المواد
cover-306

فوائد

مَن بطَّأ به عملُه لَم يُسرع به نسبُه

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه). النسب بدون عمل صالح لا يفيد صاحبه شيئاً، ولكن كونه يجمع بين النسب الشريف وبين العمل الصالح فيكون قد جمع بين الحسنيين، فقد رفع الإسلام سلمان الفارسي، وهو من الفرس وليس من العرب، ووضع أبا لهب وهو من بني هاشم، وهو ابن عبد المطلب، وعم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن كفره وعدم إيمانه وضعه، ولم يستفد بنسبه شيئاً، قال الله تعالى عنه: ( تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ  *  مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ  *  وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ  *  فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ) فالعبرة ليست بالأنساب وإنما هي بالأعمال الصالحة وبتقوى الله عز وجل، فولاية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إنما تنال بالتقوى والعمل الصالح لا بمجرد الإنتساب مع الفراغ من الإتباع وعمل الصالحات. ومن لَم يوَفق للإيمان والعمل الصالح، فإنَّ شرفَ النَّسَب لا يُفيده شيئاً، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)، وقال تعالى: ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا)، فمَن أبطأ به عملُه أن يبلُغَ به المنازلَ العاليةَ عند الله تعالى لَم يُسرِع به نسبُه، فيبلغه تلك الدَّرجات، فإنَّ اللهَ رتَّب الجزاءَ على الأعمال لا على الأنساب، كما قال تعالى: { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ }، وقد أمر الله تعالى بالمسارعةِ إلى مغفرتِه ورحمتِه بالأعمال، كما قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُم مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ). أنشد بعضهم: لعـمرُك مـا الإنـسانُ إلاَّ بدينه فلا تترك التقوى اتِّكالاً على النَّسب لقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارسٍ وقد وضع الشركُ النَّسِيبَ أبا لهب.
cover-305

حقوق آل البيت

نفي الدخيل عليهم والمنتسب إليهم زوراً

قال بعضهم:  والدَّعاوى إن لم تقيموا عليها بيِّنات أصحابها أدْعيَاءُ. ومذهب آل البيت الطاهرين قد انتسب إليه كثير من الأدعياء وتلبس به وبمحبته كثير من أصحاب الدعاوى الفارغة، وعند التمحيص تجده من أعداء هذا المذهب، بل من المشوهين له ومن الذين يدسون فيه ما ليس منه وما لا صلة له به إطلاقاً، على نهج وطريقة الغلاة والقرامطة والباطنية الذين يظهرون الحب والاتباع والنصرة لهذا المذهب وسرعان ما يتمكنون فيظهرون النفاق والمخالفة والبدع، وقد ذكر أهل التأريخ أن القرامطة أظهروا الانتساب لمذهب أهل البيت وأعلنوا ذلك حتى لما أحسنت الناس بهم الظن، أظهروا البدع والضلالات وأباحوا ما حرم الله تعالى واستباحوا الفواحش والحرمات، حتى قطع الله ظهورهم واضمحل ذكرهم على مر التاريخ، فلا يذكرون إلا بالذم، وإليك نماذج من كلام أئمة آل البيت في شأن من انتسب إليهم زورًا وبهتاناً نسوق لك منه شيئاً ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة. قال أمير المؤمنين عليه السلام: (لو ميزت شيعتي لما وجدتـهم إلا واصفة، ولو امتحنتهم لما وجدتـهم إلا مرتدين، ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد). (الكافي/الروضة 8/338). وقال لهم أيضا موبخاً: منيت بكم بثلاث، واثنتين: (صم ذوو أسماع، وبكم ذوو كلام، وعمي ذوو أبصار، لا أحرار صدق عند اللقاء، ولا إخوان ثقة عند البلاء).(نـهج البلاغة 142). وقال الإمام الحسين عليه السلام في دعائه على شيعته: (اللهم إن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترض الولاة عنهم أبداً، فإنـهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا فقتلونا). (الإرشاد للمفيد 241). وخاطبهم مرة أخرى ودعا عليهم، فكان مما قال: (لكنكم استسرعتم إلى بيعتنا كطيرة الدبا، وتـهافتم كتهافت الفراش، ثم نقضتموها، سفهاً وبعداً وسحقاً لطواغيت هذه الأمة وبقية الأحزاب ونبذة الكتاب، ثم أنتم هؤلاء تتخاذلون عنا وتقتلوننا، ألا لعنة الله على الظالمين). (الاحتجاج 2/24). وقال الإمام زين العابدين عليه السلام لأهل الكوفة: (هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق ثم قاتلتموه وخذلتموه .. بأي عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول لكم: قاتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي فلستم من أمتي). (الاحتجاج 2/32). وقال أيضاً عنهم: (إن هؤلاء يبكون علينا فمن قتلنا غيرهم؟) (الاحتجاج 2/29). وقال الباقر عليه السلام: (لو كان الناس كلهم لنا شيعة لكان ثلاثة أرباعهم بنا شكاكاً والربع الآخر أحمق). (رجال الكشي 79). وقال الصادق عليه السلام: (أما والله لو أجد منكم ثلاثة مؤمنين يكتمون حديثي ما استحللت أن أكتمهم حديثاً). (أصول الكافي 1/496). ويتبين من هذه الروايات التي سقناها أن كثيراً ممن يتنسب إلى هذا المذهب ويدعي محبته وموالاته ونصرته أن ذلك من قبيل الدعاوى فقط لا الحقيقة، والروايات هذه تبين براءة أئمة البيت من كثير ممن يزعم الانتساب لهم، فالانتساب يكون بالحق والحقيقة لا بالدعاوى والأباطيل. فمن حقوقهم إظهار مذهبهم الصافي على حقيقته حتى لا يختلط ويلتبس بغيره من المذاهب الباطلة والمحدثة والمزورة ، وذلك بفضح المنتسبين له زوراً وظلماً، حتى يميز الله الخبيث من الطيب، قال الله تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، ( الأنفال - 37).
cover-304

حقوق آل البيت

نبذ الغلو فيهم

لا شك أن الغلو في آل بيت النبي صلوات ربي وسلامه عليهم مجاوزة للحد وتعدٍ في حقهم وإنزالهم المنزلة التي لم ينزلها الله تعالى لهم، ومخالفة لهم إذ هم على الحقيقة لا يرضون بالغلو فيهم، وهذه جملة من الآثار التي جاءت عنهم في التحذير من ذلك نسوق شيئاَ منها. قال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام: "يهلك فيّ اثنان ولا ذنب لي: مُحبٌ مفرط ومبغض مفرط، وأنا أبرأ إلى الله تبارك وتعالى ممن يغلو فينا ويرفعنا فوق حدنا كبراءة عيسى ابن مريم عليه السلام من النصارى. قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). [المائدة: 116 – 117]. ثم قال عليه السلام: فمن ادّعى للأنبياء ربوبية، وادّعى للأئمة ربوبية أو نبوة أو لغير الأئمة إمامة، فنحن منه براء في الدنيا والآخرة".(الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 2، ص 217، الباب 46، ح، 1). وعن الفضيل بن عثمان، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: "اتقوا الله وعظموا الله، وعظموا رسول الله صلى الله عليه وآله. ولا تفضلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله أحداً، فإن الله سبحانه وتعالى فضّله. وأحبّوا أهل بيت نبيكم حبّاً مقتصداً ولا تغلو ولا تفرقوا. ولا تقولوا ما لا نقول. فإنكم إن قلتم وقلنا، ومتم ومتنا، ثم بعثكم الله وبعثنا، فكنا حيث يشاء الله وكنتم".(الحميري، قرب الإسناد، الحديث، 452، ص 129). وقال صالح بن سهل، كنت أقول في الصادق عليه السلام ما تقول الغلاة، فنظر إليّ وقال: "ويحك يا صالح، إنّا والله عبيدٌ مخلوقون لنا ربٌّ نعبده، وإن لم نعبده عذّبنا".(المازندراني، مناقب آل أبي طالب، ج 3، ص 347). فتبين من هذه الأخبار التي جاءت عنهم عليهم السلام أنهم يحذرون أشد التحذير من الغلو فيهم ورفعهم الى المقامات التي لم يأذن الله تعالى فيها لأحد من عباده، فالتوسط في هذا الباب هو المطلوب في حقهم وجنبهم عليهم السلام.
cover-303

