجة بنت خويلد من جزع ظفار، وظفار جبل باليمن وكانت خديجة بنت خويلد أدخلتها بتلك القلادة على أبي العاص بن الربيع حين بنى بها، فبعثت بها في فداء زوجها أبي العاص، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، القلادة عرفها ورق لها وذكر خديجة وترحم عليها وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا إليها متاعها فعلتم. قالوا: نعم يا رسول الله فأطلقوا أبا العاص بن الربيع وردوا على زينب قلادتها وأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أبي العاص أن يخلي سبيلها إليه فوعده ذلك ففعل. وعن سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسل إليها أبو العاص بن الربيع أن خذي لي أماناً من أبيك، فخرجت فأطلعت رأسها من باب حجرتها والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصبح يصلي بالناس فقالت: أيها الناس: إني زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإني أجرت أبا العاص، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة قال: أيها الناس إنه لا علم لي بهذا حتى سمعتموه ألا وإنه يجير المسلمين أدناهم. ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة لزينب رضي الله عنها حيث قبل جوارها لزوجها وصار ذلك سنة للمسلمين إلى يوم القيامة، وهو أنه يجير على المسلمين أدناهم ولو كان امرأة. وعن أم عطية قالت: لما ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إغسلنها وتراً ثلاثاً أو خمساً واجعلن في الخامسة كافوراً أو شيئاً من كافور فإذا غَسَلْتُنَّهَا فأعلمنني قالت: فأعلمناها فأعطانا حقوه (إزاره) وقال.... أشعرنها إياه. ففي هذه الأحاديث بيان لمناقب وفضائل زينب بنت عليها السلام، وما لها من منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ كانت ممن تقدم إسلامهم، وممن حظيت بالهجرة حتى أوذيت في الله وصبرت وتحملت من الأذى ما كان سبباً في وفاتها، وقد انتقلت إلى الرفيق الأعلى في أول السنة الثامنة من الهجرة.
cover-309

فضائل آل البيت

فضائل الزهراء في السنة الغراء

جاءت في السنة النبوية أحاديث كثيرة تدل على فضل الزهراء وشرفها وعلو كعبها ومكانتها عند أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشدة قربها منه، نسوق جملة منها للقارئ حتى يتبين له فضلها عليها السلام وعلى ذريتها وآل بيتها. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حَسْبُك مِنْ نساءِ العالَميَن أَرْبَع: مَرْيمَ وَآسيَة وَخَديجَة وَفاطِمَة. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خَيْرُ نِساءِ العالَمين أَرْبَع: مَرْيمَ وَآسيَة وَخَديجَة وَفاطِمَة. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سيّدَةُ نِساءِ أَهْلِ الجَنَّةِ فاطِمَة. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فمَن أغْضَبَها أغْضَبَنِي. وفي رواية: يَريُبنِي مَا أرَابَهَا ويُؤذينِي مَا آذَاهَا. وفي رواية: "إنمَا فَاطِمَة بِضعَةٌ مِني يُؤذِينِي مَا آذَاهَا. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحسنُ والحسينُ سيِّدا شبابِ أَهلِ الجنَّةِ وفاطمةُ سيِّدةُ نسائِهم إلَّا ما كانَ لمريمَ بنتِ عمرانَ. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أَمَا تَرْضَيْنَ أنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ -أوْ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ؟ فَضَحِكْتُ لذلكَ. و لمَّا تغشَّى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الكَرْبُ كان رأسُه في حِجْرِ فاطمةَ فقالت فاطمةُ : واكرباهُ لِكَرْبِك اليومَ يا أبتاهُ فرفَع رأسَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقال : ( لا كَرْبَ على أبيكِ بعدَ اليومِ يا فاطمةُ ) فلمَّا تُوفِّي قالت فاطمةُ : واأبتاهُ أجاب ربًّا دعاهُ واأبتاهُ مِن ربِّه ما أدناهُ واأبتاهُ إلى جنَّةِ الفِرْدَوْسِ مأواهُ واأبتاهُ إلى جِبريلَ أنعاهُ قال أنَسٌ : فلمَّا دفَنَّاه مرَرْتُ بمنزِلِ فاطمةَ فقالت : يا أنَسُ أطابت أنفسُكم أنْ تحثُوا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم التُّرابَ. ولما زوَّج النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم عليًّا فاطمةَ قالت فاطمةُ يا رسولَ اللهِ زوجتني من رجلٍ فقيرٍ ليس له شيءٌ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم أفما ترضينَ يا فاطمةُ أن اللهَ اختار من أهلِ الجنةِ رجلينِ أحدَهما أباك والآخرَ زوجَك. وعن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً وهدياً ودلاً، وقال الحسن: حديثاً وكلاماً – ولم يذكر الحسن السمت والهدى والدل – برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فاطمة كرم الله وجهها: كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها. فهذه جملة يسيرة من فضائلها وخصائصها عليها السلام وإلا ففضائلها كثيرة، كيف لا وهي ابنة رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وزوجة أمير المؤمنين وأم سيدا شباب أهل الجنة، عليهم السلام أجمعين.
cover-308

النواصب وآل البيت

ذم الخوارج في السنة النبوية

قد جاءت أحاديث كثيرة في ذم مذهب الخوارج وبيان خطره وفساده، نسوق للقارئ جملة منها، حتى يعلم صفاتهم كما جاءت في السنة النبوية فيحذرها ويبتعد عنها لاسيما وهم من ألد أعداء أمير المؤمنين وآل بيته الطاهرين. قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: "يأتي في آخر الزمان قومٌ حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يمرقون من الإسلام كما يرق السهم من الرمية". وقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: "ينشأ نشء يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع"، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كلما خرج قرن قطع أكثر من عشرين مرة حتى يخرج في عراضهم الدجال". وقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: "من قاتلهم كان أولى بالله منهم لمأجور قاتلهم"، وفي رواية آخرى: "طوبى لمن قتلهم وقتلوه". وقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان"، وفي رواية: "يقاتلون أهل الإيمان ويتركون أهل الأوثان". وقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: "هم شر الخلق أو أشر الخلق"، وفي رواية: "هم شر الخلق والخليقة"، وفي رواية: "شر الخلق والخليقة". وقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: "يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء"، وفي رواية: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم". وقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، وفي رواية: "يمرقون من الإسلام". وقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: "الخوارج كلاب النار"، وفي حديث آخر: "كلاب النار، كلاب النار ثلاثاً". فهذه جملة يسيرة مما جاء في ذم فرقة الخوارج في السنة النبوية، وإلا فأوصافهم كثيرة، سقناها لك أيها القارئ حتى تحذرها وتجتنبها وتَحذَر من كل أنواع الغلو في الدين.
cover-307

النواصب وآل البيت

الخوارج هم النواصب

من أخبث الفرق الناصبية على مر التاريخ فرقة الخوارج، فمن هم الخوارج وما هي عقائدهم وما هي فرقهم !! الخوارج: فرقة قديمة محسوبة على الإسلام، ظهرت في السنوات الأخيرة من خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، واشتهرت بالخروج على أمير المؤمنين عليه السلام علي بن أبي طالب بعد معركة صفين سنة 37 هجرية، وقد عرف الخوارج على مدى تاريخهم بالغلو في الدين والتكفير والإنحراف والتطرف. قال أصحاب الملل والنحل: «كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجياً، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين لهم بإحسان والأئمة في كل زمان». وأهم عقائدهم: تكفير أصحاب الكبائر، ويقولون بخلودهم في النار، وينكرون شفاعة النبي يوم القيامة، وكفروا عثمان وعلي وطلحة والزبير وعائشة، وقبل ذلك اعترض رأسهم ذو الخويصرة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويتدينون بالخروج على الحكام الظلمة والفسقة، وهم فرق شتى. أهم فرقهم على مر التاريخ: الحرورية والنواصب والمارقة والشراة والبغاة والمُحَكِّمة، وأشهر أسماءهم الخوارج لأنهم خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ولم يرجعوا معه إلى الكوفة واعتزلوا صفوفه ونزلوا بحروراء في البداية، حتى قتلهم أمير المؤمنين عليه السلام شر قتلة. وهذا تعريف وجيز بأشهر فرقهم: الحرورية: نسبة إلى حروراء، بلدة قرب الكوفة، ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج حروري لأن أول فرقة منهم خرجوا على أمير المؤمنين بها فاشتهروا بالنسبة إليها. ووردت هذه التسمية في قول السيدة عائشة: «أحرورية أنت» قالته للمرأة التي استشكلت قضاء الحائض والصوم دون الصلاة. الشراة: نسبة إلى الشراء المذكور في الآية (111) من سورة التوبة، وهم يفتخرون بهذه التسمية ويسمون من عداهم بذوي الجعائل: أي يقاتلون من أجل الجُعْل الذي بذل لهم. المارقة: لتنطبق عليهم أحاديث المروق الواردة في السنة النبوية، في مروقهم من الدين كمروق السهم من الرمية. المُحَكِّمة: من أول أسمائهم التي أطلقت عليهم وقيل أن السبب في إطلاقه عليهم إما لرفضهم تحكيم الحكمين وإما لتردادهم شعارهم "لا حكم إلا لله". النواصب: وأما تسميتهم بالنواصب فلمبالغتهم في نصب العداء لأمير المؤمنين عليه السلام. أهل النهروان: نسبة إلى معركة النهروان إحدى المواقع التي خاضوها في ثوراتهم، والتي أجهز فيها عليهم أمير المؤمنين وقتلهم فيها شر قتلة.
cover-306

فوائد

مَن بطَّأ به عملُه لَم يُسرع به نسبُه

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه). النسب بدون عمل صالح لا يفيد صاحبه شيئاً، ولكن كونه يجمع بين النسب الشريف وبين العمل الصالح فيكون قد جمع بين الحسنيين، فقد رفع الإسلام سلمان الفارسي، وهو من الفرس وليس من العرب، ووضع أبا لهب وهو من بني هاشم، وهو ابن عبد المطلب، وعم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن كفره وعدم إيمانه وضعه، ولم يستفد بنسبه شيئاً، قال الله تعالى عنه: ( تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ  *  مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ  *  وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ  *  فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ) فالعبرة ليست بالأنساب وإنما هي بالأعمال الصالحة وبتقوى الله عز وجل، فولاية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إنما تنال بالتقوى والعمل الصالح لا بمجرد الإنتساب مع الفراغ من الإتباع وعمل الصالحات. ومن لَم يوَفق للإيمان والعمل الصالح، فإنَّ شرفَ النَّسَب لا يُفيده شيئاً، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)، وقال تعالى: ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا)، فمَن أبطأ به عملُه أن يبلُغَ به المنازلَ العاليةَ عند الله تعالى لَم يُسرِع به نسبُه، فيبلغه تلك الدَّرجات، فإنَّ اللهَ رتَّب الجزاءَ على الأعمال لا على الأنساب، كما قال تعالى: { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ }، وقد أمر الله تعالى بالمسارعةِ إلى مغفرتِه ورحمتِه بالأعمال، كما قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُم مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ). أنشد بعضهم: لعـمرُك مـا الإنـسانُ إلاَّ بدينه فلا تترك التقوى اتِّكالاً على النَّسب لقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارسٍ وقد وضع الشركُ النَّسِيبَ أبا لهب.
cover-305

حقوق آل البيت

نفي الدخيل عليهم والمنتسب إليهم زوراً

قال بعضهم:  والدَّعاوى إن لم تقيموا عليها بيِّنات أصحابها أدْعيَاءُ. ومذهب آل البيت الطاهرين قد انتسب إليه كثير من الأدعياء وتلبس به وبمحبته كثير من أصحاب الدعاوى الفارغة، وعند التمحيص تجده من أعداء هذا المذهب، بل من المشوهين له ومن الذين يدسون فيه ما ليس منه وما لا صلة له به إطلاقاً، على نهج وطريقة الغلاة والقرامطة والباطنية الذين يظهرون الحب والاتباع والنصرة لهذا المذهب وسرعان ما يتمكنون فيظهرون النفاق والمخالفة والبدع، وقد ذكر أهل التأريخ أن القرامطة أظهروا الانتساب لمذهب أهل البيت وأعلنوا ذلك حتى لما أحسنت الناس بهم الظن، أظهروا البدع والضلالات وأباحوا ما حرم الله تعالى واستباحوا الفواحش والحرمات، حتى قطع الله ظهورهم واضمحل ذكرهم على مر التاريخ، فلا يذكرون إلا بالذم، وإليك نماذج من كلام أئمة آل البيت في شأن من انتسب إليهم زورًا وبهتاناً نسوق لك منه شيئاً ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة. قال أمير المؤمنين عليه السلام: (لو ميزت شيعتي لما وجدتـهم إلا واصفة، ولو امتحنتهم لما وجدتـهم إلا مرتدين، ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد). (الكافي/الروضة 8/338). وقال لهم أيضا موبخاً: منيت بكم بثلاث، واثنتين: (صم ذوو أسماع، وبكم ذوو كلام، وعمي ذوو أبصار، لا أحرار صدق عند اللقاء، ولا إخوان ثقة عند البلاء).(نـهج البلاغة 142). وقال الإمام الحسين عليه السلام في دعائه على شيعته: (اللهم إن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترض الولاة عنهم أبداً، فإنـهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا فقتلونا). (الإرشاد للمفيد 241). وخاطبهم مرة أخرى ودعا عليهم، فكان مما قال: (لكنكم استسرعتم إلى بيعتنا كطيرة الدبا، وتـهافتم كتهافت الفراش، ثم نقضتموها، سفهاً وبعداً وسحقاً لطواغيت هذه الأمة وبقية الأحزاب ونبذة الكتاب، ثم أنتم هؤلاء تتخاذلون عنا وتقتلوننا، ألا لعنة الله على الظالمين). (الاحتجاج 2/24). وقال الإمام زين العابدين عليه السلام لأهل الكوفة: (هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق ثم قاتلتموه وخذلتموه .. بأي عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول لكم: قاتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي فلستم من أمتي). (الاحتجاج 2/32). وقال أيضاً عنهم: (إن هؤلاء يبكون علينا فمن قتلنا غيرهم؟) (الاحتجاج 2/29). وقال الباقر عليه السلام: (لو كان الناس كلهم لنا شيعة لكان ثلاثة أرباعهم بنا شكاكاً والربع الآخر أحمق). (رجال الكشي 79). وقال الصادق عليه السلام: (أما والله لو أجد منكم ثلاثة مؤمنين يكتمون حديثي ما استحللت أن أكتمهم حديثاً). (أصول الكافي 1/496). ويتبين من هذه الروايات التي سقناها أن كثيراً ممن يتنسب إلى هذا المذهب ويدعي محبته وموالاته ونصرته أن ذلك من قبيل الدعاوى فقط لا الحقيقة، والروايات هذه تبين براءة أئمة البيت من كثير ممن يزعم الانتساب لهم، فالانتساب يكون بالحق والحقيقة لا بالدعاوى والأباطيل. فمن حقوقهم إظهار مذهبهم الصافي على حقيقته حتى لا يختلط ويلتبس بغيره من المذاهب الباطلة والمحدثة والمزورة ، وذلك بفضح المنتسبين له زوراً وظلماً، حتى يميز الله الخبيث من الطيب، قال الله تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، ( الأنفال - 37).
cover-304