فضائل آل البيت

فضائل آل البيت في السنة النبوية المطهرة

أما عن فضلهم وفضائلهم في سنة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه فهي كثيرة جداً نسوق شيئاً منها: فعن واثلةَ بنِ الأسْقَع قال: سمعتُ رسولَ الله يقول: (( إنَّ اللهَ اصطفى كِنانَةَ مِن ولدِ إسماعيل، واصطفى قريشاً من كِنَانَة، واصطفى مِن قريشٍ بَنِي هاشِم، واصطفانِي مِن بَنِي هاشِم )). وعن عائشةَ قالت: (( خرج النَّبِيُّ غداةً وعليه مِرْطٌ مُرَحَّل مِن شَعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمَّ جاء الحُسين فدخل معه، ثمَّ جاءت فاطمةُ فأدخلَها، ثمَّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمَّ قال: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } )). وعن سَعد بن أبي وقَّاص قال: (( لَمَّا نزلت هذه الآيةُ { فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ } دعا رسولُ الله عليًّا وفاطمةَ وحَسناً وحُسيناً، فقال: اللَّهمَّ هؤلاء أهل بيتِي )). وعن يزيد بن حيَّان قال: (( انطلقتُ أنا وحُصين بن سَبْرة وعمر بنُ مسلم إلى زيد بنِ أرقم، فلمَّا جلسنا إليه، قال له حُصين: لقد لقيتَ - يا زيد! - خيراً كثيراً ، رأيتَ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسمعتَ حديثَه، وغزوتَ معه، وصلَّيتَ خلفه، لقد لقيتَ - يا زيد! - خيراً كثيراً، حدِّثْنا - يا زيد! - ما سَمعتَ من رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: يا ابنَ أخي! والله! لقد كَبِرَتْ سِنِّي، وقَدُم عهدِي، ونسيتُ بعضَ الذي كنتُ أعِي من رسول الله ، فما حدَّثتُكم فاقبلوا، وما لا فلا تُكَلِّفونيه، ثمَّ قال: قام رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فينا خطيباً بماءٍ يُدعى خُمًّا، بين مكة والمدينة، فحمِد اللهَ وأثنى عليه، ووعظ وذكَّر، ثم قال: أمَّا بعد، ألا أيُّها الناس! فإنَّما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسولُ ربِّي فأُجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثَقَلَيْن؛ أوَّلُهما كتاب الله، فيه الهُدى والنُّور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه ثم قال: وأهلُ بَيتِي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهل بيتِي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهل بيتِي، أُذكِّرُكم اللهَ في أهل بيتِي، فقال له حُصين: ومَن أهلُ بيتِه يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيتِه؟ قال: نساؤه مِن أهل بيتِه ولكن أهلُ بيتِه مَن حُرِم الصَّدقةُ بعده، قال: ومَن هم؟ قال: هم آلُ عليٍّ، وآلُ عَقيل، وآلُ جعفر، وآلُ عبَّاس، قال: كلُّ هؤلاء حُرِم الصَّدقة؟ قال: نعم! )). وفي لفظ: (( فقلنا: مَن أهلُ بيتِه؟ نساؤه؟ قال: لا، وايمُ الله! إنَّ المرأةَ تكون مع الرَّجل العصرَ من الدَّهر، ثم يُطلِّقها، فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيتِه أصلُه وعَصَبتُه الذين حُرِموا الصَّدقة بعده )). وعن ابن عباس: (( أنَّه سُئل عن قوله { إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى }،فقال: إنَّ النَّبِيَّ لم يكن بطنٌ من قريش إلاَّ كان له فيهم قرابة، فقال: إلاَّ أن تَصِلُوا ما بيني وبينكم من قرابة )). وعن جابر بن عبدالله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء، يخطب، فسمعته يقول: ((يا أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي)). والأحاديث والأخبار في فضلهم وفضائلهم وعلو شأنهم كثيرة جداً سقنا منها هذا النزر اليسير كي لا نطيل على القاريء والمستفيد، صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.
cover-302

لا إفراط ولا تفريط

لعن الله من ذبح لغير الله

صح عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض. من المعلوم بالأدلة من الكتاب والسنة أن التقرب بالذبح لغير الله من الأولياء أو الجن أو الأصنام أو غير ذلك من المخلوقات شرك بالله ومن أعمال الجاهلية والمشركين، قال الله عز وجل: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام:162] والنسك هو الذبح، وبين سبحانه في هذه الآية أن الذبح لغير الله شرك بالله كالصلاة لغير الله. وقال تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَفَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر:1-2] أمر الله سبحانه نبيه في هذه السورة الكريمة أن يصلي لربه وينحر له، خلافا لأهل الشرك الذين يسجدون لغير الله ويذبحون لغيره، والذبح من العبادة فيجب إخلاصه لله تعالى وحده. فعن العباس بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: إن هؤلاء العوام يزعمون أن الشرك أخفى من دبيب النمل في الليلة الظلماء على المسح الأسود، فقال: لا يكون العبد مشركا حتى يصلي لغير الله أو يذبح لغير الله أو يدعو لغير الله عز وجل. أنظر: موسوعة أحاديث أهل البيت (ع) - الشيخ هادي النجفي - ج 7 - الصفحة 354.
cover-301

لا إفراط ولا تفريط

ولا يشفعون إلا لمن ارتضى

إن الشفاعة حق من حقوق الله تعالى وليس لأحد من خلقه حق ولا تصرف فيها كما قال سبحانه وتعالى: (قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا)، ومن عظمته وكماله وكبريائه جعلها حقاً خالصاً له وحده ولا تنال إلا يوم القيامة، وذلك برضاه عز وجل عن الشافع والمشفوع، فالشافع يكون ممن رضي الله عنه ورضي قوله وعمله والمشفوع فيه أن يكون من أهل التوحيد لا من أهل الشرك والتنديد، فالشفاعة لها شرطان، الأول رضاه تعالى عن الشافع بأن يكون أهلاً للشفاعة والثاني رضاه عن المشفوع له بأن يكون من أهل الأخلاص والتوحيد، فمن لقيه بالشرك يكون قد أبطل الشفاعة في حق نفسه وحرم منها، لأنه سبحانه لا يرضى من القول والعمل إلا ما كان صواباً خالصاً لوجهه وما كان على طريقة رسوله المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه. فعن محمد بن أبي عمير قال : سمعت موسى بن جعفر عليهما السلام يقول: لا يخلد الله في النار إلا أهل الكفر والجحود ، وأهل الضلال والشرك . ومن اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر ، قال الله تبارك وتعالى : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً. قال فقلت له : يابن رسول الله فالشفاعة لمن تجب من المذنبين ؟ قال : حدثني أبي عن آبائه عن علي عليهم السلام قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنما شفاعتي لاَهل الكبائر من أمتي ، فأما المحسنون منهم فما عليهم من سبيل. قال ابن أبي عمير فقلت له : يابن رسول الله فكيف تكون الشفاعة لاَهل الكبائر والله تعالى ذكره يقول : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ؟ ومن يرتكب الكبائر لا يكون مرتضى ! فقال : يا أبا أحمد مامن مؤمن يرتكب ذنباً إلا ساءه ذلك وندم عليه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كفى بالندم توبة. وقال صلى الله عليه وآله : من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن ولم تجب له الشفاعة ، وكان ظالماً والله تعالى ذكره يقول : ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع. فقلت له : يا ابن رسول الله وكيف لا يكون مؤمناً من لم يندم على ذنب يرتكبه ؟ فقال : يا أبا أحمد ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم أنه سيعاقب عليها إلا ندم على ما ارتكب ، ومتى ندم كان تائباً مستحقاً للشفاعة ، ومتى لم يندم عليها كان مصراً ، والمصر لا يغفر له ، لاَنه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب ، ولو كان مؤمناً بالعقوبة لندم . وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا كبيرة مع الاِستغفار ، ولا صغيرة مع الاِصرار . وأما قول الله عز وجل: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، فإنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه ، والدين الاِقرار بالجزاء على الحسنات والسيئات ، فمن ارتضى الله دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب ، لمعرفته بعاقبته في القيامة. أنظر: وسائل الشيعة ج 11 ص 266 ، وفي تفسير نور الثقلين ج 4 ص 517، التوحيد للصدوق ص 407.  وقيل للرضا عليه السلام : يا بن رسول الله فما معنى قول الله تعالى : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ؟ قال : لا يشفعون إلا لمن ارتضى دينه ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : شفاعتي لاَهل الكبائر من أمتي ما خلا الشرك والظلم. أنظر: روضة الواعظين ص 501.
cover-300