حقوق آل البيت

نبذ الغلو فيهم

لا شك أن الغلو في آل بيت النبي صلوات ربي وسلامه عليهم مجاوزة للحد وتعدٍ في حقهم وإنزالهم المنزلة التي لم ينزلها الله تعالى لهم، ومخالفة لهم إذ هم على الحقيقة لا يرضون بالغلو فيهم، وهذه جملة من الآثار التي جاءت عنهم في التحذير من ذلك نسوق شيئاَ منها. قال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام: "يهلك فيّ اثنان ولا ذنب لي: مُحبٌ مفرط ومبغض مفرط، وأنا أبرأ إلى الله تبارك وتعالى ممن يغلو فينا ويرفعنا فوق حدنا كبراءة عيسى ابن مريم عليه السلام من النصارى. قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). [المائدة: 116 – 117]. ثم قال عليه السلام: فمن ادّعى للأنبياء ربوبية، وادّعى للأئمة ربوبية أو نبوة أو لغير الأئمة إمامة، فنحن منه براء في الدنيا والآخرة".(الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 2، ص 217، الباب 46، ح، 1). وعن الفضيل بن عثمان، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: "اتقوا الله وعظموا الله، وعظموا رسول الله صلى الله عليه وآله. ولا تفضلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله أحداً، فإن الله سبحانه وتعالى فضّله. وأحبّوا أهل بيت نبيكم حبّاً مقتصداً ولا تغلو ولا تفرقوا. ولا تقولوا ما لا نقول. فإنكم إن قلتم وقلنا، ومتم ومتنا، ثم بعثكم الله وبعثنا، فكنا حيث يشاء الله وكنتم".(الحميري، قرب الإسناد، الحديث، 452، ص 129). وقال صالح بن سهل، كنت أقول في الصادق عليه السلام ما تقول الغلاة، فنظر إليّ وقال: "ويحك يا صالح، إنّا والله عبيدٌ مخلوقون لنا ربٌّ نعبده، وإن لم نعبده عذّبنا".(المازندراني، مناقب آل أبي طالب، ج 3، ص 347). فتبين من هذه الأخبار التي جاءت عنهم عليهم السلام أنهم يحذرون أشد التحذير من الغلو فيهم ورفعهم الى المقامات التي لم يأذن الله تعالى فيها لأحد من عباده، فالتوسط في هذا الباب هو المطلوب في حقهم وجنبهم عليهم السلام.
cover-303

فضائل آل البيت

فضائل آل البيت في السنة النبوية المطهرة

أما عن فضلهم وفضائلهم في سنة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه فهي كثيرة جداً نسوق شيئاً منها: فعن واثلةَ بنِ الأسْقَع قال: سمعتُ رسولَ الله يقول: (( إنَّ اللهَ اصطفى كِنانَةَ مِن ولدِ إسماعيل، واصطفى قريشاً من كِنَانَة، واصطفى مِن قريشٍ بَنِي هاشِم، واصطفانِي مِن بَنِي هاشِم )). وعن عائشةَ قالت: (( خرج النَّبِيُّ غداةً وعليه مِرْطٌ مُرَحَّل مِن شَعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمَّ جاء الحُسين فدخل معه، ثمَّ جاءت فاطمةُ فأدخلَها، ثمَّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمَّ قال: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } )). وعن سَعد بن أبي وقَّاص قال: (( لَمَّا نزلت هذه الآيةُ { فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ } دعا رسولُ الله عليًّا وفاطمةَ وحَسناً وحُسيناً، فقال: اللَّهمَّ هؤلاء أهل بيتِي )). وعن يزيد بن حيَّان قال: (( انطلقتُ أنا وحُصين بن سَبْرة وعمر بنُ مسلم إلى زيد بنِ أرقم، فلمَّا جلسنا إليه، قال له حُصين: لقد لقيتَ - يا زيد! - خيراً كثيراً ، رأيتَ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسمعتَ حديثَه، وغزوتَ معه، وصلَّيتَ خلفه، لقد لقيتَ - يا زيد! - خيراً كثيراً، حدِّثْنا - يا زيد! - ما سَمعتَ من رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: يا ابنَ أخي! والله! لقد كَبِرَتْ سِنِّي، وقَدُم عهدِي، ونسيتُ بعضَ الذي كنتُ أعِي من رسول الله ، فما حدَّثتُكم فاقبلوا، وما لا فلا تُكَلِّفونيه، ثمَّ قال: قام رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فينا خطيباً بماءٍ يُدعى خُمًّا، بين مكة والمدينة، فحمِد اللهَ وأثنى عليه، ووعظ وذكَّر، ثم قال: أمَّا بعد، ألا أيُّها الناس! فإنَّما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسولُ ربِّي فأُجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثَقَلَيْن؛ أوَّلُهما كتاب الله، فيه الهُدى والنُّور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه ثم قال: وأهلُ بَيتِي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهل بيتِي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهل بيتِي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهل بيتِي، فقال له حُصين: ومَن أهلُ بيتِه يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيتِه؟ قال: نساؤه مِن أهل بيتِه ولكن أهلُ بيتِه مَن حُرِم الصَّدقةُ بعده، قال: ومَن هم؟ قال: هم آلُ عليٍّ، وآلُ عَقيل، وآلُ جعفر، وآلُ عبَّاس، قال: كلُّ هؤلاء حُرِم الصَّدقة؟ قال: نعم! )). وفي لفظ: (( فقلنا: مَن أهلُ بيتِه؟ نساؤه؟ قال: لا، وايمُ الله! إنَّ المرأةَ تكون مع الرَّجل العصرَ من الدَّهر، ثم يُطلِّقها، فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيتِه أصلُه وعَصَبتُه الذين حُرِموا الصَّدقة بعده )). وعن ابن عباس: (( أنَّه سُئل عن قوله { إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى }،فقال: إنَّ النَّبِيَّ لم يكن بطنٌ من قريش إلاَّ كان له فيهم قرابة، فقال: إلاَّ أن تَصِلُوا ما بيني وبينكم من قرابة )). وعن جابر بن عبدالله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء، يخطب، فسمعته يقول: ((يا أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي)). والأحاديث والأخبار في فضلهم وفضائلهم وعلو شأنهم كثيرة جداً سقنا منها هذا النزر اليسير كي لا نطيل على القاريء والمستفيد، صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.
cover-302