فوائد

حياة الخضر عليه السلام بين الحقيقة والخرافة

جاء عند الشيخ الصدوق في كمال الدين عن الحسن بن علي بن فضال قال: سمعتُ أبا الحسن علي بن موسى الرضا (ع) يقول: "إنَّ الخضر عليه السلام شرب من ماء الحياة، فهو حيٌّ لا يموت حتى يُنفخ في الصور". أنظر: (كمال الدين وتمام النعمة ص 390). فهذا الخبر فيه أن الخضر عليه السلام لا يزال حياً، ولا يقبض حتى تقوم الساعة، وهذا مردود من عدة وجوه كما قرره المحققون من أهل العلم. قال أهل العلم: الصحيح أن الخضر مات من دهر طويل قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، وليس لوجوده حقيقة، بل هذا كله باطل وليس له وجود، وهذا هو الصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم، فالخضر عليه السلام مات قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، بل قبل مبعث عيسى عليه السلام. والصحيح أن الخضر نبي كما دل عليه ظاهر القرآن الكريم، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء أولاد عَلات، وليس بيني وبينه نبي فدل على أن الخضر قد مات قبل ذلك، ولو فرضنا أنه ليس نبياً وأنه رجل صالح لكان اتصل بالنبي ﷺ، لو فرضنا أنه لم يتصل لكان مات على رأس مائة سنة كما قال عليه الصلاة والسلام في آخر حياته: أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد فدل ذلك على أن من كان موجودًا في ذلك الوقت لا يبقى بعد مائة سنة بنص النبي عليه الصلاة والسلام أنهم يموتون قبل انخرام المائة. وفيه كذلك أن الخضر عليه السلام لو كان حياً لخرج وظهر وبايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآزره وأعانه على دعوته، وهذا لم يحدث ولم نسمع به في سيرة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه  وعلى آل بيته الطاهرين، فتبين بذلك أنه بشر من جملة البشر المحكوم عليه بالفناء والموت بحلول آجالهم، قال الله عز وجل: { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ } [ الأنبياء: 34 ].
cover-299

فضائل آل البيت

فضائل أمير المؤمنين في سنة النبي الأمين

قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث كثيرة في فضائل أمير المؤمنين علي عليه السلام، نسوق شيئاً منها. عن زر قال: قال عليٌّ عليه السًلامُ: «والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إليّ أن لا يحبني إلاّ مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافق». وجاء من حًدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ خَرجَ إِلَى تَبُوكَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا فَقَالَ: أَتخَلفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ قَالَ: «أَلاَ تَرْضى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هارونَ مِنْ موسى إِلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي». ومًا صًحً عن رًسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَقُولُ، يَوْمَ خَيْبَرَ: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلاً يَفتَحُ اللهُ عَلَى يَديْهِ». فَقَامُوا يَرْجُونَ لِذلِكَ، أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا وَكُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطِي فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيٌّ؟» فَقِيلَ: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَأَمَرَ، فَدُعِي لَهُ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ، فَبَرَأَ مَكَانَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ شَيْءٌ فَقَالَ: نقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ: «عَلَى رِسْلِكَ، حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَوَاللهِ لأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». ومن حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ  قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ عليه السًلامُ عنه تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَيْبَرَ، وَكَانَ بِهِ رَمَدٌ فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ عَلِيٌّ، فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا فِي صَبَاحِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ أَوْ قَالَ: لَيَأْخُذَنَّ غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، أَوْ قَالَ: يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْهِ». فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ، وَمَا نَرْجُوهُ فَقَالُوا: هذَا عَلِيٌّ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ. ومن حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ علِيًّا فِي الْبَيْتِ فَقَالَ: «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟» قَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ، فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لإِنْسَانٍ: «انْظُرْ أَيْنَ هُوَ». فَجَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِوآله وَسَلَّمَ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُهُ عَنْهُ، وَيَقُولُ: «قُمْ أَبا تُرَابٍ قُمْ أَبَا تُرَابٍ». والأحاديث في فضله وعلو مكانته ومنزلته كثيرة سقنا منها هذا النزر اليسير، عليه السلام وعلى آل بيته الطاهرين.
cover-298

النواصب وآل البيت

الطعن في العباس وابنه عبدالله عليهما السلام

قال الله عز وجل: (وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا) ( الإسراء - 72). جاء في تفسير القمِّي عن الإمام زين العابدين (ع) أنَّ هذه الآية نزلت في عبد الله بن عباس وفي أبيه العباس عليهما السلام وكذلك أورد الرواية نفسها العياشي في تفسيره والكشي في اختيار معرفة الرجال. أنظر تفسير القمي -علي بن إبراهيم القمي- ج2 / ص23، تفسير العياشي -محمد بن مسعود العياشي- ج2 / ص305، اختيار معرفة الرجال رجال الكشي ج1 / ص273-274. فانظر الى هذه الروايات التي جاءت عند الغلاة والتي فيها طعن صريح في العباس وابنه عبدالله عليهما السلام وتنزيل لتفسير هذه الآية الكريمة غير منزلها، وهذا مسلك خبيث من مسالك النواصب الحاقدين على آل البيت، ولا يخفى علي عاقل فضل أبي الفضل العباس عليه السلام وفضل ابنه عبدالله حبر هذه الأمة وترجمان القرآن عليهما رضوان الله تعالى. وقد جاء عند أهل العلم والتحقيق في تفسير هذه الآية ما يلي: { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ } الدنيا { أَعْمَى } عن الحق فلم يقبله، ولم ينقد له، بل اتبع الضلال. { فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى } عن سلوك طريق الجنة كما لم يسلكه في الدنيا، { وَأَضَلُّ سَبِيلًا } فإن الجزاء من جنس العمل. وقيل : من كان في هذه الدنيا أعمى عن الاعتبار فهو في الآخرة أعمى عن الاعتذار . وقيل كذلك: من كان في هذه الدنيا ضالا كافرا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته .  قال  الحلِّي في الخلاصة: "عبد الله بن العباس، من أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، كان مُحبًّا لعليٍّ (عليه السلام) وتلميذه، حالُه في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين (عليه السلام) أشهر مِن أنْ يخفى. وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمَّن قدحًا فيه، وهو اجلُّ من ذلك، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير وأجبنا عنها رضي الله تعالي عنه" أنظر(خلاصة الأقوال - ص190). وقال ابنُ داود الحلِّي في رجاله: "عبد الله بن العباس (رضي الله عنه) حالُه أعظمُ من أنْ يُشار إليه في الفضل والجلالة ومحبَّةِ أمير المؤمنين (عليه السلام) وانقيادِه إلى قوله" أنظر(رجال ابن داود -الحسن بن علي بن داود الحلِّي- ص121).
cover-297