لا إفراط ولا تفريط

لعن الله من ذبح لغير الله

صح عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض. من المعلوم بالأدلة من الكتاب والسنة أن التقرب بالذبح لغير الله من الأولياء أو الجن أو الأصنام أو غير ذلك من المخلوقات شرك بالله ومن أعمال الجاهلية والمشركين، قال الله عز وجل: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام:162] والنسك هو الذبح، وبين سبحانه في هذه الآية أن الذبح لغير الله شرك بالله كالصلاة لغير الله. وقال تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَفَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر:1-2] أمر الله سبحانه نبيه في هذه السورة الكريمة أن يصلي لربه وينحر له، خلافا لأهل الشرك الذين يسجدون لغير الله ويذبحون لغيره، والذبح من العبادة فيجب إخلاصه لله تعالى وحده. فعن العباس بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: إن هؤلاء العوام يزعمون أن الشرك أخفى من دبيب النمل في الليلة الظلماء على المسح الأسود، فقال: لا يكون العبد مشركا حتى يصلي لغير الله أو يذبح لغير الله أو يدعو لغير الله عز وجل. أنظر: موسوعة أحاديث أهل البيت (ع) - الشيخ هادي النجفي - ج 7 - الصفحة 354.
cover-301

لا إفراط ولا تفريط

ولا يشفعون إلا لمن ارتضى

إن الشفاعة حق من حقوق الله تعالى وليس لأحد من خلقه حق ولا تصرف فيها كما قال سبحانه وتعالى: (قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا)، ومن عظمته وكماله وكبريائه جعلها حقاً خالصاً له وحده ولا تنال إلا يوم القيامة، وذلك برضاه عز وجل عن الشافع والمشفوع، فالشافع يكون ممن رضي الله عنه ورضي قوله وعمله والمشفوع فيه أن يكون من أهل التوحيد لا من أهل الشرك والتنديد، فالشفاعة لها شرطان، الأول رضاه تعالى عن الشافع بأن يكون أهلاً للشفاعة والثاني رضاه عن المشفوع له بأن يكون من أهل الأخلاص والتوحيد، فمن لقيه بالشرك يكون قد أبطل الشفاعة في حق نفسه وحرم منها، لأنه سبحانه لا يرضى من القول والعمل إلا ما كان صواباً خالصاً لوجهه وما كان على طريقة رسوله المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه. فعن محمد بن أبي عمير قال : سمعت موسى بن جعفر عليهما السلام يقول: لا يخلد الله في النار إلا أهل الكفر والجحود ، وأهل الضلال والشرك . ومن اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر ، قال الله تبارك وتعالى : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً. قال فقلت له : يابن رسول الله فالشفاعة لمن تجب من المذنبين ؟ قال : حدثني أبي عن آبائه عن علي عليهم السلام قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنما شفاعتي لاَهل الكبائر من أمتي ، فأما المحسنون منهم فما عليهم من سبيل. قال ابن أبي عمير فقلت له : يابن رسول الله فكيف تكون الشفاعة لاَهل الكبائر والله تعالى ذكره يقول : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ؟ ومن يرتكب الكبائر لا يكون مرتضى ! فقال : يا أبا أحمد مامن مؤمن يرتكب ذنباً إلا ساءه ذلك وندم عليه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كفى بالندم توبة. وقال صلى الله عليه وآله : من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن ولم تجب له الشفاعة ، وكان ظالماً والله تعالى ذكره يقول : ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع. فقلت له : يا ابن رسول الله وكيف لا يكون مؤمناً من لم يندم على ذنب يرتكبه ؟ فقال : يا أبا أحمد ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم أنه سيعاقب عليها إلا ندم على ما ارتكب ، ومتى ندم كان تائباً مستحقاً للشفاعة ، ومتى لم يندم عليها كان مصراً ، والمصر لا يغفر له ، لاَنه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب ، ولو كان مؤمناً بالعقوبة لندم . وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا كبيرة مع الاِستغفار ، ولا صغيرة مع الاِصرار . وأما قول الله عز وجل: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، فإنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه ، والدين الاِقرار بالجزاء على الحسنات والسيئات ، فمن ارتضى الله دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب ، لمعرفته بعاقبته في القيامة. أنظر: وسائل الشيعة ج 11 ص 266 ، وفي تفسير نور الثقلين ج 4 ص 517، التوحيد للصدوق ص 407.  وقيل للرضا عليه السلام : يا بن رسول الله فما معنى قول الله تعالى : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ؟ قال : لا يشفعون إلا لمن ارتضى دينه ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : شفاعتي لاَهل الكبائر من أمتي ما خلا الشرك والظلم. أنظر: روضة الواعظين ص 501.
cover-300

فوائد

حياة الخضر عليه السلام بين الحقيقة والخرافة

جاء عند الشيخ الصدوق في كمال الدين عن الحسن بن علي بن فضال قال: سمعتُ أبا الحسن علي بن موسى الرضا (ع) يقول: "إنَّ الخضر عليه السلام شرب من ماء الحياة، فهو حيٌّ لا يموت حتى يُنفخ في الصور". أنظر: (كمال الدين وتمام النعمة ص 390). فهذا الخبر فيه أن الخضر عليه السلام لا يزال حياً، ولا يقبض حتى تقوم الساعة، وهذا مردود من عدة وجوه كما قرره المحققون من أهل العلم. قال أهل العلم: الصحيح أن الخضر مات من دهر طويل قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، وليس لوجوده حقيقة، بل هذا كله باطل وليس له وجود، وهذا هو الصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم، فالخضر عليه السلام مات قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، بل قبل مبعث عيسى عليه السلام. والصحيح أن الخضر نبي كما دل عليه ظاهر القرآن الكريم، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء أولاد عَلات، وليس بيني وبينه نبي فدل على أن الخضر قد مات قبل ذلك، ولو فرضنا أنه ليس نبياً وأنه رجل صالح لكان اتصل بالنبي ﷺ، لو فرضنا أنه لم يتصل لكان مات على رأس مائة سنة كما قال عليه الصلاة والسلام في آخر حياته: أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد فدل ذلك على أن من كان موجودًا في ذلك الوقت لا يبقى بعد مائة سنة بنص النبي عليه الصلاة والسلام أنهم يموتون قبل انخرام المائة. وفيه كذلك أن الخضر عليه السلام لو كان حياً لخرج وظهر وبايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآزره وأعانه على دعوته، وهذا لم يحدث ولم نسمع به في سيرة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه  وعلى آل بيته الطاهرين، فتبين بذلك أنه بشر من جملة البشر المحكوم عليه بالفناء والموت بحلول آجالهم، قال الله عز وجل: { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ } [ الأنبياء: 34 ].
cover-299

فضائل آل البيت

فضائل أمير المؤمنين في سنة النبي الأمين

قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث كثيرة في فضائل أمير المؤمنين علي عليه السلام، نسوق شيئاً منها. عن زر قال: قال عليٌّ عليه السًلامُ: «والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إليّ أن لا يحبني إلاّ مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافق». وجاء من حًدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ خَرجَ إِلَى تَبُوكَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا فَقَالَ: أَتخَلفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ قَالَ: «أَلاَ تَرْضى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هارونَ مِنْ موسى إِلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي». ومًا صًحً عن رًسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَقُولُ، يَوْمَ خَيْبَرَ: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلاً يَفتَحُ اللهُ عَلَى يَديْهِ». فَقَامُوا يَرْجُونَ لِذلِكَ، أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا وَكُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطِي فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيٌّ؟» فَقِيلَ: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَأَمَرَ، فَدُعِي لَهُ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ، فَبَرَأَ مَكَانَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ شَيْءٌ فَقَالَ: نقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ: «عَلَى رِسْلِكَ، حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَوَاللهِ لأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». ومن حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ  قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ عليه السًلامُ عنه تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَيْبَرَ، وَكَانَ بِهِ رَمَدٌ فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ عَلِيٌّ، فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا فِي صَبَاحِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ أَوْ قَالَ: لَيَأْخُذَنَّ غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، أَوْ قَالَ: يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْهِ». فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ، وَمَا نَرْجُوهُ فَقَالُوا: هذَا عَلِيٌّ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ. ومن حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ علِيًّا فِي الْبَيْتِ فَقَالَ: «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟» قَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ، فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لإِنْسَانٍ: «انْظُرْ أَيْنَ هُوَ». فَجَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِوآله وَسَلَّمَ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُهُ عَنْهُ، وَيَقُولُ: «قُمْ أَبا تُرَابٍ قُمْ أَبَا تُرَابٍ». والأحاديث في فضله وعلو مكانته ومنزلته كثيرة سقنا منها هذا النزر اليسير، عليه السلام وعلى آل بيته الطاهرين.
cover-298

النواصب وآل البيت

الطعن في العباس وابنه عبدالله عليهما السلام

قال الله عز وجل: (وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا) ( الإسراء - 72). جاء في تفسير القمِّي عن الإمام زين العابدين (ع) أنَّ هذه الآية نزلت في عبد الله بن عباس وفي أبيه العباس عليهما السلام وكذلك أورد الرواية نفسها العياشي في تفسيره والكشي في اختيار معرفة الرجال. أنظر تفسير القمي -علي بن إبراهيم القمي- ج2 / ص23، تفسير العياشي -محمد بن مسعود العياشي- ج2 / ص305، اختيار معرفة الرجال رجال الكشي ج1 / ص273-274. فانظر الى هذه الروايات التي جاءت عند الغلاة والتي فيها طعن صريح في العباس وابنه عبدالله عليهما السلام وتنزيل لتفسير هذه الآية الكريمة غير منزلها، وهذا مسلك خبيث من مسالك النواصب الحاقدين على آل البيت، ولا يخفى علي عاقل فضل أبي الفضل العباس عليه السلام وفضل ابنه عبدالله حبر هذه الأمة وترجمان القرآن عليهما رضوان الله تعالى. وقد جاء عند أهل العلم والتحقيق في تفسير هذه الآية ما يلي: { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ } الدنيا { أَعْمَى } عن الحق فلم يقبله، ولم ينقد له، بل اتبع الضلال. { فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى } عن سلوك طريق الجنة كما لم يسلكه في الدنيا، { وَأَضَلُّ سَبِيلًا } فإن الجزاء من جنس العمل. وقيل : من كان في هذه الدنيا أعمى عن الاعتبار فهو في الآخرة أعمى عن الاعتذار . وقيل كذلك: من كان في هذه الدنيا ضالا كافرا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته .  قال  الحلِّي في الخلاصة: "عبد الله بن العباس، من أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، كان مُحبًّا لعليٍّ (عليه السلام) وتلميذه، حالُه في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين (عليه السلام) أشهر مِن أنْ يخفى. وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمَّن قدحًا فيه، وهو اجلُّ من ذلك، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير وأجبنا عنها رضي الله تعالي عنه" أنظر(خلاصة الأقوال - ص190). وقال ابنُ داود الحلِّي في رجاله: "عبد الله بن العباس (رضي الله عنه) حالُه أعظمُ من أنْ يُشار إليه في الفضل والجلالة ومحبَّةِ أمير المؤمنين (عليه السلام) وانقيادِه إلى قوله" أنظر(رجال ابن داود -الحسن بن علي بن داود الحلِّي- ص121).
cover-297

النواصب وآل البيت

الذين يتدينون بالنصب

للنصب صورة غالية، ومنه ما دون ذلك، والغلوّ في النصب له صورتان: الأولى: تكفير الخوارج لأمير المؤمنين علي عليه السلام بعد حادثة التحكيم المشهورة، فالخوارج ناصبة مكفّرة. الثانية: ما وقع من بعض ولاة بني أمية وعمالهم من سبّ أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، حيث انتشر سبّه على المنابر، حتى أبطل هذه العادة عمر بن عبد العزيز، وانتشار النصب في هذه الحقبة ثابت تاريخيًّا، وهذا كما يقول أهل العلم والتأريخ:من أعظم ما نقمه الناس على بني أمية، ففي بعضهم نصب ظاهر. وهذه البدعة القبيحة لم يتردّد العلماء في التحذير والتبرؤ منها، ونصّوا في مصنفاتهم وكتبهم على ذلك، فقالوا: ويتبرؤون من طريقة الغلاة الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم ويكفرونهم، ومن طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
cover-296

السيرة النبوية

سرية زيد بن حارثة إلى القردة

وهذه السرية هي آخر وأنجح سرية قام بها المسلمون قبل غزوة أحد، وحدثت في جمادى الآخرة من السنة الثالثة للهجرة. وكان سببها أن قريشا بعد غزوة بدر، خافت أن تسلك الطريق المعتادة الذي كانت تسلكه إلى الشام قبل غزوة بدر، فقالوا -وقد اقترب موسم رحلتهم في الصيف إلى الشام-: إن محمداً قد عور (أفسد) علينا متجرنا، وهو على طريقنا، فما ندري أين نسلك، فقال صفوان بن أمية: إن أقمنا بمكة أكلنا رؤوس أموالنا، فلم يكن لها من بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة. فقال الأسود بن عبد المطلب: أنا أدلكم على رجل يسلك بكم طريق النجدية -وهي طريق طويلة جدا تخترق نجد إلى الشام، وتمر في شرقي المدينة على بعد كبير منها، وكانت قريش تجهل هذه الطريق كل الجهل-. فقال صفوان بن أمية: من هذا الرجل -أي الدليل؟ قال: فرات بن حيان: من بني بكر بن وائل، فدعوه، فاستأجروه دليلا على الطريق، وخرجت عير قريش، وفيها مال كثير، وفضة كثيرة وزن ثلاثين ألف درهم، يقودها صفوان بن أمية، وقيل أبو سفيان بن حرب، فسلك بهم فرات بن حيان على ذات عرق طريق العراق. وقد بلغت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنباء هذه العير، وذلك أن نعيم بن مسعود الأشجعي قدم المدينة، وهو على دين قومه، فنزل على كنانة بن أبي الحقيق في بني النضير، فشرب معه الخمر، وعنده سليط بن النعمان -وكان قد أسلم- ولم تحرم الخمر يومئذ، فلما أخذت الخمر من نعيم تحدث بالتفصيل عن أمر العير وخطة سيرها، فخرج سليط من ساعته مسرعا إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبره بأمرهم. فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن حارثة، في مائة راكب يعترض عير قريش، فلقيهم على ماء من مياه نجد يقال له: القردة، فاستولى عليها كلها، ولم يكن من صفوان بن أمية ومن معه من حرس القافلة إلا الفرار بدون أي مقاومة.
cover-295