النواصب وآل البيت

الذين يتدينون بالنصب

للنصب صورة غالية، ومنه ما دون ذلك، والغلوّ في النصب له صورتان: الأولى: تكفير الخوارج لأمير المؤمنين علي عليه السلام بعد حادثة التحكيم المشهورة، فالخوارج ناصبة مكفّرة. الثانية: ما وقع من بعض ولاة بني أمية وعمالهم من سبّ أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، حيث انتشر سبّه على المنابر، حتى أبطل هذه العادة عمر بن عبد العزيز، وانتشار النصب في هذه الحقبة ثابت تاريخيًّا، وهذا كما يقول أهل العلم والتأريخ:من أعظم ما نقمه الناس على بني أمية، ففي بعضهم نصب ظاهر. وهذه البدعة القبيحة لم يتردّد العلماء في التحذير والتبرؤ منها، ونصّوا في مصنفاتهم وكتبهم على ذلك، فقالوا: ويتبرؤون من طريقة الغلاة الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم ويكفرونهم، ومن طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
cover-296

السيرة النبوية

سرية زيد بن حارثة إلى القردة

وهذه السرية هي آخر وأنجح سرية قام بها المسلمون قبل غزوة أحد، وحدثت في جمادى الآخرة من السنة الثالثة للهجرة. وكان سببها أن قريشا بعد غزوة بدر، خافت أن تسلك الطريق المعتادة الذي كانت تسلكه إلى الشام قبل غزوة بدر، فقالوا -وقد اقترب موسم رحلتهم في الصيف إلى الشام-: إن محمداً قد عور (أفسد) علينا متجرنا، وهو على طريقنا، فما ندري أين نسلك، فقال صفوان بن أمية: إن أقمنا بمكة أكلنا رؤوس أموالنا، فلم يكن لها من بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة. فقال الأسود بن عبد المطلب: أنا أدلكم على رجل يسلك بكم طريق النجدية -وهي طريق طويلة جدا تخترق نجد إلى الشام، وتمر في شرقي المدينة على بعد كبير منها، وكانت قريش تجهل هذه الطريق كل الجهل-. فقال صفوان بن أمية: من هذا الرجل -أي الدليل؟ قال: فرات بن حيان: من بني بكر بن وائل، فدعوه، فاستأجروه دليلا على الطريق، وخرجت عير قريش، وفيها مال كثير، وفضة كثيرة وزن ثلاثين ألف درهم، يقودها صفوان بن أمية، وقيل أبو سفيان بن حرب، فسلك بهم فرات بن حيان على ذات عرق طريق العراق. وقد بلغت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنباء هذه العير، وذلك أن نعيم بن مسعود الأشجعي قدم المدينة، وهو على دين قومه، فنزل على كنانة بن أبي الحقيق في بني النضير، فشرب معه الخمر، وعنده سليط بن النعمان -وكان قد أسلم- ولم تحرم الخمر يومئذ، فلما أخذت الخمر من نعيم تحدث بالتفصيل عن أمر العير وخطة سيرها، فخرج سليط من ساعته مسرعا إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبره بأمرهم. فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن حارثة، في مائة راكب يعترض عير قريش، فلقيهم على ماء من مياه نجد يقال له: القردة، فاستولى عليها كلها، ولم يكن من صفوان بن أمية ومن معه من حرس القافلة إلا الفرار بدون أي مقاومة.
cover-295

السيرة النبوية

غزوة بُحْران

وهي دورية قتال كبيرة، قوامها ثلاثمائة مقاتل، قادها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في شهر ربيع الآخر سنة 3 هـ إلى أرض يقال لها‏:‏ بحران ـ وهي مَعْدِن بالحجاز من ناحية الفُرْع ـ فأقام بها شهر ربيع الآخر ثم جمادى الأولى ـ من السنة الثالثة من الهجرة ـ ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق حرباً‏.‏
cover-294

السيرة النبوية

موقف اليهود من مقتل كعب بن الأشرف

ولما علمت اليهود بمصرع طاغيتها كعب بن الأشرف دب الرعب في قلوبهم العنيدة، وعلموا أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لن يتوانى في استخدام القوة حين يرى أن النصح لا يجدي نفعاً لمن يريد العبث بالأمن وإثارة الفتن والاضطرابات بين المسلمين وعدم احترام المواثيق، فلم يحركوا ساكناً لقتل طاغيتهم، بل لزموا الهدوء، وتظاهروا بإيفاء العهود، واستكانوا، وأسرعت الأفاعي إلى جحورها تختبئ فيها.‏
cover-293