السيرة النبوية

غزوة بُحْران

وهي دورية قتال كبيرة، قوامها ثلاثمائة مقاتل، قادها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في شهر ربيع الآخر سنة 3 هـ إلى أرض يقال لها‏:‏ بحران ـ وهي مَعْدِن بالحجاز من ناحية الفُرْع ـ فأقام بها شهر ربيع الآخر ثم جمادى الأولى ـ من السنة الثالثة من الهجرة ـ ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق حرباً‏.‏
cover-294

السيرة النبوية

موقف اليهود من مقتل كعب بن الأشرف

ولما علمت اليهود بمصرع طاغيتها كعب بن الأشرف دب الرعب في قلوبهم العنيدة، وعلموا أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لن يتوانى في استخدام القوة حين يرى أن النصح لا يجدي نفعاً لمن يريد العبث بالأمن وإثارة الفتن والاضطرابات بين المسلمين وعدم احترام المواثيق، فلم يحركوا ساكناً لقتل طاغيتهم، بل لزموا الهدوء، وتظاهروا بإيفاء العهود، واستكانوا، وأسرعت الأفاعي إلى جحورها تختبئ فيها.‏
cover-293

السيرة النبوية

مقتل عدو الله كعب بن الأشرف

كان كعب بن الأشرف من أشد اليهود حنقاً على الإسلام والمسلمين، وإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتظاهرا بالدعـوة إلى حربه، ولما بلغه أول خبر عن انتصار المسلمين، وقتل صناديد قريش في بدر قال‏:‏ أحق هذا‏؟‏ هؤلاء أشراف العرب، وملوك الناس، والله إن كان محمدٌ أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها‏.‏ ولما تأكد لديه الخبر، انبعث عدو الله يهجو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، ويمدح عدوهم ويحرضهم عليهم، ولم يرض بهذا القدر حتى ركب إلى قريش، فنزل على المطلب بن أبي وَدَاعة السهمي، وجعل ينشد الأشعار يبكي فيها على أصحاب القَلِيب من قتلى المشركين، يثير بذلك حفائظهم، ويذكي حقدهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويدعوهم إلى حربه، وعندما كان بمكة سأله أبو سفيان والمشركون‏:‏ أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه‏؟‏ وأي الفريقين أهدي سبيلاً‏؟‏ فقال‏:‏ أنتم أهدي منهم سبيلا، وأفضل، وفي ذلك أنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً‏}‏‏‏.‏ ثم رجع كعب إلى المدينة على تلك الحال، وأخذ يشبب في أشعاره بنساء المسلمين، ويؤذيهم بسلاطة لسانه أشد الإيذاء‏.‏ وحينئذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏من لكعب بن الأشرف ‏؟‏ فإنه آذى الله ورسوله‏)‏، فانتدب له محمد بن مسلمة، وعَبَّاد بن بشر، وأبو نائلة ـ واسمه سِلْكَان بن سلامة، وهو أخو كعب من الرضاعة ـ والحارث بن أوس، وأبو عَبْس بن جبر، وكان قائد هذه المفرزة محمد بن مسلمة‏.‏ وتفيد الروايات في قتل كعب بن الأشرف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قال‏:‏ ‏‏(‏من لكعب بن الأشرف ‏؟‏ فإنه قد آذى الله ورسوله‏)‏، قام محمد بن مسلمة فقال‏:‏ أنا يا رسول الله، أتحب أن أقتله ‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(‏نعم‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فائذن لي أن أقول شيئاً‏.‏ قال‏:‏ ‏‏(‏قل‏)‏‏.‏ فأتاه محمد بن مسلمة، فقال‏:‏ إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عَنَّانا‏.‏ قال كعب‏:‏ والله لَتَمَلُّنَّهُ‏.‏ قال محمد بن مسلمة‏:‏ فإنا قد اتبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه‏؟‏ وقد أردنا أن تسلفنا وَسْقـًا أو وَسْقَين‏.‏ قال كعب‏:‏ نعم، أرهنوني‏.‏ قال ابن مسلمة‏:‏ أي شيء تريد‏؟‏ قال‏:‏ أرهنوني نساءكم‏.‏ قال‏:‏ كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب‏؟‏ قال‏:‏ فترهنوني أبناءكم‏.‏ قال‏:‏ كيف نرهنك أبناءنا فيُسَبُّ أحَدُهم فيقال‏:‏ رُهِن بوسق أو وسقين هذا عار علينا‏.‏ ولكنا نرهنك الَّلأْمَة، يعني السلاح‏.‏ فواعده أن يأتيه‏.‏ وصنع أبو نائلة مثل ما صنع محمد بن مسلمة، فقد جاء كعباً فتناشد معه أطراف الأشعار سويعة، ثم قال له‏:‏ ويحك يا بن الأشرف، إني قد جئت لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني‏.‏ قال كعب‏:‏ أفعل‏.‏ قال أبو نائلة‏:‏ كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء، عادتنا العرب، ورمتنا عن قَوْسٍ واحدة، وقطعتْ عنا السبل، حتى ضاع العيال، وجُهِدَت الأنفس، وأصبحنا قد جُهِدْنا وجُهِد عيالنا، ودار الحوار على نحو ما دار مع ابن مسلمة‏.‏ وقال أبو نائلة أثناء حديثه‏:‏ إن معي أصحاباً لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم، فتبيعهم وتحسن في ذلك‏.‏ وقد نجح ابن مسلمة وأبو نائلة في هذا الحوار إلى ما قصد، فإن كعباً لن ينكر معهما السلاح والأصحاب بعد هذا الحوار‏.‏ وفي ليلة مُقْمِرَة ـ ليلة الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة 3 هـ ـ اجتمعت هذه المفرزة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فشيعهم إلى بَقِيع الغَرْقَد، ثم وجههم قائلاً‏:‏ ‏‏(‏انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم‏)‏، ثم رجع إلى بيته، وطفق يصلى ويناجي ربه‏.‏ وانتهت المفرزة إلى حصن كعب بن الأشرف، فهتف به أبو نائلة، فقام لينزل إليهم، فقالت له امرأته ـ وكان حديث العهد بها‏:‏ أين تخرج هذه الساعة‏؟‏ أسمع صوتاً كأنه يقطر منه الدم‏.‏ قال كعب‏:‏ إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة أجاب، ثم خرج إليهم وهو متطيب ينفح رأسه‏.‏ وقد كان أبو نائلة قال لأصحـابـه‏:‏ إذا ما جاء فإني آخذ بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، فلما نزل كعب إليهم تحدث معهم ساعة، ثم قال أبو نائلة‏:‏ هل لك يا بن الاشرف أن نتماشى إلى شِعْب العجوز فنتحدث بقية ليلتنا‏؟‏ قال‏:‏ إن شئتم، فخرجوا يتماشون، فقال أبو نائلة وهو في الطريق‏:‏ ما رأيت كالليلة طيباً أعطر، وزهي كعب بما سمع، فقال‏:‏ عندي أعطر نساء العرب، قال أبو نائلة:‏ أتأذن لي أن أشم رأسك ‏؟‏ قال‏:‏ نعم ، فأدخل يده في رأسه فشمه وأشم أصحابه ‏.‏ ثم مشى ساعـة ثم قال‏:‏ أعود‏؟‏ قال كعب‏:‏ نعم، فعاد لمثلها،‏ حتى اطمأن‏.‏ ثم مشى ساعة ثم قال‏:‏ أعود‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فأدخل يده في رأسه، فلما استمكن منه قال‏:‏ دونكم عدو الله، فاختلفت عليه أسيافهم، لكنها لم تغن شيئاً، فأخذ محمد بن مسلمة مِغْوَلاً فوضعه في ثُنَّتِهِ، ثم تحامل عليه حتى بلغ عانته، فوقع عدو الله قتيلاً، وكان قد صاح صيحة شديدة أفزعت من حوله، فلم يبق حصن إلا أوقدت عليه النيران‏.‏ ورجعت المفرزة وقد أصيب الحارث بن أوس بذُبَاب بعض سيوف أصحابه فجرح ونزف الدم، فلما بلغت المفرزة حَرَّة العُرَيْض رأت أن الحارث ليس معهم، فوقفت ساعة حتي أتاهم يتبع آثارهم، فاحتملوه، حتي إذا بلغوا بَقِيع الغَرْقَد كبروا، وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكبيرهم، فعرف أنهم قد قتلوه، فكبر، فلما انتهوا إليه قال‏:‏ ‏‏(‏أفلحت الوجوه‏)‏، قالوا‏:‏ ووجهك يا رسول الله، ورموا برأس الطاغية بين يديه، فحمد الله على قتله، وتفل علي جرح الحارث فبرأ، ولم يؤذ بعده‏.‏
cover-292