السيرة النبوية

مقتل عدو الله كعب بن الأشرف

كان كعب بن الأشرف من أشد اليهود حنقاً على الإسلام والمسلمين، وإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتظاهرا بالدعـوة إلى حربه، ولما بلغه أول خبر عن انتصار المسلمين، وقتل صناديد قريش في بدر قال‏:‏ أحق هذا‏؟‏ هؤلاء أشراف العرب، وملوك الناس، والله إن كان محمدٌ أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها‏.‏ ولما تأكد لديه الخبر، انبعث عدو الله يهجو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، ويمدح عدوهم ويحرضهم عليهم، ولم يرض بهذا القدر حتى ركب إلى قريش، فنزل على المطلب بن أبي وَدَاعة السهمي، وجعل ينشد الأشعار يبكي فيها على أصحاب القَلِيب من قتلى المشركين، يثير بذلك حفائظهم، ويذكي حقدهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويدعوهم إلى حربه، وعندما كان بمكة سأله أبو سفيان والمشركون‏:‏ أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه‏؟‏ وأي الفريقين أهدي سبيلاً‏؟‏ فقال‏:‏ أنتم أهدي منهم سبيلا، وأفضل، وفي ذلك أنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً‏}‏‏‏.‏ ثم رجع كعب إلى المدينة على تلك الحال، وأخذ يشبب في أشعاره بنساء المسلمين، ويؤذيهم بسلاطة لسانه أشد الإيذاء‏.‏ وحينئذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏من لكعب بن الأشرف ‏؟‏ فإنه آذى الله ورسوله‏)‏، فانتدب له محمد بن مسلمة، وعَبَّاد بن بشر، وأبو نائلة ـ واسمه سِلْكَان بن سلامة، وهو أخو كعب من الرضاعة ـ والحارث بن أوس، وأبو عَبْس بن جبر، وكان قائد هذه المفرزة محمد بن مسلمة‏.‏ وتفيد الروايات في قتل كعب بن الأشرف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قال‏:‏ ‏‏(‏من لكعب بن الأشرف ‏؟‏ فإنه قد آذى الله ورسوله‏)‏، قام محمد بن مسلمة فقال‏:‏ أنا يا رسول الله، أتحب أن أقتله ‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(‏نعم‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فائذن لي أن أقول شيئاً‏.‏ قال‏:‏ ‏‏(‏قل‏)‏‏.‏ فأتاه محمد بن مسلمة، فقال‏:‏ إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عَنَّانا‏.‏ قال كعب‏:‏ والله لَتَمَلُّنَّهُ‏.‏ قال محمد بن مسلمة‏:‏ فإنا قد اتبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه‏؟‏ وقد أردنا أن تسلفنا وَسْقـًا أو وَسْقَين‏.‏ قال كعب‏:‏ نعم، أرهنوني‏.‏ قال ابن مسلمة‏:‏ أي شيء تريد‏؟‏ قال‏:‏ أرهنوني نساءكم‏.‏ قال‏:‏ كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب‏؟‏ قال‏:‏ فترهنوني أبناءكم‏.‏ قال‏:‏ كيف نرهنك أبناءنا فيُسَبُّ أحَدُهم فيقال‏:‏ رُهِن بوسق أو وسقين هذا عار علينا‏.‏ ولكنا نرهنك الَّلأْمَة، يعني السلاح‏.‏ فواعده أن يأتيه‏.‏ وصنع أبو نائلة مثل ما صنع محمد بن مسلمة، فقد جاء كعباً فتناشد معه أطراف الأشعار سويعة، ثم قال له‏:‏ ويحك يا بن الأشرف، إني قد جئت لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني‏.‏ قال كعب‏:‏ أفعل‏.‏ قال أبو نائلة‏:‏ كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء، عادتنا العرب، ورمتنا عن قَوْسٍ واحدة، وقطعتْ عنا السبل، حتى ضاع العيال، وجُهِدَت الأنفس، وأصبحنا قد جُهِدْنا وجُهِد عيالنا، ودار الحوار على نحو ما دار مع ابن مسلمة‏.‏ وقال أبو نائلة أثناء حديثه‏:‏ إن معي أصحاباً لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم، فتبيعهم وتحسن في ذلك‏.‏ وقد نجح ابن مسلمة وأبو نائلة في هذا الحوار إلى ما قصد، فإن كعباً لن ينكر معهما السلاح والأصحاب بعد هذا الحوار‏.‏ وفي ليلة مُقْمِرَة ـ ليلة الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة 3 هـ ـ اجتمعت هذه المفرزة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فشيعهم إلى بَقِيع الغَرْقَد، ثم وجههم قائلاً‏:‏ ‏‏(‏انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم‏)‏، ثم رجع إلى بيته، وطفق يصلى ويناجي ربه‏.‏ وانتهت المفرزة إلى حصن كعب بن الأشرف، فهتف به أبو نائلة، فقام لينزل إليهم، فقالت له امرأته ـ وكان حديث العهد بها‏:‏ أين تخرج هذه الساعة‏؟‏ أسمع صوتاً كأنه يقطر منه الدم‏.‏ قال كعب‏:‏ إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة أجاب، ثم خرج إليهم وهو متطيب ينفح رأسه‏.‏ وقد كان أبو نائلة قال لأصحـابـه‏:‏ إذا ما جاء فإني آخذ بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، فلما نزل كعب إليهم تحدث معهم ساعة، ثم قال أبو نائلة‏:‏ هل لك يا بن الاشرف أن نتماشى إلى شِعْب العجوز فنتحدث بقية ليلتنا‏؟‏ قال‏:‏ إن شئتم، فخرجوا يتماشون، فقال أبو نائلة وهو في الطريق‏:‏ ما رأيت كالليلة طيباً أعطر، وزهي كعب بما سمع، فقال‏:‏ عندي أعطر نساء العرب، قال أبو نائلة:‏ أتأذن لي أن أشم رأسك ‏؟‏ قال‏:‏ نعم ، فأدخل يده في رأسه فشمه وأشم أصحابه ‏.‏ ثم مشى ساعـة ثم قال‏:‏ أعود‏؟‏ قال كعب‏:‏ نعم، فعاد لمثلها،‏ حتى اطمأن‏.‏ ثم مشى ساعة ثم قال‏:‏ أعود‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فأدخل يده في رأسه، فلما استمكن منه قال‏:‏ دونكم عدو الله، فاختلفت عليه أسيافهم، لكنها لم تغن شيئاً، فأخذ محمد بن مسلمة مِغْوَلاً فوضعه في ثُنَّتِهِ، ثم تحامل عليه حتى بلغ عانته، فوقع عدو الله قتيلاً، وكان قد صاح صيحة شديدة أفزعت من حوله، فلم يبق حصن إلا أوقدت عليه النيران‏.‏ ورجعت المفرزة وقد أصيب الحارث بن أوس بذُبَاب بعض سيوف أصحابه فجرح ونزف الدم، فلما بلغت المفرزة حَرَّة العُرَيْض رأت أن الحارث ليس معهم، فوقفت ساعة حتي أتاهم يتبع آثارهم، فاحتملوه، حتي إذا بلغوا بَقِيع الغَرْقَد كبروا، وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكبيرهم، فعرف أنهم قد قتلوه، فكبر، فلما انتهوا إليه قال‏:‏ ‏‏(‏أفلحت الوجوه‏)‏، قالوا‏:‏ ووجهك يا رسول الله، ورموا برأس الطاغية بين يديه، فحمد الله على قتله، وتفل علي جرح الحارث فبرأ، ولم يؤذ بعده‏.‏
cover-292

السيرة النبوية

غزوة ذي أمر أو غطفان

وهي أكبر حملة عسكرية قادها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل معركة أحد، قادها في المحرم سنة 3 هـ‏.‏ وسببها أن استخبارات المدينة نقلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن جمعاً كبيراً من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا، يريدون الإغارة على أطراف المدينة، فندب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين، وخرج في أربعمائة وخمسين مقاتلاً ما بين راكب وراجل، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان‏.‏ وفي أثناء الطريق قبضوا على رجل يقال له‏:‏ جُبَار من بني ثعلبة، فأدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدعاه إلى الإسلام فأسلم، فضمه إلى بلال، وصار دليلاً لجيش المسلمين إلى أرض العدو‏.‏ وتفرق الأعداء في رءوس الجبال حين سمعوا بقدوم جيش المدينة‏.‏ أما النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد وصل بجيشه إلى مكان تجمعهم، وهو الماء المسمى ‏[‏بذي أمر‏]‏ فأقام هناك صفراً كله ـ من سنة 3 هـ ـ أو قريباً من ذلك، ليشعر الأعراب بقوة المسلمين، ويستولي عليهم الرعب والرهبة، ثم رجع إلى المدينة‏.‏
cover-291

السيرة النبوية

غزوة السَّوِيق

ثم توالت الغزوات والانتصارات والبشائر، فبينما كان صفوان بن أمية واليهود والمنافقون يقومون بمؤامراتهم وعملياتهم، كان أبو سفيان يفكر في عمل قليل المغارم ظاهر الأثر، يتعجل به، ليحفظ مكانة قومه، ويبرز ما لديهم من قوة، وكان قد نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمداً، فخرج في مائتي راكب ليبِرَّ يمينه، حتى نزل بصدْر قَناة إلى جبل يقال له‏:‏ ثَيبٌ، من المدينة على بَرِيد أو نحوه، ولكنه لم يجرؤ على مهاجمة المدينة جهاراً، فقام بعمل هو أشبه بأعمال القرصنة، فإنه دخل في ضواحي المدينة في الليل مستخفياً تحت جنح الظلام، فأتي حيي بن أخطب، فاستفتح بابه، فأبي وخاف، فانصرف إلى سَلاَّم بن مِشْكَم سيد بنِي النضير، وصاحب كنزهم إذ ذاك، فاستأذن عليه فأذن، فَقَرَاه وسقاه الخمر، وبَطَن له من خبر الناس، ثم خرج أبو سفيان في عقب ليلته حتى أتي أصحابه، فبعث مفرزة منهم، فأغارت على ناحية من المدينة يقال لها‏:‏ ‏[‏العُرَيض‏]‏، فقطعوا وأحرقوا هناك أصْوَارًا من النخل، ووجدوا رجلاً من الأنصار وحليفاً له في حرث لهما فقتلوهما، وفروا راجعين إلى مكة‏.‏ وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخبر، فسارع لمطاردة أبي سفيان وأصحابه، ولكنهم فروا ببالغ السرعة، وطرحوا سويقاً كثيراً من أزوادهم وتمويناتهم، يتخففون به، فتمكنوا من الإفلات، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قَرْقَرَةِ الكُدْر، ثم انصرف راجعاً‏،‏ وحمل المسلمون ما طرحه الكفار من سويقهم، وسموا هذه المناوشة بغزوة السويق‏.‏ وقد وقعت في ذي الحجة سنة 2 هـ بعد بدر بشهرين، واستعمل على المدينة في هذه الغزوة أبا لبابة بن عبد المنذر‏.‏
cover-290