السيرة النبوية

غزوة ذي أمر أو غطفان

وهي أكبر حملة عسكرية قادها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل معركة أحد، قادها في المحرم سنة 3 هـ‏.‏ وسببها أن استخبارات المدينة نقلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن جمعاً كبيراً من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا، يريدون الإغارة على أطراف المدينة، فندب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين، وخرج في أربعمائة وخمسين مقاتلاً ما بين راكب وراجل، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان‏.‏ وفي أثناء الطريق قبضوا على رجل يقال له‏:‏ جُبَار من بني ثعلبة، فأدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدعاه إلى الإسلام فأسلم، فضمه إلى بلال، وصار دليلاً لجيش المسلمين إلى أرض العدو‏.‏ وتفرق الأعداء في رءوس الجبال حين سمعوا بقدوم جيش المدينة‏.‏ أما النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد وصل بجيشه إلى مكان تجمعهم، وهو الماء المسمى ‏[‏بذي أمر‏]‏ فأقام هناك صفراً كله ـ من سنة 3 هـ ـ أو قريباً من ذلك، ليشعر الأعراب بقوة المسلمين، ويستولي عليهم الرعب والرهبة، ثم رجع إلى المدينة‏.‏
cover-291

السيرة النبوية

غزوة السَّوِيق

ثم توالت الغزوات والانتصارات والبشائر، فبينما كان صفوان بن أمية واليهود والمنافقون يقومون بمؤامراتهم وعملياتهم، كان أبو سفيان يفكر في عمل قليل المغارم ظاهر الأثر، يتعجل به، ليحفظ مكانة قومه، ويبرز ما لديهم من قوة، وكان قد نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمداً، فخرج في مائتي راكب ليبِرَّ يمينه، حتى نزل بصدْر قَناة إلى جبل يقال له‏:‏ ثَيبٌ، من المدينة على بَرِيد أو نحوه، ولكنه لم يجرؤ على مهاجمة المدينة جهاراً، فقام بعمل هو أشبه بأعمال القرصنة، فإنه دخل في ضواحي المدينة في الليل مستخفياً تحت جنح الظلام، فأتي حيي بن أخطب، فاستفتح بابه، فأبي وخاف، فانصرف إلى سَلاَّم بن مِشْكَم سيد بنِي النضير، وصاحب كنزهم إذ ذاك، فاستأذن عليه فأذن، فَقَرَاه وسقاه الخمر، وبَطَن له من خبر الناس، ثم خرج أبو سفيان في عقب ليلته حتى أتي أصحابه، فبعث مفرزة منهم، فأغارت على ناحية من المدينة يقال لها‏:‏ ‏[‏العُرَيض‏]‏، فقطعوا وأحرقوا هناك أصْوَارًا من النخل، ووجدوا رجلاً من الأنصار وحليفاً له في حرث لهما فقتلوهما، وفروا راجعين إلى مكة‏.‏ وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخبر، فسارع لمطاردة أبي سفيان وأصحابه، ولكنهم فروا ببالغ السرعة، وطرحوا سويقاً كثيراً من أزوادهم وتمويناتهم، يتخففون به، فتمكنوا من الإفلات، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قَرْقَرَةِ الكُدْر، ثم انصرف راجعاً‏،‏ وحمل المسلمون ما طرحه الكفار من سويقهم، وسموا هذه المناوشة بغزوة السويق‏.‏ وقد وقعت في ذي الحجة سنة 2 هـ بعد بدر بشهرين، واستعمل على المدينة في هذه الغزوة أبا لبابة بن عبد المنذر‏.‏
cover-290

السيرة النبوية

غزوة بني قينقاع

غزوة بني قينقاع الحصار ثم التسليم ثم الجلاء وحينئذ عِيلَ صبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاستخلف على المدينة أبا لُبَابة بن عبد المنذر، وأعطى لواء المسلمين حمزة بن عبد المطلب عليه السلام، وسار بجنود الله إلى بني قينقاع، ولما رأوه تحصنوا في حصونهم، فحاصرهم أشد الحصار، وكان ذلك يوم السبت للنصف من شوال سنة 2 هـ، ودام الحصار خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة، وقذف الله في قلوبهم الرعب ـ فهو إذا أرادوا خذلان قوم وهزيمتهم أنزله عليهم وقذفه في قلوبهم ـ فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم، فأمر بهم فكتفوا‏.‏ وحينئذ قام رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول بدور نفاقه، فألح على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يصدر عنهم العفو، فقال‏:‏ يا محمد، أحسن فـي موالي ـ وكـان بنـو قينـقاع حلفـاء الخزرج ـ فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكرر ابن أبي مقالته فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درعه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏أرسلني‏)‏، وغضب حتى رأوا لوجهه ظُللاً ، ثم قال‏:‏ ‏‏(‏ويحك، أرسلني‏)‏‏،‏ ولكن المنافق مضى على إصراره وقال‏:‏ لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة ‏؟‏ إني والله امرؤ أخشي الدوائر‏.‏ وعامل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا المنافق ـ الذي لم يكن مضي على إظهار إسلامه إلا نحو شهر واحد فحسب ـ عامله بالحسنى‏،‏ فوهبهم له، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذْرُعَات الشام، فقل أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم‏.‏ وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم أموالهم، فأخذ منها ثلاث قِسِي ودرعين وثلاثة أسياف وثلاثة رماح، وخمس غنائمهم، وكان الذي تولي جمع الغنائم محمد بن مسلمة‏.‏
cover-289