السيرة النبوية

غزوة بني قينقاع

غزوة بني قينقاع الحصار ثم التسليم ثم الجلاء وحينئذ عِيلَ صبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاستخلف على المدينة أبا لُبَابة بن عبد المنذر، وأعطى لواء المسلمين حمزة بن عبد المطلب عليه السلام، وسار بجنود الله إلى بني قينقاع، ولما رأوه تحصنوا في حصونهم، فحاصرهم أشد الحصار، وكان ذلك يوم السبت للنصف من شوال سنة 2 هـ، ودام الحصار خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة، وقذف الله في قلوبهم الرعب ـ فهو إذا أرادوا خذلان قوم وهزيمتهم أنزله عليهم وقذفه في قلوبهم ـ فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم، فأمر بهم فكتفوا‏.‏ وحينئذ قام رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول بدور نفاقه، فألح على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يصدر عنهم العفو، فقال‏:‏ يا محمد، أحسن فـي موالي ـ وكـان بنـو قينـقاع حلفـاء الخزرج ـ فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكرر ابن أبي مقالته فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درعه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏أرسلني‏)‏، وغضب حتى رأوا لوجهه ظُللاً ، ثم قال‏:‏ ‏‏(‏ويحك، أرسلني‏)‏‏،‏ ولكن المنافق مضى على إصراره وقال‏:‏ لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة ‏؟‏ إني والله امرؤ أخشي الدوائر‏.‏ وعامل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا المنافق ـ الذي لم يكن مضي على إظهار إسلامه إلا نحو شهر واحد فحسب ـ عامله بالحسنى‏،‏ فوهبهم له، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذْرُعَات الشام، فقل أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم‏.‏ وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم أموالهم، فأخذ منها ثلاث قِسِي ودرعين وثلاثة أسياف وثلاثة رماح، وخمس غنائمهم، وكان الذي تولي جمع الغنائم محمد بن مسلمة‏.‏
cover-289

السيرة النبوية

بنو قَينُقَاع ينقضون العهد

لما رأت اليهود أن الله قد نصر المؤمنين نصراً مؤزراً في ميدان بدر، وأنهم قد صارت لهم عزة وشوكة وهيبة في قلوب القاصي والداني‏.‏ تميزت قدر غيظهم، وكاشفوا بالشر والعداوة، وجاهروا بالبغي والأذى‏.‏ وكان أعظمهم حقداً وأكبرهم شراً كعب بن الأشرف ـ وسيأتي ذكره ـ كما أن شر طائفة من طوائفهم الثلاث هم يهود بني قينقاع، كانوا يسكنون داخل المدينة ـ في حي باسمهم ـ وكانوا صاغة وحدادين وصناع الظروف والأواني، ولأجل هذه الحرف كانت قد توفرت لكل رجل منهم آلات الحرب، وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة، وكانوا أشجع يهود المدينة، وكانوا أول من نكث العهد والميثاق من اليهود‏.‏ فلما فتح الله للمسلمين في بدر اشتد طغيانهم، وتوسعوا في تحرشاتهم واستفزازاتهم، فكانوا يثيرون الشغب، ويتعرضون بالسخرية، ويواجهون بالأذى كل من ورد سوقهم من المسلمين حتى أخذوا يتعرضون بنسائهم‏.‏ وعندما تفاقم أمرهم واشتد بغيهم، جمعهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فوعظهم ودعاهم إلى الرشد والهدي، وحـذرهم مغـبة البغـي والـعدوان، ولكنهم ازدادوا في شرهم وغطرستهم‏.‏ روي عن ابن عباس عليهما السلام قال‏:‏ لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً يوم بدر، وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع‏.‏ فقال‏:‏ ‏‏(‏يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً‏)‏‏،‏ قالوا‏:‏يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ‏ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ‏}‏.‏ كان في معنى ما أجاب به بنو قينقاع هو الإعلان السافر عن الحرب، ولكن كظم النبي صلى الله عليه وآله وسلم غيظه، وصبر المسلمون، وأخذوا ينتظرون ما تتمخض عنه الليالي والأيام‏.‏ وازداد اليهود ـ من بني قينقاع ـ جراءة، فقلما لبثوا أن أثاروا في المدينة قلقاً واضطراباً، وسعوا إلى حتفهم بظلفهم، وسدوا على أنفسهم أبواب الحياة‏.‏ ذكر أهل السير‏:‏ أن امرأة من العرب قدمت بجَلَبٍ لها، فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فَعَمَد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ـ وهي غافلة ـ فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ـ وكان يهودياً ـ فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع‏.‏
cover-288

السيرة النبوية

اليهود يكيدون للمسلمين وينشرون الفتن بينهم

مر شاس بن قيس -وكان شيخاً ‏‏يهودياً‏، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم- على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال‏:‏ قد اجتمع ملأ بني قَيْلَةَ بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتي شاباً من يهود كان معه، فقال‏:‏ اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بُعَاث وما كان من قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه‏:‏ إن شئتم رددناها الآن جَذَعَة ـ يعني الاستعداد لإحياء الحرب الأهلية التي كانت بينهم ـ وغضب الفريقان جميعاً، وقالوا‏:‏ قد فعلنا، موعدكم الظاهرة ـ والظاهرة‏:‏ الحَرَّة ـ السلاح السلاح، فخرجوا إليها ‏[‏وكادت تنشب الحرب‏]‏‏.‏ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال‏:‏ ‏‏(‏يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر وألف بين قلوبكم‏)‏ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس‏.‏ هذا نموذج مما كان اليهود يفعلونه ويحاولونه من إثارة القلاقل والفتن في المسلمين، وإقامة العراقيل في سبيل الدعوة الإسلامية، وقد كانت لهم خطط شتي في هذا السبيل‏.‏ فكانوا يبثون الدعايات الكاذبة، ويؤمنون وجه النهار، ثم يكفرون آخره؛ ليزرعوا بذور الشك في قلوب الضعفاء، وكانوا يضيقون سبل المعيشة على من آمن إن كان لهم به ارتباط مالي، فإن كان لهم عليه يتقاضونه صباح مساء، وإن كان له عليهم يأكلونـه بالباطل، ويمتنعون عن أدائه وكانوا يقولون‏:‏ إنما كان علينا قرضك حينما كنت على دين آبائك، فأما إذ صبوت فليس لك علينا من سبيل‏.‏
cover-287

السيرة النبوية

مؤامرة لاغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم باءت بالفشل

كان من أثر هزيمة المشركين في وقعة بدر أن استشاطوا غضباً، وجعلت مكة تغلي كالمِرْجَل ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى تآمر بطلان من أبطالها أن يقضوا على مبدأ هذا الخلاف والشقاق ومثار هذا الذل والهوان في زعمهم، وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏.‏ جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحِجْر بعد وقعة بدر بيسير ـ وكان عمير من شياطين قريش ممن كان يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وهم بمكة ـ وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر، فذكر أصحاب القَلِيب ومصابهم، فقال صفوان‏:‏ والله إن في العيش بعدهم خير‏.‏ قال له عمير‏:‏ صدقت والله، أما والله لولا دَيْن علي ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضَّيْعةَ بعدي لركبتُ إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قِبَلَهُمْ عِلَّةً، ابني أسير في أيديهم‏.‏ فاغتنمها صفوان وقال‏:‏ على دينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي، أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم‏.‏ فقال له عمير‏:‏ فاكتم عني شأني وشأنك‏.‏ قال‏:‏ أفعل‏.‏ ثم أمر عمير بسيفه فشُحِذَ له وسُمَّ، ثم انطلق حتى قدم به المدينة، فبينما هو على باب المسجد ينيخ راحلته رآه عمر بن الخطاب ـ وهو في نفر من المسلمين يتحدثون ما أكرمهم الله به يوم بدر ـ فقال عمر‏:‏ هذا الكلب عدو الله عمير ما جاء إلا لشر‏، ثم دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال‏:‏ يا نبي الله، هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحاً سيفه، قال‏:‏ ‏‏(‏فأدخله علي‏)‏، فأقبل إلى عمير فلَبَّبَهُ بحَمَالة سيفه، وقال لرجال من الأنصار‏:‏ ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون، ثم دخل به، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه ـ قال‏:‏ ‏‏(‏أرسله يا عمر، ادن يا عمير‏)‏، فدنا وقال‏:‏ أنْعِمُوا صباحاً، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة‏)‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏‏(‏ما جاء بك يا عمير ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم، فأحسنوا فيه‏.‏ قال‏:‏ ‏‏(‏فما بال السيف في عنقك‏؟‏‏)‏ قال‏:‏قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئاً ‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏(‏اصدقني، ما الذي جئت له ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ ما جئت إلا لذلك‏.‏ قال‏:‏ ‏‏(‏بل قعدتَ أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت‏:‏ لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً، فتحمل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حائل بينك وبين ذلك‏)‏‏.‏ قال عمير‏:‏ أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم تشهد شهادة الحق،‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏‏(‏فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره‏)‏‏.‏ وأما صفوان فكان يقول‏:‏ أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر‏،‏ وكان يسأل الركبان عن عمير، حتى أخبره راكب عن إسلامه فحلف صفوان ألا يكلمه أبدًا، ولا ينفعه بنفع أبدا‏.‏ ورجع عمير إلى مكة وأقام بها يدعو إلى الإسلام، فأسلم على يديه ناس كثير‏.‏
cover-286

السيرة النبوية

غزوة بني سُلَيم بالكُدْر

أول ما نقلت استخبارات المدينة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد بدر أن بني سليم وبني غَطَفَان تحشد قواتها لغزو المدينة، فباغتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مائتي راكب في عقر دراهم، وبلغ إلى منازلهم في موضع يقال له‏:‏ الكُدْر‏،‏ ففر بنو سليم، وتركوا في الوادي خمسمائة بعير استولى عليها جيش المدينة، وقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد إخراج الخمس فأصاب كل رجل بعيرين، وأصاب غلاما يقال له‏:‏ ‏‏(‏يسار‏)‏ فأعتقه‏.‏ وأقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ديارهم ثلاثة أيام، ثم رجع إلى المدينة‏.‏ وكانت هذه الغزوة في شوال سنة 2 هـ بعد الرجوع من بدر بسبعة أيام، أوفي المحرم للنصف منه، واستخلف في هذه الغزوة على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطَة‏،‏ وقيل‏:‏ ابن أم مكتوم‏.‏
cover-285

السيرة النبوية

النشاط العسكري بين غزوة بدر وغزوة أحد

إن معركة بدر كانت أول لقاء مسلح بين المسلمين والمشركين، وكانت معركة فاصلة أكسبت المسلمين نصراً حاسماً شهد له العرب قاطبة‏،‏ والذين كانوا أشد استياء لنتائج هذه المعركة هم أولئك الذين منوا بخسائر فادحة مباشرة، وهم المشركون، أو الذين كانوا يرون عزة المسلمين وغلبتهم ضرباً قاصماً على كيانهم الديني والاقتصادي، وهم اليهود‏،‏ فمنذ أن انتصر المسلمون في معركة بدر كان هذان الفريقان يحترقان غيظاً وحنقًا على المسلمين؛ ‏{‏لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ‏}‏، وكانت في المدينة بطانة للفريقين دخلوا في الإسلام حين لم يبق مجال لعزهم إلا في الإسلام، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه، ولم تكن هذه الفرقة الثالثة أقل غيظاً من الأوليين‏.‏ وكانت هناك فرقة رابعة، وهم البدو الضاربون حول المدينة، لم يكن يهمهم مسألة الكفر والإيمان، ولكنهم كانوا أصحاب سلب ونهب، فأخذهم القلق، واضطربوا لهذا الانتصار، وخافوا أن تقوم في المدينة دولة قوية تحول بينهم وبين اكتساب قوتهم عن طريق السلب والنهب، فجعلوا يحقدون على المسلمين وصاروا لهم أعداء‏.‏ وتبين بهذا أن الانتصار في بدر كما كان سبباً لشوكة المسلمين وعزهم وكرامتهم كذلك كان سبباً لحقد جهات متعددة، وكان من الطبيعي أن يتبع كل فريق ما يراه كفيلاً لإيصاله إلى غايته‏.‏ فبينما كانت المدينة وما حولها تظاهر بالإسلام، وتأخذ في طريق المؤامرات والدسائس الخفية كانت فرقة من اليهود تعلن بالعداوة، وتكاشف عن الحقد والغيظ، وكانت مكة تهدد بالضرب القاصم، وتعلن بأخذ الثأر والنقمة، وتهتم بالتعبئة العامة جهاراً، وترسل إلى المسلمين بلسان حالها، تقول‏:‏ ولا بد من يوم أغرّ مُحَجَّل ** يطول استماعي بعده للنوادب
cover-284

السيرة النبوية

رسول الله يغضب لابنته فاطمة الزهراء عليها السلام

ولم يتزوج علي عليه السلام على فاطمة الزهراء عليها السلام عنها حتى ماتت، وعندما أراد علي عليه السلام أن يتزوج عليها ابنة أبي جهل، غضبت فاطمة، وأتت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تشتكيه، فقد جاء عن المسور بن مخرمة قال: إن علياً عليه السلام خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك فاطمة، فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فسمعته حين تشهد يقول: "أما بعد أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني، وإني أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبنت عدو الله عند رجل واحد". وفي رواية قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنها هي بضعة مني يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها". وفي رواية آخرى قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إن فاطمة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها"، ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إياه، قال: حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبنت عدو الله أبداً، فترك علي عليه السلام الخطبة.
cover-283

السيرة النبوية

شأن بقية الآل، محسن وأم كلثوم وزينب عليهم السلام

وأما محسن فقد مات صغيرا، قال أهل السير: اتفق أهل العلم بالسير أن محسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، مات صغيراً في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأما أم كلثوم عليها السلام فولدت في حدود سنة ست من الهجرة، ورأت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم ترو عنه شيئا، وقد تزوجها عمر بن الخطاب، فولدت له زيداً، ومات عنها عمر، فتزوجت بعده ببني عمها جعفر واحداً بعد واحد، تزوجت بعون بن جعفر، فمات عنها، ثم تزوجها أخوه محمد بن جعفر، فمات عنها، ثم تزوجها أخوهما عبد الله بن جعفر، فماتت عنده. فعن الإمام علي بن الحسين عليه السلام قال: أن عمر بن الخطاب خطب إلى علي بن أبي طالب عليه السلام أم كلثوم، فقال: أنكحنيها، فقال علي: إني أرصدها (الانتظار) لابن أخي عبد الله بن جعفر، فقال عمر: أنكحنيها فوالله ما من الناس أحد يرصد من أمرها ما أرصده فأنكحه علي، فأتى عمر المهاجرين، فقال: ألا تهنوني؟ فقالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ فقال: بأم كلثوم بنت علي وابنة فاطمة بنت رسول الله عليهما السلام، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا ما كان من سببي ونسبي"، فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسب وسبب. وأما زينب عليها السلام، فإنها ولدت في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت امرأة عاقلة لبيبة (عاقلة) جزلة (جيدة الرأي)، زوجها أبوها علي عليه السلام من عبد الله بن أخيه جعفر، فولدت له علياً، وعوناً الأكبر، وعباساً، ومحمداً، وأم كلثوم، وكانت مع أخيها الحسين عليهما السلام لما قتل، وحملت إلى دمشق، وماتت عند زوجها عبد الله بن جعفر عليهم السلام أجمعين.
cover-282