السيرة النبوية

بنو قَينُقَاع ينقضون العهد

لما رأت اليهود أن الله قد نصر المؤمنين نصراً مؤزراً في ميدان بدر، وأنهم قد صارت لهم عزة وشوكة وهيبة في قلوب القاصي والداني‏.‏ تميزت قدر غيظهم، وكاشفوا بالشر والعداوة، وجاهروا بالبغي والأذى‏.‏ وكان أعظمهم حقداً وأكبرهم شراً كعب بن الأشرف ـ وسيأتي ذكره ـ كما أن شر طائفة من طوائفهم الثلاث هم يهود بني قينقاع، كانوا يسكنون داخل المدينة ـ في حي باسمهم ـ وكانوا صاغة وحدادين وصناع الظروف والأواني، ولأجل هذه الحرف كانت قد توفرت لكل رجل منهم آلات الحرب، وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة، وكانوا أشجع يهود المدينة، وكانوا أول من نكث العهد والميثاق من اليهود‏.‏ فلما فتح الله للمسلمين في بدر اشتد طغيانهم، وتوسعوا في تحرشاتهم واستفزازاتهم، فكانوا يثيرون الشغب، ويتعرضون بالسخرية، ويواجهون بالأذى كل من ورد سوقهم من المسلمين حتى أخذوا يتعرضون بنسائهم‏.‏ وعندما تفاقم أمرهم واشتد بغيهم، جمعهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فوعظهم ودعاهم إلى الرشد والهدي، وحـذرهم مغـبة البغـي والـعدوان، ولكنهم ازدادوا في شرهم وغطرستهم‏.‏ روي عن ابن عباس عليهما السلام قال‏:‏ لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً يوم بدر، وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع‏.‏ فقال‏:‏ ‏‏(‏يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً‏)‏‏،‏ قالوا‏:‏يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ‏ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ‏}‏.‏ كان في معنى ما أجاب به بنو قينقاع هو الإعلان السافر عن الحرب، ولكن كظم النبي صلى الله عليه وآله وسلم غيظه، وصبر المسلمون، وأخذوا ينتظرون ما تتمخض عنه الليالي والأيام‏.‏ وازداد اليهود ـ من بني قينقاع ـ جراءة، فقلما لبثوا أن أثاروا في المدينة قلقاً واضطراباً، وسعوا إلى حتفهم بظلفهم، وسدوا على أنفسهم أبواب الحياة‏.‏ ذكر أهل السير‏:‏ أن امرأة من العرب قدمت بجَلَبٍ لها، فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فَعَمَد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ـ وهي غافلة ـ فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ـ وكان يهودياً ـ فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع‏.‏
cover-288

السيرة النبوية

اليهود يكيدون للمسلمين وينشرون الفتن بينهم

مر شاس بن قيس -وكان شيخاً ‏‏يهودياً‏، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم- على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال‏:‏ قد اجتمع ملأ بني قَيْلَةَ بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتي شاباً من يهود كان معه، فقال‏:‏ اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بُعَاث وما كان من قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه‏:‏ إن شئتم رددناها الآن جَذَعَة ـ يعني الاستعداد لإحياء الحرب الأهلية التي كانت بينهم ـ وغضب الفريقان جميعاً، وقالوا‏:‏ قد فعلنا، موعدكم الظاهرة ـ والظاهرة‏:‏ الحَرَّة ـ السلاح السلاح، فخرجوا إليها ‏[‏وكادت تنشب الحرب‏]‏‏.‏ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال‏:‏ ‏‏(‏يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألف بين قلوبكم‏)‏ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس‏.‏ هذا نموذج مما كان اليهود يفعلونه ويحاولونه من إثارة القلاقل والفتن في المسلمين، وإقامة العراقيل في سبيل الدعوة الإسلامية، وقد كانت لهم خطط شتي في هذا السبيل‏.‏ فكانوا يبثون الدعايات الكاذبة، ويؤمنون وجه النهار، ثم يكفرون آخره؛ ليزرعوا بذور الشك في قلوب الضعفاء، وكانوا يضيقون سبل المعيشة على من آمن إن كان لهم به ارتباط مالي، فإن كان لهم عليه يتقاضونه صباح مساء، وإن كان له عليهم يأكلونـه بالباطل، ويمتنعون عن أدائه وكانوا يقولون‏:‏ إنما كان علينا قرضك حينما كنت على دين آبائك، فأما إذ صبوت فليس لك علينا من سبيل‏.‏
cover-287

السيرة النبوية

مؤامرة لاغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم باءت بالفشل

كان من أثر هزيمة المشركين في وقعة بدر أن استشاطوا غضباً، وجعلت مكة تغلي كالمِرْجَل ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى تآمر بطلان من أبطالها أن يقضوا على مبدأ هذا الخلاف والشقاق ومثار هذا الذل والهوان في زعمهم، وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏.‏ جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحِجْر بعد وقعة بدر بيسير ـ وكان عمير من شياطين قريش ممن كان يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وهم بمكة ـ وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر، فذكر أصحاب القَلِيب ومصابهم، فقال صفوان‏:‏ والله إن في العيش بعدهم خير‏.‏ قال له عمير‏:‏ صدقت والله، أما والله لولا دَيْن علي ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضَّيْعةَ بعدي لركبتُ إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قِبَلَهُمْ عِلَّةً، ابني أسير في أيديهم‏.‏ فاغتنمها صفوان وقال‏:‏ على دينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي، أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم‏.‏ فقال له عمير‏:‏ فاكتم عني شأني وشأنك‏.‏ قال‏:‏ أفعل‏.‏ ثم أمر عمير بسيفه فشُحِذَ له وسُمَّ، ثم انطلق حتى قدم به المدينة، فبينما هو على باب المسجد ينيخ راحلته رآه عمر بن الخطاب ـ وهو في نفر من المسلمين يتحدثون ما أكرمهم الله به يوم بدر ـ فقال عمر‏:‏ هذا الكلب عدو الله عمير ما جاء إلا لشر‏، ثم دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال‏:‏ يا نبي الله، هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحاً سيفه، قال‏:‏ ‏‏(‏فأدخله علي‏)‏، فأقبل إلى عمير فلَبَّبَهُ بحَمَالة سيفه، وقال لرجال من الأنصار‏:‏ ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون، ثم دخل به، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه ـ قال‏:‏ ‏‏(‏أرسله يا عمر، ادن يا عمير‏)‏، فدنا وقال‏:‏ أنْعِمُوا صباحاً، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة‏)‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏‏(‏ما جاء بك يا عمير ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم، فأحسنوا فيه‏.‏ قال‏:‏ ‏‏(‏فما بال السيف في عنقك‏؟‏‏)‏ قال‏:‏قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئاً ‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(‏اصدقني، ما الذي جئت له ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ ما جئت إلا لذلك‏.‏ قال‏:‏ ‏‏(‏بل قعدتَ أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت‏:‏ لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً، فتحمل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حائل بينك وبين ذلك‏)‏‏.‏ قال عمير‏:‏ أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم تشهد شهادة الحق،‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره‏)‏‏.‏ وأما صفوان فكان يقول‏:‏ أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر‏،‏ وكان يسأل الركبان عن عمير، حتى أخبره راكب عن إسلامه فحلف صفوان ألا يكلمه أبدًا، ولا ينفعه بنفع أبدا‏.‏ ورجع عمير إلى مكة وأقام بها يدعو إلى الإسلام، فأسلم على يديه ناس كثير‏.‏