السيرة النبوية

شأن الإمام الحسين بن علي عليهما السلام

وأما الإمام الحسين عليه السلام فولد في شعبان من السنة الرابعة من الهجرة، وكان عليه السلام أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أسفل صدره إلى أسفله، فقد جاء عن أبيه عليه السلام علي بن أبي طالب قال: الحسن أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما كان أسفل من ذلك. وفي رواية أخرى، قال علي عليه السلام: كان الحسن بن علي أشبه الناس برسول صلى الله عليه وآله وسلم من وجهه إلى سرته، وكان الحسين أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أسفل ذلك. وجاء عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة". وجاء عن ابن عمر أن رجلاً، سأله عن دم البعوض، فقال ابن عمر: من أين أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "هما ريحانتاي من الدنيا". قال أهل العلم: أورد ابن عمر هذا متعجبا من حرص أهل العراق على السؤال عن الشيء اليسير، وتفريطهم في الشيء الجليل من سفك دم هذا الإمام عليه السلام.
cover-281

السيرة النبوية

شأن الإمام الحسن بن علي عليهما السلام

فأما الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام: فهو سبط (الطائفة والقطعة منه صلى الله عليه وآله وسلم) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن ابنته فاطمة الزهراء عليها السلام، وريحانته، وأشبه خلق الله برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وجهه (عن أنس قال: لم يكن أحد أشبه بالنبي من الحسن عليه السلام)، ولد عليه السلام للنصف من رمضان، وقيل في شعبان سنة ثلاث من الهجرة، فحنكه (مضغ الشيء ووضعه في فم الصبي) رسول الله بريقه، وسماه حسناً، وهو أكبر ولد أبويه، وكان رسول الله يحبه حبا شديدا، وربما مص لسانه، واعتنقه وداعبه، وربما جاء ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساجد في الصلاة، فيركب على ظهره فيقره على ذلك، ويطيل السجود من أجله، وربما صعد معه إلى المنبر، وقد ثبت في الحديث: أنه صلى الله عليه وآله وسلم بينما هو يخطب إذ رأى الحسن والحسين مقبلين، فنزل إليهما، فاحتضنهما، وأخذهما معه إلى المنبر، وقال: "صدق الله: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة}، إني رأيت هذين يمشيان ويعثران فلم أملك أن نزلت إليهما". قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه" قالها ثلاثاً. قال أهل السير عن الحسن بن علي عليهما السلام: وقد كان هذا الإمام سيداً، وسيماً، جميلاً، عاقلاً، رزيناً، جوادا، ممدحاً، خيراً، ديناً، ورعاً، محتشماً، كبير الشأن.
cover-280

السيرة النبوية

عقيقة الحسن والحسين عليهما السلام

وعق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً يوم السابع من ولادتهما، فعن عائشة قالت: عق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حسن وحسين يوم السابع، وسماهما، وأمر أن يماط عن رأسهما الأذى. وجاء عن ابن عباس عليهما السلام قال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً. وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحبهما حباً شديداً ويفرح برؤيتهما. قال أهل العلم: العقيقة: هي الذبيحة التي تذبح عن المولود، وأصل العق: الشق والقطع، وقيل للذبيحة عقيقة، لأنها يشق حلقها.
cover-279

السيرة النبوية

أولادها من عليٍ عليهم السلام أجمعين

وولدت فاطمة الزهراء عليها السلام لعلي بن أبي طالب عليه السلام: الحسن، والحسين، ومحسنا، وأم كلثوم، وزينب عليهم السلام أجمعين. جاء عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: لما ولد الحسن سميته حرباً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "أروني ابني، ما سميتموه؟ " قال: قلت: حربا. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "بل هو حسن"، فلما ولد الحسين سميته حربا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "أروني ابني، ما سميتموه؟ " قال: قلت: حربا. قال صلى الله عليه وآله وسلم: "بل هو حسين"، فلما ولد الثالث سميته حربا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "أروني ابني، ما سميتموه؟ " قال: قلت: حربا. قال -صلى الله عليه وسلم-: "بل هو محسن"، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: "سميتهم بأسماء ولد هارون: شبر وشبير ومشبر". وجاء في تسمية الحسن والحسين سبب آخر، فقد جاء عن علي عليه السلام قال: لما ولد الحسن سماه حمزة، فلما ولد الحسين سماه بعمه جعفر، قال فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "إني أمرت أن أغير اسم هذين"، فقلت: الله ورسوله أعلم، فسماهما حسناً وحسيناً.
cover-278

السيرة النبوية

ما جاء في خطبتها وصداقها وجهازها وزفافها عليها السلام

خطبتها وصداقها عليها السلام: عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال نفر من الأنصار لعلي عليه السلام: عندك فاطمة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسلم عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما حاجة ابن أبي طالب؟ " قال: يا رسول الله، فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "مرحبا وأهلا"، لم يزده عليها، فخرج علي عليه السلام على أولئك الرهط من الأنصار وهم ينتظرونه، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما أدري، ولكنه قال لي: "مرحبا وأهلا"، قالوا: يكفيك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحداهما أعطاك الأهل، وأعطاك المرحب. وجاء عن ابن عباس عليهما السلام قال: قال لي علي عليه السلام: أردت أن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنته، فقلت: ما لي من شيء فكيف؟ ثم ذكرت صلته وعائدته صلى الله عليه وآله وسلم، فخطبتها إليه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "هل لك من شيء؟ " قلت: لا، قال: "فأين درعك الحطمية؟ "، قال: هي عندي، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "فأعطنيها"، قال علي عليه السلام: فأعطيتها إياه. وجاء كذلك عن ابن عباس عليهما السلام قال: ما استحل علي عليه السلام فاطمة عليها السلام إلا ببدن (الدرع) من حديد. جهازها ووليمة عرسها عليها السلام: ثم جهز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنته فاطمة عليها السلام، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده، فقد جاء عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: "جهز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام في خميلة (قطيفة بيضاء من الصوف)، وقربة (يستسقى بها، وتكون للماء)، ووسادة أدم (الجلد) حشوها ليف الإذخر". ولما أراد علي عليه السلام أن يبني بفاطمة عليها السلام، قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا علي، إنه لابد للعرس من وليمة". فقال سعد: علي كبش، وجمع له رهط من الأنصار آصعاً (مكيال لأهل المدينة) من ذرة. فلما كان ليلة البناء، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: "لا تحدث شيئا حتى تلقاني"، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بماء فتوضأ منه، ثم إنه أفرغه على علي عليه السلام، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: "اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك في نسلهما".
cover-277

السيرة النبوية

زواج علي عليه السلام من فاطمة الزهراء عليها السلام

تزوج علي بن أبي طالب عليه السلام من فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الأولى من الهجرة، وبنى بها في السنة الثانية من الهجرة، عقب وقعة بدر، واختلف في تحديد الشهر، ولعله كان في شوال، فإن غزوة بدر كانت في رمضان، وقيل في ذي الحجة. قال أهل السير: والدليل على أن بناء علي بن أبي طالب عليه السلام بفاطمة الزهراء عليها وعلى أبيها السلام بعد غزوة بدر ما جاء عن علي عليه السلام، قال: كانت لي شارف (الناقة المسنة) من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاني شارفا من الخمس، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله عليها السلام، واعدت رجلاً صواغا من بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخر (حشيشة طيبة الرائحة) أردت أن أبيعه الصواغين، وأستعين به في وليمة عرس. وكان عمر فاطمة الزهراء عليها السلام يوم بنى بها علي عليه السلام ثمان عشرة سنة، وعمر علي عليه السلام يومئذ خمسه وعشرون سنة.